حذام زهور عدي: هواجس عن المفاوضات                                                            

 

حذام زهور عدي – مجلة رؤية سورية / ع 49 تشرين الثاني 2017م

لن أنفي أن توافقاً دولياً ما يكمن وراء مؤتمر الرياض2، وأن مندوبي أكثر من ثلاثين دولة حضروا المؤتمر لنقل أجوائه لدولهم ورصد مواقف الحاضرين،ولا أظن أن كثيراً مما قيل حول الدور الروسي في حيثيات انعقاده يمكن تجاهله، لكن لنحاول وضع المكبرة للبحث عن الدور السعودي وأماكن تأثيره، مع افتراض واقعي أن للديبلوماسية السعودية دوراً يختلف في أهدافه ومجريات أموره عن الآخرين من روس وغيرهم، ذلك وبكل بساطة لأن المصالح مختلفة إلى هذا الحد أو ذاك.

لقد أراد الروس ومن اختبأ خلفهم أن يعقدوا أولاً مؤتمراً بسوتشي “لشعوب سورية” وعندما وجدوا أن صيغتهم صادمة لدرجة الإجماع السوري على رفضها، حاولوا اللعب بتبديل العنوان إلى “الحوار الوطني السوري” لكنَ رياحهم لم تستطع تسيير سفينة السوريين وفق التوجه الذي يرغبون به،وكانت هيئة المفاوضات المنتخبة من مؤتمر الرياض1 قد ارتفع صوتها مطالبة بمؤتمر توسعة لها لتقيم الحجة على المطالب الدولية بتوحيد المعارضة السورية ضمن وفد مفاوض واحد،وبالطبع فإن المملكة هي المؤهلة لعقد مثل هذا المؤتمر ليس فقط من خلال التفويض الدولي لها في مقررات مؤتمر فيينا وإنما أيضاً لأنها الحضن العربي الذي يؤثر معنوياً على الثوار السوريين ويٌعطيهم نوعاً من الأمان الذي هم بحاجة إليه. وكان من البدهي أن يحاول الروس” المحتلين لسورية وأصحاب القرار في نظامها الحاكم”أن يتركوا  بصمات أصابعهم فيه، ليكون مقدمة للمؤتمر الذي لايزالون يعقدون الآمال عليه في تحقيق حلهم الذي يحفظ مصالحهم باحتلال سورية إلى أجل غير مسمى،ويسمح بمساومة تعدَل الخارطة السياسية العالمية باتجاه موقع يحتل مركز الاتحاد السوفييتي كما كان في القرن الماضي، ويعيد لروسيا القيصرية أمجادها التاريخية….في أثناء ذلك  عمدوا إلى تمهيد الساحة من خلال المحادثات “الروسية- التركية- الإيرانية” باعتبار التأثير الميداني لتلك الدول من جانب، وتابعوا قصف الفصائل السورية التي لم تستسلم بعد، لإنهاء دورها السياسي أيضاً من جانب آخر..وأملوا أن مؤتمر الرياض2 سيُنتج وفداً مفاوضاً يقبل حلهم وينفذ رغبتهم في إنهاء” المسألة السورية” بالسرعة المطلوبة، وربما عرضوا على المملكةحلولاً وقدموا لها وعوداً كعادتهم قد لاتطمئن لها المملكة حق الاطمئنان لكنها تنتظر لترى، كما يقال، وفي الانتظار تبدو للمراقب كأنها تستجيب للرغبة الروسية، لكنها من جانب آخر تراهن على القرارات الدولية السابقة، و موقف المعارضة السورية التي تعرفها تمام المعرفة، ليس من خلال صلتها بأعضاء مهمين فيها فقط وإنما من خلال المواقف العلنية والسرية لمعظم قيادات تشكيلاتها السياسية، والتي  تجلت في هيئة المفاوضات ووفدها المفاوض ومن خلال الرفض الاجماعي لمؤتمر سوتشي المقترح سابقاً وفي معظم البيانات والعرائض المنشورة ومن خلال الرياض1 و..و…

إن أي متتبع لما يحصل في منطقة الشرق الأوسط والمواقف الدولية منها لايستطيع تجاهل مصالح الدول التي تدفعها لاتخاذ مواقف من الثورة السورية ليست- بشكل عام-  في مصلحة الشعب السوري، ولاتتناسب بالمطلق مع الأثمان الباهظة التي دفعها من أجل حياة حرة كريمة، وإذا كانت الدول البعيدة جغرافياً لها مصالح تعتمد على إنهاء الثورة السورية لصالح نظام قروسطي رفضه معظم الشعب السوري وثار عليه إلا أن دول الخليج العربي ولاسيما المملكة العربية السعودية تستبطن مصالح مختلفة عنهم ومتوافقة إلى حد غير قليل مع مصالح الشعب السوري الذي لا يخوض معركته الخاصة فقط إنما هي معركة الدفاع عن الأمة العربية كلها وعن رسالتها الاسلامية القويمة في وجه عدوان مجوسي شرس، إن تمكن من تحقيق أهدافه- لاسمح الله- لن يُبقي أحداً منهم في سلام،وبالطبع فإن للدول الكبرى مصالحها التي تتقلب مع تقلب موازين القوى، وعندها لن ينفع أحد القول” اُكلت يوم أُكلت سورية، وقدترجمت الديبلوماسية السعودية هذه المصالح من خلال مواقفها العملية التي جعلت لها خطاً لايمكن تجاوزه، لأن تجاوزه هو التفريط بأهم مصالحها الداخلية والخارجية…

يفترض المتابع لأمور المنطقة أن المملكة قبلت فكرة الدعوة إلى مؤتمر الرياض2 ليس تلبية للطلب الدولي فقط إنما أيضاً تلبية لرغبة هيئة المفاوضات بالتوسعة ،لكنها قبلت بالوقت نفسه، ترضية للطلب الدولي ، استبعاد معظم رجال هيئة التفاوض السابقة، حتى إن المؤتمر افتقد شخصيات كان السوريون يرتاحون لحديثها الإعلامي ومواقفها الجريئة الثابتة، ويعتقدون أنها تمثلهم، وأنها ضمانة لعدم تقديم تنازلات تعيدهم الى مربع الاستعباد والفساد والطائفية، بالمقابل كانت الخارجية السعودية واثقة بأن كثيراً ممن دُعوا هم أهل لحمل الأمانة، وبأن سورياً كائناً من كان لن يستطيع تجاهل الدماء وخيانة المسؤولية التاريخية ولن يقبل أن يقترن اسمه بالغدر والتفريط بدماء الشهداء وعذابات المنافي والدمار، إلا إذاكان يمثل النظام الذي على شاكلته،

ولأن المملكة  تعرف ذلك، فقد كانت كلمة معالي الوزير الجبير في افتتاح المؤتمرتُحمِل مسؤولية نتائجه للمؤتمرين أنفسهم حين خاطبهم بقوله: نوافق على ماتتفقون عليه، وأنتم أحرار في هذا التوافق،

وكأني بالسيد الوزير نفسه يقول للروس في نهاية المؤتمر:  لقد دعونا عدداً وازناً ممن تعتقدون أنهم أكثر مرونة من سابقيهم تجاه ما تطرحون، وهاهي المعارضة السورية تتوحد معاً وفق طلب المجتمع الدولي، اقرؤوا مخرجات ما توافقوا عليه، فقد تجدون فيها بعضاً مما تشتهون، لكنكم سترون أيضاً خطوط الدماء الحمر التي خطها كل جنين أجهضته الطائرات الروسية وكل طفل سوري دفنته تحت ركام منزله أو ابتلعته أمواج التهجير، وكل امرأة وشيخ وشاب عانى من الحصار والموت مرضاً وجوعاً وتعذيباً، تلك الخطوط التي لن يجرؤ سوري واحد من الثوار على تجاوزها،حتى منصة موسكو لم تجرؤ صراحة على الدعوة لبقاء الأسد مع ما بذلته من مناورات وجهد لتمرير الحل الروسي المعلن…

قد يشك السوريون في صلابة أو مرونة بعض الأسماء التي انتخبها المؤتمر كهيئة تُنازل وفد النظام في معارك المفاوضات القادمة، ومع الأهمية التي لايمكن تجاهلها لقوة أو ضعف مستوى التشكيلة الجديدة في قدرتها على إدارة أمور المفاوضات والتعبير عن حقوق الشعب السوري وثورته، إلا أنها كحد أدنى لن تستطيع تجاهل قرار غالبية الشعب السوري بالتغيير الجذري للنظام الأسدي بدءاً من رئيسه  ،الذي يضمن وحده إيقاف العبث الإيراني بمصائر الشعوب العربية، وأكاد أفترض أن دول الخليج العربي وعلى رأسهم  المملكة لن يكونوا بعيدين عن هذا القرار، حتى لو اتفق الكبار على شيء مختلف كثيراًأو قليلا عنه.

يعرف السوريون وأصدقاؤهم أن ورقة استقرار سورية، التي تضمن مصالح جميع المهتمين والمؤثرين هي في أيدي السوريين أولاً وآخراً، والمأمول من الوفد المفاوض ألا يُفرط بهذه الورقة مهما اشتدت عليه الضغوط،وليكن على ثقة بأن الأشقاء لن يخذلوه، وأن لغطاً كثيراً قد يُثيره أعداء الثورة ليسبب إرباكاً له، لكن من يضحك أخيراً يضحك كثيراً والشعب السوري مصمم أن يضحك هو لا أن يضحك الآخرون عليه…

23/11/2017     

   

 

  

شاهد أيضاً

منظمة إيرانية :: مقتل 30 من علماء الدين الشيعة في سوريا

  كشف رئيس منظمة تعبئة المستضعفين في إيران، “غلام حسين برور”، اليوم الأربعاء، عن مقتل …