نجم الدين سمان: حلب.. بريشة الفنان الأرمني أرميس

 

نجم الدين سمان – مجلة رؤية سورية / ع 50 كانون الثاني 2018م

كثير من الفنانين التشكيليين انجذبوا إلى الفضاء العمراني المُميَّز لمدينة حلب: رحَّالة ومستشرقين ومِن أبنائِها بالطبع. 

أو.. أنّ حلب قد جذبتهم إليها بغواية جمالها المخبوء في صلابة الحجر؛ فوقعوا في هواها. ‏

أحد هؤلاء “أرميناك ميسيريان” المعروف فنياً باسم وتوقيع: “أرميس” على لوحاته. ‏

يُوثق لنا الدكتور “روبيرت جبه جيان” حياة هذا الفنان ورسومه عن حلب ما بين 1920 ـ 1930 في كتابٍ يضمُّ لوحاته مع شروح أثرية وتاريخية أنجزها د. محمود حريتاني. ‏

وقد وُلد الفنان أرميناك ميسيريان عام 1910م في بلدة أديامان بمقاطعة كيليكيا، ثم هاجر مع والدته وأخته إلى دير الزور عام 1915 مع قوافل الأرمن المهجرين، ومنها إلى الموصل، حتى استقرَّ في حلب مع نهاية الحرب العالمية الأولى.

وكان منذ طفولته قد أظهر ميلاً خاصاً إلى الرسم، وتابعه في شبابه رغم كلّ الظروف التي مرَّت به وبشعبه، حتى لكأنّ هوايته هي التي علَّمته، حتى عُين مدرساً للرسم في المدرسة الابتدائية الأرمنية في محلّة “العَريَان” قرب باب النصر؛ جاذباً طلابه نحو الرسم في حين لم يكن الفنّ التشكيلي آنذاك.. يتعدّى نقلَ وتكبير الصور والبطاقات البريدية. ‏

يمكن الإشارة إلى أن الفنان “أرميس” مِن أوائل القنانين الذين افتتحوا مرسماً في حلب؛ ضمن دكانٍ في شارع الخندق، ولمّا كان الاقبال على رسم “بورتريهات” للوجوه ضعيفاً، كان أرميس يلجأ من أجل خبزه اليومي لرسم لوحات “الكانافا” بالاعتماد على صور البطاقات البريدية، وبالرسم على الجدران وفي غرف المنازل. ‏

لكنه كان يحمل عُدَّته منذ مطلع العشرينيات في القرن الماضي ليرسم المباني الأثرية في حلب، وكأنه يريد أن يكون أحد الشهود على جمالياتها المتميزة من غير أن يدري ربما.. أن لوحاته ستغدو وثيقة تاريخية عمرانية هامة؛ بعد قرابة مئة عام؛ وبالتحديد بعد القصف الأسدي / الروسيّ للشهباء. ‏‏

طوال عشر سنوات ما بين 1920 ـ 1930 رسم  ميسيريان مئات المباني والجوامع والخانات والاسواق في حلب، ثم رغب بتطوير موهبته في الرسم فسافر إلى فرنسا عام 1930 للدراسة الأكاديمية، وهناك انتقل من أسلوبه التقليدي الكلاسيكي إلى التعبيرية؛ وبات يُوقع لوحاته الجديدة باسم “أرميس” الذي اشتهر فنياً به، وعندما عاد إلى حلب ساهم بتدريس الفن التشكيلي في أكاديمية صاريان التي أٌسِّست عام 1955، كما عرض أعماله في معرض فردي خاص في “أوتيل بارون” الشهير عام 1956. ‏

ثم أقام معرضاً آخر لدى عودته الثانية من باريس إلى حلب في أكاديمية صاريان للفنون التشكيلية في حلب، حيث كان قد حاز شهرة متميزة في باريس طوال فترة الخمسينيات والستينيات. ‏

ثم أقام الدكتور جبه جيان معرضاً في منزله بعد وفاة أرميس في 25 تموز 1977.

إشارتي إلى لوحاته في هذا المقال.. قد تفيد أحداً في مستقبلٍ قريب حين يتمُّ ترميم ما قصفه الطيران الأسدي / الروسي في حلب؛ وبخاصةٍ في شرقها؛ وفي المدينة القديمة تحديداً.

كم نحتاج إلى الوثائق من كلّ نوعٍ وصنف.. لنُرمِّم الذاكرة السورية من خراب الطغاة والغزاة معاً؟!.