محمد صارم: العدالة الغائبة في روايتين سوريتين

محمد صارم – مجلة رؤية سورية / ع 50 كانون الثاني 2018م

أدرك الضابط سليمان أن معمودية انتمائه للسلطة تستوجب منه القتل، ليس قتلا في معركة، ولا هو قتل واجب من وجهة نظره لمعارضين، إنه قتل مجاني لمدنيين اختبأوا في بيتهم ضمن أحداث حماه، اختار ضحاياه بنفسه بعيدا عن العيون، أو الشهود، ومارس جريمته، بدم بارد، لا ليرضي أسياده، بل ليكتشف في ذاته إمكانية الفعل، وأهلية الانتماء لهذه السلطة.

والضابط سليمان أو من سيعرف لاحقا باسم “المهندس” هو أحد الشخصيات الرئيسية في رواية ” السوريون الأعداء” للكاتب فواز حداد ، وعبر تلك الشخصية يغوص الكاتب  في رسم عوالم السلطة الداخلية في سوريا، وفهم أساليبها  وإدارتها لميكانزمات التحكم في المجتمع، وحتى في علاقاتها البينية .

وكان سليمان المنبوذ بشدة من أبويه وقريته قد طمح إلى رد اعتباره الذاتي، ولكن، ليس بتكفيره عن الذنب الذي قام به سابقا، ألا وهو تسليم خاله المعارض للسلطة، وإنما عبر القيام بكل ما يلزم للتقرب من السلطة والإمساك بمفاتيح القوة، وهو تكثيف دلالي في الرواية لعوالم رجال السلطة في سوريا، ومفهوم القوة لديهم.

وتعبّر شخصية القاضي سليم بنزاهتها وسذاجتها، عن الصراع اللا متكافئ بين قانون السلطة المنفلت، وسلطة القانون المنضبط، ليكتشف لاحقا انه مجرد أداة بيد المهندس الذي اختاره لإنشاء ملفات  احترازية بحق مسؤولين، يراد منها إخضاعهم ليس إلا، وان ما يمكن للقاضي، أن يفعله لا علاقة له بالقانون ذاته ولا بموقعه الوظيفي، وإنما بالقدر الذي تتيحه له السلطة ضمن عملية إعادة إنتاجها وتمجيدها لذاتها,.

ومن خلال الطبيب عدنان المعتقل، والناجي من الإعدام بصدفة قدرية يدخلنا الكاتب إلى عالم السجون السورية المليء بالقهر والعذاب والنسيان، وفي السجن تختفي شخصية الطبيب عدنان ضمن حالة فصام ليتحول إلى مجرد حامل للرقم 77  في رمزية ثنائية تحيل الأولى منها إلى أن كل فرد في المجتمع السوري برمته يعيش سجنه الافتراضي حتى لو كان خارجه، فيما ترمز الدلالة الثانية منه إلى امّحاء الذوات الفردية وتحول جميع السوريين إلى مجرد أرقام حتى لو احتفظوا بأسمائهم وألقابهم الاعتبارية، فما هم إلا حلقات واضحة أو خفية ضمن نظام متشابك يعمد إلى إرساء مداميكه النظرية والمادية بقوة  الواقع.

تحفر رواية السوريين الأعداء عميقا في مفهوم العدالة المغتصبة، وتبعاتها، من خلال سرد مباشر لأحداث بين زمنين عاصفين في تاريخها، يبدأ الزمن الأول منها مع مجزرة حماة، ويستمر الثاني مع استمرار الثورة.

وفي لحظة درامية عليا مشفوعة بالانتقام من غريمه، وقاتل أسرته، يسيطر الطبيب عدنان على فيلا المهندس، ويصوب مسدسا إلى رأسه، ولكنه يحجم عن قتله في النهاية، فالقتل الفردي ليس أكثر من ثأر شخصي فيما هو ينشد العدالة الاجتماعية التي لن تتحقق إلا بانتهاء النظام، كما يفكر الطبيب” العدالة ليست الانتقام ولا الثأر، إنها تدمير الدولة الظالمة … ينبغي محوها من الوجود هذه هي العدالة، ألا يتكرر ما أصاب مئات الآلاف من تنكيل، وأصاب بلدا يرزح تحت دبيب الموت والخوف”.

ولكن هل كان الطبيب سيفعل ذلك؟ أو يتحدث عن العدالة الجماعية، لولا رافعة الحلم الذي جددته الثورة؟ وجعلت منه موقفا ممكنا.

ربما يفعل، أو لا يفعل، و قد لا تملك العدالة قوة إعادة الحقوق المهدورة إلى أصحابها، ولا قوة إعادة الموتى إلى حياتهم من جديد، ولكنها وحدها تملك قوة اندمال الجرح النازف وتخفيف ندباته مع الزمن.

وإذا كانت العدالة الغائبة جلية الوضوح باعتبارها جزءا بنيويا من تركيب الحدث الروائي في رواية “السوريون الأعداء” فإنها تحضر بأعراضها، لا بذاتها في رواية “عين الشرق” للكاتب إبراهيم الجبين، لاختلاف مقولاتها العامة.

إن اغتيال العدالة في مجتمع ما، لا يخدش حائط السياسة  فحسب، وإنما يتعداه ليبدو كما لو انه موقف وجودي يتجلى في كل حركة، أو تعبير للشخصية المنتهبة، يغدو ظلا أو وسما لها، لا يمكن إخفاؤه ولا التنصل منه، وهو ما يظهر وكأنه صفة معظم شخصيات الرواية.

ففي الرواية تتحرك الشخوص وهي تبحث عن شيء ما ينقصها، شيء يتراوح بين الأمان والشهرة، شيء ما، يكاد لا يكون ملحوظا، ربما يختبئ في تلافيف المكان المشار إليه “دمشق”، وفي المكان تماما، تتجلى الإشارة إلى العدالة الغائبة، فالمكان المنهوب تعبير جلي عن انتهاب ساكنيه، ولعل الإشارة إلى فردوسيّة المكان، أيضا، هي إشارة  لحجم غياب العدالة، تلك الفردوسية التي يدل واقع الحال على وجود كل ما يتنافى ويتناقض معها.

ولعل أخطر ما في الأمر أن غياب العدالة الطويل صار جزءا أو نسقا من العادية والاعتياد فـ” السلطة صنعت هندسة الحياة، وصارت حقيقية أكثر من الحقيقة”، كما يقول الكاتب، أو كما يعبر عنها إخاد:” سوريا  كلها باتت قبرا ، ونحن نعيش فيها أحياء وأمواتا، ولا يوجد في سوريا مكان طاهر للصلاة اليوم.

لا يمكن لغياب العدالة إلا أن يخيم على الرواية السورية بدرجة ما، مهما كان موضوعها، ففي  حضور العدالة لن يضطر الرسام العجوز ناجي  أن يحمل مسدسا، وأن يبقى متحفزا، وخائفا طوال حياته من انتقام ضحاياه ،ستتكفل العدالة بما يلزم، من محاسبته ، وحمايته أيضا.

” لماذا تحمل مسدسا على خاصرتك؟ أخي أنا كان لي دور يوما ما. دور في ماذا؟ في الشعبة الثانية في المخابرات السورية. لا أخفيك إنا أطلقت بيدي هاتين رصاصة الرحمة على كثير من معارضي الحكم في سوريا”.

و باستثناء هذه الحادثة وأحاديث السجن المتخيلة، فان العدالة الغائبة في “عين الشرق” تخيم بحضورها كفضاء زماني ومكاني، تتحرك فيه شخوص الرواية، وتعبّر عن ملامحه وتبعاته، وتبقى أسيرة لسطوة هذا الغياب على مسارات حياتها، على الرغم أن سياق الأحداث والمقولات العامة لها تذهب في مناحي أخرى.

فيما العدالة في “السوريون الأعداء” هي جوهر المقولة التي ينشدها الحدث الروائي ويسعى للوصول إليها، وانه ما كان للسوريين أن يكونوا أعداء في ظل عدالة قائمة، وان ما حدث وما يحدث في سوريا ما هو إلا نتاج لغياب تلك العدالة لزمن طويل.