العملية العسكرية في عفرين: الدلالات والمخاطر والخيارات

 مركز حرمون للدراسات المعاصرة 18/2/2018

مقدمة

مع العملية العسكرية التركية في عفرين، تدخل المسألة السورية طورًا جديدًا، تتقاطع فيه حسابات وإرادات إقليمية ودولية، وتتبدى مشروعات وصفقات كبرى، تدخل في صميم مستقبل المشرق العربي لعقود طويلة مقبلة. وفي قراءة متأنية للمشهد السوري الراهن، نجد أن جميع الدلائل تؤكد أن العملية العسكرية تأتي بغية وأد حلم أكراد سورية في تأسيس كيان مستقل أو على أقل تقدير الحصول على حكم ذاتي واسع النطاق في إطار الدولة السورية، قد يهدد مستقبلًا ما تسميه تركيا أمنها القومي.

أولًا: جغرافية عفرين وديموغرافيتها

عفرين مدينة سورية مختلطة، سلّمتها سلطة آل الأسد إلى حزب (الاتحاد الديمقراطي) الكردي السوري (PYD) عام 2012 في سياق طعن الثورة السورية. وتقع المنطقة على ضفتي نهر عفرين في أقصى شمال غربي سورية، إلى الغرب من مدينة أعزاز، ومدينة حلب من جهة الجنوب التي تبعد عنها نحو 60 كيلومترًا وهي تتبع لها من الناحية الإدارية. ويحدها من الجنوب الغربي محافظة إدلب، بينما تحاذي الحدود التركية من جهة الغرب والشمال. وهي منطقة جبلية تبلغ مساحتها نحو 3850 كيلومترًا مربعًا، وهي منفصلة جغرافيًا عن المناطق الأخرى التي يسيطر عليها الأكراد على طول الحدود مع تركيا، والمتمثلة في منطقتي عين العرب (كوباني) والجزيرة في شرقي البلاد، وإن كانت ميليشيات الـ (PYD) توسعت إلى خارج حدود هذه المناطق بالاعتماد على الدعم الأميركي، مثل الرقة وريف دير الزور وريف حلب الغربي، حيث يشكل العرب أغلبية واضحة.

يبدو أن التركيبة الجغرافية والديموغرافية لمدينة عفرين تشكل تحديًا كبيرًا لأي قوة خارجية تريد التدخل فيها، حيث يسكن فيها نحو 500 ألف نسمة، تخشى تركيا مثلًا أن يحوّلهم تنظيم (PYD) إلى موالين أو دروع بشرية، نحو 45% منهم من الأكراد، يعتبرهم التنظيم “حاضنة شعبية له”، ولكن بعد موجات النزوح إلى المنطقة زاد عدد السكان على المليون نسمة.

تُعدّ عفرين، المعروفة بكروم زيتونها وبجودة إنتاجها من الزيت والصابون، أول منطقة اختبر فيها الأكراد الحكم الذاتي، بعد اندلاع الثورة وانسحاب القوات النظامية السورية منها. وعلى الرغم من أنها ليست مدينة ساحلية، لكنها تُشكّل أمل “القوميين الأكراد” للوصول إلى البحر المتوسط، كونها الأقرب إليه، وخسارتها تعني فقدان هذا الأمل. وتخضع المدينة سياسيًا لـ “الإدارة الذاتية”، وعسكريًا وأمنيًا لـ (وحدات حماية الشعب) الكردية التي أقامت تحصينات قوية، ويتمركز فيها آلاف المقاتلين، ما يعني أن المعركة فيها لن تكون سهلة.

تشير المعطيات المتوافرة إلى أن نسبة كبيرة من الأكراد في عفرين غير مرتاحة لسلطة الـ (PYD) وذراعه العسكري (وحدات حماية الشعب) لأنها تراه أداةً استخدمها “النظام السوري” في قمع خصومه الأكراد. كما تشير إلى أن لدى قسمٍ من أكراد عفرين علاقات جيدة مع تركيا، وإلى أن كثيرًا من عائلاتها لديهم أقارب فيها، وبعض أبنائها حصل على الجنسية التركية منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

على الرغم من أن موقع عفرين طرفيٌّ، يقع في أقصى الشمال الغربي لسورية، إلا أنه يحتل أهمية استراتيجية كبيرة في المشروعين، الكردي والتركي معًا؛ فكرديًّا لم تتوقف المساعي لربطها بالمقاطعتين الكرديتين الأخريين. وفي الوقت نفسه، فإن مشروع تركيا هو إفشال المشروع الكردي هذا، نظرًا إلى أن تحقيقه قد يفتح الطريق أمام إقامة كيان كردي على حدودها الجنوبية، يتمكن من التواصل مع أكراد تركيا.

ثانيًا: الدلالات التركية

مع انحسار تهديد (داعش)، شعرت أنقرة أنها الوحيدة التي لا تزال تتعرض لتهديدات إرهابية حقيقية، تستهدف أمنها القومي من حزب العمال الكردستاني التركي (PKK)، وزاد سوء الوضع إعلان الولايات المتحدة الأميركية، أخيرًا، عن عزمها تشكيل جيش لحماية الحدود، قوامه عناصر من قوات (PYD) الذي ترى أنقرة أنه يُشكّل الجناح السوري لـ (PKK)، ومحاولة أطراف دولية تكريس وجود إقليم كردي مجاور لها، من خلال فرض دستور يعترف بالفدرالية والإدارة الذاتية، ما يشكل خطرًا على سلامة أمنها القومي، من وجهة نظرها، ويهدد وحدة الأراضي السورية. وقد يُفضي إلى تقسيمها لاحقًا، ومن ثمّ، إنشاء “كانتون” كردي، قد تنتقل تداعياته إلى عدة محافظات تركية تقطنها أغلبية كردية.

على الرغم من أن الإعلان التركي عن بدء معركة (غصن الزيتون)، في 20 كانون الثاني/ يناير 2018، كان متوقعًا، بالنظر إلى التصريحات والتهديدات السياسية والتحركات العسكرية التركية، فإنه أثار تساؤلات عما إذا كانت تركيا قد اتخذت هذه الخطوة طبقًا للقانون الدولي. وفي هذا السياق، تُصرّ القيادة التركية على أنها تستند إلى مبدأ “حق الدفاع عن النفس”، الذي تكفله المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يُتيح للدول التي تتعرض لعدوان من دول أخرى، تعجز عن السيطرة على أراضيها ومنع هذا العدوان، أن تقوم الأولى بعمل عسكري محدود داخل تلك الأخيرة لوقف ذلك العدوان. وكذلك تستند إلى “اتفاقية أضنة” الأمنية السورية- التركية في تشرين الأول/ أكتوبر 1998.

من أبرز الأسباب التي تسوقها تركيا لعمليتها العسكرية في عفرين، هو أن المدينة تحولت تحت إدارة (PYD) إلى مركز تدريب وتصدير لـ “الإرهابيين” إلى أراضيها. وتقول المصادر التركية إنه خلال السنوات الثلاث الماضية، بلغ عدد الذين انتقلوا إلى جبال قنديل قادمين من عفرين، بعد تلقّي تدريبات على حمل السلاح والمتفجرات هناك، إلى أكثر من 40 ألف مقاتل.

أما أهداف العملية، كما تسوقها تركيا، فهي محصورة بـ “تطهير منطقة عفرين من التنظيمات الإرهابية، وإعادة اللاجئين السوريين من أهل هذه المناطق إليها، وبالأخص الموجودين في المخيمات بتركيا، بحكم أنهم هم سكانها الأصليون”. وهذا يعني أن “انتهاء التدخل التركي مشروط بتحقيق العملية لأهدافها السابقة، فلن يبقى بعد تحقيق الأهداف عنصر واحد من الجيش التركي إطلاقًا، لأن (الجيش السوري الحر) وسكان عفرين هما اللذان سيدافعان عن مدينتهما وقراهما، وهما من سيحكمان مدينتهما عبر مجلس منتخب”. وبذلك تريد تركيا إقامة شريط أمني داخل سورية على امتداد الحدود مع تركيا، بعمق لا يقل عن ثلاثين كيلومترًا، قد يزيد أو ينقص تبعًا للطبيعة الجغرافية. لكنّ هذا لن يكفي طموحات تركيا، فقد أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان أن الهدف التالي للعملية بعد عفرين، هو السيطرة على مدينة منبج، ومن بعد ذلك مناطق شرقي الفرات، وصولًا إلى الحدود العراقية.

من المرجح أن تتبع عملية عفرين عملية مشابهة في منبج لتصبح الضفة الغربية للفرات خالية من الوجود الأميركي، وبالطبع من الميليشيات الكردية، ويمكن أن تضاف المساحات الجغرافية الجديدة إلى المثلث الذي تشغله تركيا بين جرابلس وإعزاز ومنبج، لتُشكّل مظلة حامية للعمق التركي، وجبهة يمكن أن تصد أي هجوم كردي محتمل، أو أي عملية عسكرية داخل الحدود التركية. وبذلك تكسب تركيا وجودًا عسكريًا مباشرًا في الميدان، يخوّلها أن تكون لاعبًا أساسيًا على طاولة المفاوضات، وشريكًا في تقرير مستقبل سورية.

ويبدو أنه كما كان إرهاب 11 أيلول/ سبتمبر 2001 فرصة لبناء‏ “استراتيجية الأمن القومي الأميركي”‏ التي دعت إلى “الحرب الوقائية” ضد الدول “المارقة” و”المنظمات الإرهابيــة”، حاولت القيادة التركية وضع (PYD) السوري في خانة الخطر على الأمن القومي التركي وإلصاق تهمة الإرهاب به، ليس لأعمال إرهابية نفّذها على الأراضي التركية أو ضد المصالح التركية في الخارج، ولكن لارتباط الحزب المذكور بـ (PKK) التركي المصنف كحزب إرهابي، ومن هذه الأهداف نجد أن العملية مفتوحة وطويلة المدى، وتواجه مسارًا عسكريًا ودبلوماسيًا شائكًا.

ثالثًا: مخاطر توجّهات قوات (PYD) الكردية

مع بداية الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، عادت سلطة آل الأسد إلى ملفاتها القديمة، فاستقدمت كوادر (PYD) ثانية من جبال قنديل، ودعمتهم عسكريًا، ليتمكنوا من ضبط المناطق الكردية، والحيلولة دون خروجها على نطاق سيطرة النظام، ولا سيما بعد التظاهرات العارمة التي شملت مختلف المدن الكردية في الجزيرة وكوباني تأييدًا للثورة السورية، وطالبت برحيل النظام، حتى أن مدينة عامودا كانت السبّاقة على مستوى سورية في إسقاط تمثال حافظ الأسد في بداية الثورة، وكانت قد أسقطته قبل ذلك في عام 2004، أيام انتفاضة الأكراد في 12 آذار/ مارس. وهكذا، تمكّن الحزب من الهيمنة الشاملة، عبر قواعده، وبالتعاون مع بعض الأحزاب الكردية في المنطقة، وذلك بعد أن تخلّص من المعارضين الشباب المؤيدين للثورة السورية، ومن قواعد الأحزاب الكردية الأخرى، وقد تعرّض العديد من هؤلاء للاعتقال والتعذيب، وحتى الاغتيال، وذلك بهدف إسكات الصوت المعارض نهائيًا.

اليوم، قد لا تجد (وحدات حماية الشعب) الكردية بدًّا من إبرام صفقة مع سلطة آل الأسد تسلِّمها بموجبها عفرين، بدلًا من مواجهة شاملة وغير متكافئة مع تركيا، تخسر في إثرها كل شيء. لكنّ سلطة الأسد وضعت شروطًا للتدخل، بينها تسليمها عفرين، التي أصبحت أمام خيارين: فإما إخضاعها لسيطرة سلطة الأسد، وهو ما يرفضه معظم الأكراد، أو وقوعها في مواجهة الجيش التركي.

لقد شهدت مدينة عفرين دعوات ومبادرات سياسية اقترحتها شخصيات كردية، بهدف تجنيب المدينة خطر العمليات العسكرية، وأهم بنودها إخراج العناصر الأجانب من عفرين وتسليم إدارة المدينة لأهلها، بشرط إخضاعها لرقابة دولية، حيث أُرسلت المبادرة إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية. كما كتب الناشط السوري الكردي عبد العزيز التمو على صفحته في “الفيسبوك” في 8 شباط/ فبراير أن “الحرب التي جلبها (PKK) بواسطة صبيانه (PYD) على عفرين هي ليست حربنا نحن كرد سورية، نقل هذا الحزب ساحة صراعه مع تركيا من ديار بكر إلى عفرين وهو ليس معنيًا بمن يقتل من السوريين كردًا وعربًا ولا تهمه المدن التي تدمر والشعب الذي يهجر… نقول لـ (PKK) وكل أفراد عائلته (PYD, YPG, YPJ) أخرجوا من أرضنا وبلادنا إن حروبكم العبثية هناك وهنا جلبت الويلات لشعبنا الكردي السوري، إن عدونا في دمشق هو “النظام السوري” فقط، إن عدونا هو بشار الأسد ونظامه”.

رابعًا: الدلالات الدولية

العملية العسكرية “غصن الزيتون”، كما عملية “درع الفرات” من قبل، ما كانت لتتم لولا ضوء أخضر روسي، لتحقيق هدفين استراتيجيين: أولهما، تمكين سلطة آل الأسد من السيطرة على ما تبقى من سورية، من خلال عملية تركية تؤول محصلتها السياسية لتسليم عفرين للأسد. وثانيهما، بعيد المدى يتعلق بمحاولة سحب الأكراد لصف موسكو، بعد إضعاف ثقتهم بقدرة واشنطن على حمايتهم.

ويبدو أيضًا أن ما يجري في الشمال السوري يوضح أن اتفاقًا ثنائيًا– في الحد الأدنى- لم تتكشف ملامحه كاملة بعد، قد عُقد بين روسيا وتركيا من أجل مقايضة عفرين بإدلب.

تُدرك القيادة الروسية مدى حاجتها إلى أنقرة لتعميق ابتعادها عن الولايات المتحدة وأوروبا والأطلسي عمومًا، وقد ازدادت أهمية تركيا بالنسبة إلى روسيا أكثر، واتسعت رقعة المصالح المشتركة معها، بعد إعلان وزير خارجية الولايات المتحدة، ريكس تيلرسون، عن استراتيجية أميركية جديدة في سورية، عمادها الاحتفاظ بوجود عسكري في مناطق شرقي الفرات، وضمان تحقيق انتقال سياسي في سورية، يمثل خطوة أخرى على طريق إضعاف إيران.

وأخيرًا، نقلت وكالة الإعلام الروسية عن نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، قوله في 10 شباط/ فبراير “إن تشكيل منطقة لخفض التصعيد في عفرين، سيكون موضع بحث في محادثات آستانة التاسعة المقبلة”.

في المقابل، يبدو أنه بات لدى الولايات المتحدة سياسة متماسكة في سورية، تُشاطرها تركيا أهم أهدافها، خاصة التخلص من الأسد، مع عدم وجود “كردستان سورية” مستقلة، والحد من نفوذ إيران، ما يفي بمصلحة تركيا الدبلوماسية منذ أمد بعيد. كما يبدو أن واشنطن تماشت مع العملية التركية لسببين: أولهما، ميزان القوى، حيث لا يمكن لواشنطن التخلّي عن تركيا التي تشكل عامل قوة وتوازن في المنطقة مقابل القوة الروسية والإيرانية.وثانيهما، يخص جغرافية عفرين التي تقع خارج أولويات الولايات المتحدة في سورية.

وصل التماشي الأميركي مع تركيا إلى حد إعلان وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، أن واشنطن تبحث مع أنقرة و”بعض القوى على الأرض” في كيفية إرساء “المنطقة الآمنة”، التي أعلنت الحكومة التركية عزمها على إنشائها بعمق 30 كيلومترًا داخل سورية، على أن تبقى القوات التركية وحلفاؤها بمنأى عن مناطق شرقي النهر؛ هذا يعني أن تضع أنقرة يدها على كل مناطق سورية الشمالية من عفرين في الغرب إلى محيط منبج في الشرق، وأن تبقى لواشنطن وحلفائها الكرد اليد العليا في مناطق محافظتي الرقة والحسكة شمال شرقي البلاد.

في المقابل، قال الرئيس التركي إن “ما تقوله الولايات المتحدة لم يعد يعنينا، لأننا ننظر فقط إلى ما يحصل على الأرض… طالما لم يتم حتى الآن الوفاء بالوعود التي قُطعت لنا بشأن منبج، فلا أحد يستطيع إبلاغنا بما ينبغي علينا فعله”. ويبدو من المستبعد أن تنجح تركيا في إجهاض الخطط الأميركية للبقاء في سورية وتوفير غطاء أمني للأكراد، فهي مهمة من الصعب الاضطلاع بها أو مواجهة تداعياتها.

ستحاول أميركا إيجاد حل بين تركيا والأكراد، فهي لا يهمها من يحكم فعليًا شمال سورية وشرقها، بقدر ما يهمها وجود حلفاء موثوقين يحافظون على مصالحها، وهي التي تتقن فنون إدارة الفوضى. والثابت أنها لا تريد الدخول في صدام مباشر مع تركيا في سورية أو خارجها، وهي تحاول، في سبيل ذلك، تدوير الخلافات معها من دون التخلّي عن حليفها الكردي السوري. وعليه، تتبع استراتيجية خاصة بهذا الخصوص، وهي استراتيجية تقوم سياسيًا على منع الصدام، وميدانيًا على ترك الأمر للقيادات العسكرية.

في هذا السياق تبحث عن مخارج، منها الضغط على (PYD) لينأى بنفسه عن (PKK)، الذي يُشكل مصدر التوجس التركي. ومنها أيضًا أن تقدّم واشنطن ضمانات بـ “عدم تأييد أي انفصال كردي”. وعليه، ما لم تُنتج السياسة تفاهمات بين الجانبين، ستكون منبج الامتحان الأكبر للعلاقة بين الطرفين.

قد يستفيد حلف الـ (ناتو) من العملية التركية في عفرين، فخوفه الحقيقي هو روسيا، وإذا استعاد الأسد السيطرة على كامل سورية، فإنه سيقوّي موقع روسيا وإيران في الشرق الأوسط. فأوروبا راضية تمامًا عن مسألة إبقاء موسكو مقيدة في الشرق الأوسط، حيث تستخدم جزءًا من تركيزها ومعداتها العسكرية بعيدًا عن الحدود الأوروبية.

لكن يرفض الأوروبيون العملية التركية في عفرين، وتوسيع نطاق سيطرة تركيا في هذه المنطقة الحيوية من آسيا وتصل الشرق الأوسط بأوروبا، ولأسباب أخرى أهمها الخوف من أن تؤدي العمليات العسكرية التركية إلى موجة هجرة سورية جديدة. وقد كان لفرنسا الصوت الأعلى بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن في الاعتراض على العملية التركية، من خلال تعبير وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، عن قلقه البالغ من العملية التركية في عفرين، إضافة إلى دعوته إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن لمناقشة التدهور المفاجئ للوضع في سورية. ولكنّ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خفّف من لهجة تحذيره تركيا في شأن عمليتها العسكرية، وحضّها على تنسيق خطواتها مع حلفائها.

خامسًا: الدلالات الإقليمية

بينما بدت التصريحات الإيرانية الأولى فيما يخص عملية “غصن الزيتون” أقرب إلى الحياد، عاد وتغيّر الموقف الإيراني، على لسان المتحدث باسم الخارجية، بهرام قاسمي، الذي قال إن إيران “تتابع عن كثب وبقلق الأحداث الجارية في مدينة عفرين، وتأمل انتهاء العمليات فورًا، والامتناع عن تصعيد الأزمة في المناطق الحدودية بين تركيا وسورية “، مضيفًا أن “استمرار الأزمة في عفرين يمكن أن يؤدي إلى تقوية المجموعات التكفيرية الإرهابية مجددًا في المناطق الشمالية من سورية، وإشعال نيران الحرب والدمار من جديد في هذا البلد”. وبلهجة غير مسبوقة، طالبت إيران تركيا، في 5 شباط/ فبراير، بوقف عملية عفرين، واتهمت وزارة الخارجية الإيرانية تركيا بـ “عدم احترام السيادة السورية”، لافتة إلى أنه “ثمة مفاوضات تجري بهدف إنهاء العمليات العسكرية التركية”.

قد تكون إيران غير راضية عن تحرك تركيا نحو عفرين بسبب التهديد الخطير، طويل الأمد. فتركيا وحلفاؤها السوريون يمكن أن يهددوا حلب، والجيوب الساحلية ذات الأغلبية السكانية العلوية، وحتى قطع وصول إيران إلى البحر المتوسط. لكن قد تكون مشكلة إيران هي في عدم امتلاكها النفوذ الكافي على تركيا عندما يتعلق الأمر بعفرين، وخاصة في ظل الضوء الأخضر الروسي.

يقول الأتراك إن الإيرانيين طالبوا بأن نقوم بسحب قواتنا من عفرين، بعد انتهاء العمليات، وتسليمها للنظام، ولكن تم رفض ذلك، إذ “لا توجد أي ضمانات بأنّ النظام لن يقوم بتسليمها مرة أخرى للعمال الكردستاني للضغط علينا في أي مرحلة من مراحل الحرب التي لا يبدو أن لها نهاية قريبة”. وعلى الرغم من عدم وجود اتهامات تركية مباشرة لطهران بالمسؤولية عن الحوادث الأمنية التي رافقت وصول القافلة العسكرية التركية الرابعة في محيط إدلب، إلا أن العديد من وسائل الإعلام التركية ألمحت إلى ذلك، في حين أكدت مصادر سورية أن بعض الهجمات التي شُنّت على الجيش التركي مؤخرًا نفذتها مليشيات إيرانية أو أخرى مدعومة منها.

يبدو أن طهران، وعلى الرغم من أنها جزء من اتفاق أستانا، إلا أنها تخشى تضاعف النفوذ التركي في شمالي سورية، وأن يكون ذلك على حساب نفوذها بالدرجة الأولى، وعلى حساب نفوذ قوات الأسد التي تتقدم باتجاه إدلب، وباتت تفضل الخيار العسكري على انتظار نتائج الحل السياسي والأمني الذي سيُكسب أنقرة مزيدًا من النفوذ هناك.

أنقرة ما زالت ترفض المحاولات الإيرانية الساعية للربط بين اتفاقيات خفض التصعيد في محافظة إدلب الناتجة عن أستانا، وعملية “غصن الزيتون”، ووجهة نظر تركيا أن الإيرانيين يُحاولون الربط بين الأمرين في محاولة لانتزاع المزيد من التنازلات في ما يخص إدلب والدفع باتجاه فتح ممر للنظام باتجاه كل من كفريا والفوعة في إدلب، مقابل الصمت عن استمرار محدود لعملية غصن الزيتون بما يؤمن الحدود التركية ولا يسمح بفتح ممر بين درع الفرات وإدلب، الأمر الذي ترفضه أنقرة بشكل قاطع.

في الواقع لم تَخلُ عملية “غصن الزيتون” من فرص حقيقية لتعويم نظام بشار الأسد، إذ تم تداول أحاديث عن صفقة تُبرم بين موسكو ودمشق وأنقرة، تقوم بموجبها الأخيرة بتسليم إدلب وعفرين للأسد حتى يستعيد سيطرته على الشمال السوري، على أن يعمل في المقابل على إعادة الأكراد السوريين إلى ما كانوا عليه قبل عام 2011، بما يعني كبح جماح تطلعاتهم الاستقلالية التي تفاقمت في إثر مشاركتهم الناجزة في محاربة تنظيم “داعش” الإرهابي.

سادسًا: معوّقات الحرب على عفرين

إن كانت عملية “درع الفرات”، التي استهدفت وجود “داعش” في مثلث جرابلس- إعزاز- الباب، قد استمرت نحو الثلاثة أشهر، فإن عملية “غصن الزيتون” قد تتطلب وقتًا لا يقل عن ذلك؛ إذ كشفت المعارك، منذ 20 كانون الثاني/ يناير الماضي، صعوبة مهمة القوات المهاجمة في ضوء تداخل وتشابك المعطيات السياسية والعسكرية والجغرافية، إن لجهة صلابة القوة المدافعة التي تخوض المواجهة معززة بخبرة ميدانية كبيرة، من جهة، وجغرافيا مواتية وحاضنة شعبية محلية مؤيدة، من جهة ثانية، تكللها مراهنة على تحوّل إقليمي ودولي لمصلحتها على خلفية الضحايا والدمار الذي ألحقته وتُلحقه القوات المهاجمة بالمدنيين وبلدات وقرى المنطقة، أو لجهة ضعف الغطاء الإقليمي والدولي واشتراطاته المقيدة. ولعل أحد الأسباب التي تجعل مسألة السيطرة على مدينة عفرين مكلفة وطويلة، أن المنطقة جبلية وعرة تقلل من تأثير القصف الجوي.

يعزو الجانب التركي سبب البطء إلى الحذر الشديد من استهداف المدنيين الذين تستخدمهم قوات (قسد) دروعًا بشرية، وتمنعهم من مغادرة عفرين. لكن على الرغم من بطء العملية، فإنّ القوات التركية والفصائل التي تسمي نفسها (الجيش الحر) أو (الجيش الوطني السوري) تتبع تكتيكًا يعتمد على فتح كثير من الجبهات، بهدف تشتيت قوات (قسد)، وعدم السماح لها بتجميع صفوفها ضمن جبهة واحدة.

قد ينجم عن الحملة العسكرية التركية هزيمة “قسد” والسيطرة على منطقة عفرين، لكن الصراع التركي- الكردي لن ينتهي، بل سيزداد مرارة واحتقانًا، وكان الأجدى “الانخراط في تسوية تاريخية تضع حدًا للمواجهة الدامية وتفتح الطريق لاستقرار وازدهار شعوب المنطقة ودولها”. فتركيا لا بد أن تفكر وتعمل بجدية من أجل حل عادل للقضية الكردية لديها، أما الإصرار على الحل الأمني، فهو أمر سيستنزف الإمكانات، ويمنع الاستقرار الداخلي، ويُضعف الدور التركي على المستويين: الإقليمي والدولي.

لا شك في أن تركيا منحت من هم من أصل كردي حقوقًا أفضل بكثير من التي نالها نظراؤهم في إيران وسورية، فلا بد من الحفاظ على هذا الإرث، وعلى هذا الرصيد في إنصاف الأكراد الذي يُحسب لتركيا، ويستحق البناء عليه لا التضحية به. وهو ما يتطلب من أنقرة بذل جهد لتوضيح أن موقفها لا يناهض الوجود الكردي في سورية، لكنه يعترض بشدة على ارتباط مكونٍ كردي رئيس في سورية بحزب العمال، مع لجوء هذا المكون إلى العسكرة المتزايدة، بما قد يغذّي نزعات العنف لدى المكون الكردي في تركيا.

ثم إن العقدة الكردية المزمنة تشكل عقبة أمام دور تركيا الشرق أوسطي مستقبلًا؛ فالوضع الراهن في سورية، واحتمالات تطوره، لا يقتصر على كونها تستهلك من موارد السياسة الخارجية ما يمكن تخصيصه لتدعيم إمكانات هذا الدور؛ إذ إن القلق الزائد عن حده في تطلعات أكراد سورية، يدفع تركيا إلى التسليم ضمنيًا بنفوذ إيراني في سورية. ويتعارض سلوك تركيا، المدفوع بالعقدة الكردية، مع أحد متطلبات اضطلاعها بدور إقليمي رئيس قابل لأن يصبح محوريًا، وهو استقلال سورية عن النفوذ الإيراني، ومن ثم نجاح الشعب السوري في سعيه للحرية والكرامة.

سابعًا: مآلات الحرب على عفرين

تاريخيًا، تشكل عفرين الخزان البشري الأساسي لرفد منظومة (PKK) بالمقاتلين، ومن ثم، لن يكون سهلًا على الجيش التركي الدخول إلى المدينة، لأن المقاتلين، في أغلبيتهم العظمى، من سكان المدينة، ولن يتخلوا عنها بسهولة، وهم أدرى بتضاريس المنطقة، وستكون المعركة مكلفة للجيش التركي. ولكن، احتمال النصر للجيش التركي ليس مستحيلًا، لأنّه أقوى، ويمتلك تكنولوجيا متقدمة.

لكن على الرغم من كل هذه التداعيات المحتملة، قد لا توقف تركيا عمليتها العسكرية، ما لم تحقق نتائج محددة، لأن غير ذلك سيشكل انتصارًا قويًا لما تسميه “الإرهاب” وخسارة استراتيجية لها، بل ربما تزيد الحرب من شعبية (وحدات حماية الشعب الكردية)، إذا نجحت في وضع نفسها على طاولة التهدئة، وهو ما يعني أن الجانب السياسي في معركة عفرين لا يقل أهمية عن الجانب العسكري في معركة الحسابات المعقدة وعلى المستويات كافة.

الثابت أن معركة عفرين ليست نزهة، فمعركة الباب التي خاضتها القوات التركية استغرقت نحو أربعة أشهر، ومعركة كوباني التي صمد فيها الأكراد استغرقت أشهرًا طويلة، وهي المعركة التي جلبت لهم التحالف مع الإدارة الأميركية. وغاية القول هنا أن معركة عفرين قد تستغرق وقتًا طويلًا، ولن يكون هذا الأمر في مصلحة تركيا، ولا سيما إذا أدت العمليات العسكرية إلى وقوع مزيد من الضحايا في صفوف المدنيين، إذ سيجلب هذا الأمر مزيدًا من التعاطف مع الأكراد، ومثله من الضغوط على تركيا في المحافل الدولية.

ويبدو أن هدف العملية العسكرية لا يشمل اقتحام مدينة عفرين، بل محاصرتها وإنشاء ما يشبه المنطقة الآمنة، بحسب ما كشفه رئيس الحكومة التركية، بن علي يلدريم، لدى تحديده الهدف النهائي للحرب. واعتمادًا على كلامه، يظهر أن دخول مدينة عفرين ليس أحد أهداف الجيش التركي، إذ تبعد المدينة عن الحدود التركية التي بدأ منها التوغل البري التركي، ما يقارب 52 كيلومترًا. وما لم يقله يلدريم، أدلى به الرائد ياسر عبد الرحيم، قائد (فيلق الشام) المشارك الرئيس في القوات السورية المعارضة في عملية “غصن الزيتون”، الذي قال لوكالة “رويترز” إن مقاتلي (الجيش السوري الحر) “لا يعتزمون دخول مدينة عفرين، ولكن فقط محاصرتها وإرغام (وحدات حماية الشعب الكردية) على المغادرة”، كاشفًا عن أن نحو 25 ألفًا من قواته يشاركون في العملية العسكرية التركية.

يعرف الأكراد أن هناك خيارين قد يُجنّبان عفرين السيطرة التركية: أولهما، أن يكتفي الأتراك بحزام أمني حدودي من دون التوغل صوب مدينة عفرين، وهذا قد يحدث، إن نجحت “وحدات حماية الشعب” الكردية بالمطاولة أكثر بالمعارك، وتزايد الضغط الدولي لوقفها. وثانيهما، ما تريده سلطة آل الأسد وطهران وروسيا، وهو أن تتواصل المعارك لتقترب من عفرين، وحينها تستعين “وحدات حماية الشعب” الكردية بقوات النظام لتدخل عفرين، وما يؤخر هذا السيناريو، ربما محاولة “وحدات حماية الشعب” الكردية الحصول على شروط أفضل للعودة تحت خيمة السلطة، بالحفاظ على حد أدنى من مكتسبات الإدارة الذاتية الكردية في عفرين.

فهل ستكتفي أنقرة بمحاصرة المدينة والضغط على القوات الكردية لمغادرتها؟ أم أن عفرين مجرد بوابة لإحداث تسويات بين جميع اللاعبين في المشهد السوري؟ قد تكون هذه وتلك موجودة في عقل صانع القرار السياسي والعسكري التركي؛ فهدف الأمن القومي التركي الرئيس هو منع قيام كيان كردي على حدودها، وتأمين منطقة نفوذ لها، والجغرافية السورية باتت مقسمة بين اللاعبين: بادية الجزيرة شرق الفرات باتت منطقة نفوذ أميركي، وبادية الشام منطقة نفوذ روسي إيراني. فلماذا لا تكون عفرين وجبل الأكراد وصولًا إلى رأس البسيط حصة أنقرة؟ هكذا يتساءل العقل السياسي التركي، خاصة بعد أن انسحب الروس منها وأعطوا الضوء الأخضر لدخولها.

ثامنًا: دلالات الوطنية السورية الجامعة

السؤال الذي بات ضروريًا وملحًا اليوم هو عن دلالات انغماس بعض السوريين، بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم وبمواقفهم المناقضة لبعضها بعضًا، في معارك القوى الدولية والإقليمية، واستعداد بعضهم للقتال من أجل دعم نفوذ هذه أو تلك منها، حتى إذا شاركت في قتل سوريين آخرين أو تدمير بلدهم. وفي هذا السياق، صدرت مواقف سياسية عن بعض قوى (المعارضة السورية) أقل ما يقال عنها إنها على النقيض من الوطنية السورية المأمولة، ولا يبررها ممارسات عنصرية قامت بها (وحدات حماية الشعب) الكردية في مناطق مختلفة من سورية.

فقد أعرب (الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية)، في 21 كانون الثاني/ يناير، عن دعمه ومساندته الحملة التي تساهم فيها “وحدات المعارضة السورية التي تتبع للفيالق الأول والثاني والثالث (!!!!) من (الجيش الوطني السوري) الذي تم تشكيله مؤخرًا، من قبل وزارة الدفاع في (الحكومة السورية المؤقتة) والتي جهزت نحو 20 ألف مقاتل، لتحرير عدد من مدن وبلدات الشمال السوري من سيطرة القوى الإرهابية، بالتعاون والتنسيق مع الدولة التركية، وبإسناد جوي منها”. مع أن هذا الجيش غير واضح في تبنيه الوطنية السورية في خطابه وأدائه، إن لم نقل إنه جعل من نفسه بندقية في خدمة مصالح دولة إقليمية.

وأعلنت أيضًا (جماعة الإخوان المسلمين) في سورية، في 24 كانون الثاني/ يناير، تأييدها قرار مشاركة (الجيش الوطني السوري)، وبإشراف (الحكومة السورية المؤقتة)، في عملية “غصن الزيتون” بدعم ومساندة الجيش التركي ضد التنظيمات الإرهابية ذات المشاريع الانفصالية في الشمال السوري، والتي مارست إرهابًا وتهجيرًا ضد شعبنا في تلك المناطق، ودعت الثوار كافة للوقوف إلى جانب إخوانهم في (الجيش الوطني السوري) لمواجهة هذه الحركات الانفصالية، كما دعمت حق الجمهورية التركية باتخاذ الخطوات اللازمة للدفاع عن أمنها القومي. وجاء مقطع الفيديو الذي وثّق تعامل مقاتلين سوريين في قوات عملية “غصن الزيتون” مع جثة مقاتلة كردية بطريقة مثيرة للاشمئزاز، ليُظهر المخاطر المحدقة بالوطنية السورية الجامعة.

في المقابل، ارتفعت أصوات قومية كردية متشنجة لا ترى سورية إلا بعينها، وعلى هواها، ووفق مصالحها الضيقة، لتذهب في اتجاهات مغلقة، إن كان لجهة زيادة توتير العلاقة العربية الكردية في سورية، أو لجهة القراءة الخاطئة لمستقبل سورية وعلاقاتها الإقليمية.

لقد طرحت قضية (الحرب الوقائية) التركية على مدينة عفرين إشكالًا وطنيًا على السوريين؛ إذ إن القبول بدخول جيش مدجج بالطائرات المقاتلة والدبابات، لمهاجمة مدينة سورية هو شكل من أشكال قبول الاحتلالات الأخرى الروسية والإيرانية، التي لديها بدورها “حواضن” شعبية، كما أن التهليل لهجوم الجيش التركي هو شق إضافي كبير للهوية السورية بين عرب وكرد، يضيف طبقات سميكة من الكراهية والحقد على ما فعله النظام و”قسد” لفصل الأكراد عن العرب.

كان يمكن للمعارضة أن تُجنّب عفرين الحرب، عبر فتح مسار آخر مع تركيا ومع الأكراد السوريين، لإيجاد مخرج ملائم للطرفين، بدلًا من الذهاب إلى موقف يضعف المعارضة، ويضعف العلاقة الكردية- العربية. فإذا كنا نريد سورية موحدة، لا بد من أن نحرص على جميع مناطقها ومكوّناتها، ونعمل على تبديد الهواجس، ونقطع مع لغة التجييش المذهبية والقومية. وقد سبق لنا أن قلنا، وسنقول دائمًا: سورية لا تتحمل التعصب الديني أو القومي أو الأيديولوجي. لذا نحن ملزمون بالبحث عن القواسم المشتركة، ضمن إطار مشروع وطني سوري، يكون بالجميع وللجميع.

ليس من مصلحة الأكراد والعرب السوريين ربط القضية الكردية السورية بالقضية الكردية في تركيا، بحيث تصبح قضية عابرة للحدود الوطنية، لأن هذا العبور، هو في الوقت ذاته، انحدار وسقوط في ثقوب الهوية السوداء، التي تلتهم كل ما هو عام ومشترك ومعتدل بين السوريين.

وبالتالي، هناك ضرورة سياسية كبرى، لمصلحة جميع السوريين، تتجاوز القوى السياسية السورية بأجمعها، وتتحدد بإنتاج مشروع وطني، لا يتجاهل الحقوق الكردية في سورية، ويُسهم في إعادة التواصل بين السوريين، بما يحرر سورية من كل الاحتلالات الأجنبية.

أما العلاقة مع تركيا، فستظل علاقة استراتيجية؛ فهي الجارة التي تربطنا بها حدود برية طويلة، كما أن التداخل السكاني، والتشارك في الثقافة والتاريخ والمصالح المشتركة، إضافة إلى احتضانها ما يزيد على ثلاثة ملايين لاجئ سوري، كلها عوامل تشكل أساسًا لبناء علاقة استراتيجية تكون في مصلحة البلدين، وفي مصلحة تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة بأسرها.

تاسعًا: خاتمة

يقع مصير عفرين في صلب الصراع الجاري في الشمال السوري في المرحلة المقبلة، إذ يبدو أن معركة عفرين غير بعيدة في الأساس عن لعبة الصراع بين موسكو وواشنطن على النفوذ في سورية. وربما تسفر عن معادلة جديدة للتحالفات الإقليمية والدولية؛ فإحساس تركيا بالأزمة والموقف الحرج استراتيجيًا يجعلها تندفع بوتيرة متسارعة نحو تعزيز التحالف مع إيران وروسيا، ولكنّ العملية أيضًا قد تكون فخًا استراتيجيًا مزمنًا لتركيا، والأمر مرهون بتطور موقف الولايات المتحدة ورؤيتها للأمر وسيناريوهاتها المقبلة للمسألة السورية.

ستترك عملية عفرين تأثيرات عميقة في العلاقات بين أكثر من طرف، فإذا كانت المقايضات بين عفرين وإدلب عنوان الصفقة التركية الروسية، فإنه من غير المعروف ما إذا كانت المقايضات ستكون أيضًا عنوان الاشتباك التركي- الأميركي المقبل في منبج، ومن ثمّ، بداية تصحيح العلاقات التركية- الأميركية، أم بالعكس، يدخل الطرفان في مواجهة هي الأولى من نوعها.

مهما كانت التفاهمات والمواقف الدولية حيال العملية العسكرية في عفرين السورية، فإن المدنيين السوريين هم الطرف الخاسر الوحيد، عربًا وكردًا وتركمانًا وسواهم، وقد يدفعون ثمنًا يُضاف إلى الأثمان الباهظة التي دفعوها في السنوات السبع الماضية.