مصطفى تاج الدين الموسى: عندما دخل وجهٌ في وجهٍ

 

مصطفى تاج الدين الموسى – مجلة رؤية سورية / ع 51   نيسان  2018م

اسمي يوسف، شاب عادي جداً، يمكن أن تشاهدوني دونما اكتراث في الأسواق والشوارع.

اعتقلتُ مصادفة بسبب الاضطرابات التي تعم البلاد، مع أنني أحب الدولة ــ بلا سبب مقنع ــ لكنهم اعتقلوني.

تعرفتُ عليه في الزنزانة، من مدينة غير مدينتي، روحه ساحرة، كان جميلاً بشكلٍ لا يوصف، لا أظن أنني شاهدتُ في حياتي من يفوقه جمالاً، فهمتُ من السجناء أنه كان خطيراً على الدولة وأتعبهم حتى اعتقلوه، كان لديه مليون سبب ليكره كلّ الدول.

كلّ ليلة كانوا يعذبونه أكثر من بقية السجناء، وعندما يرمونه إلى الزنزانة، يجلس ليسخر منهم ويضحكنا رغم أوجاعه. أحببته كثيراً.

ذات خوفٍ لي قال: لا تقلق، سوف ترحل هذه الدولة القذرة يوماً ما.. سوف نخرج من هنا، لنلهو مع الصبايا ونعذب قلبوهن بجمالنا وغزلنا..

ضحكته الحلوة: رضيعٌ تستيقظ شقاوته فجراً بدلال عذب.

في ليلته الأخيرة عذبوه بوحشية ثمّ رموه إلينا، كان ينزف من كلّ جسده، انحنيتُ عليه، همس لي متألماً:

ـــ إن خرجتَ من هنا، أرجوك.. اتصل بأخي الكبير، سلم لي عليه، أخبره أنني أعتذر منه وأنني قد خذلته، لم أكن أساعده كثيراً في العمل بـ دكان أبينا، أستيقظ متأخراً وألهو دائماً مع الصبايا وأورطه بمواقف محرجة، لطالما تحملني، ونهاية كلّ شهر كان يتقاسم معي أرباح الدكان وكأنني أعمل مثله، كنت أنوي إن تزوجتُ أن أسمي ابني على اسمه، حتى بهذه خذلته..

دمعتي الصامتة على خدي مرآةٌ له، عليها شاهد للمرة الأخيرة جمال وجهه.

مات، لم أحتمل، أجمل إنسان يموت في زنزانة بشعة، الذي أضحكنا من أعماق قلوبنا، جمع  جراحه ومضى، فقدتُ عقلي.

صرتُ أهذي: (مروان.. لا تمت يا مروان، أرجوك).

التقطتُ وجهه ورفعته لألصقه بوجهي، صرختُ صرخة عظيمة وطويلة بجنون وأنا أضغط وجهه على وجهي.

اختلطتْ دماؤه بدموعي لتصير موسيقى ربابة تعزفها بوحشة زنزانة ضيقة، كانت صرختي دوامة عصفتْ بوجهينا الملتصقين بشدة. كلّ سجناء الزنزانات ليلتها سمعوا صرختي.

بصعوبة انتزعوا وجهه من وجهي وجثته مني.

بعد أيام أطلقوا سراحي، ذهبتُ إلى الكراجات، لم أصعد الباص الذاهب إلى مدينتي، إنما صعدتُ الباص الذاهب إلى مدينة الأخ الكبير لذلك الميت الجميل.

وصلتها مساءً، أعرف عنوان الدكان.. مشيتُ إليه وعندما وصلتْ دخلته.

شاهدني الأخ الكبير فأسرع سعيداً من خلف الطاولة ليعانقني بحرارة.

ـــ أعتذر منك، لطالما خذلتك..

ــ ولا يهمك، المهم أنك رجعت لنا سالماً..

شابٌ جميل أنا، إن شاهدتموني مصادفة في الشوارع أو الأسواق سوف تشهقون، وتمعنون أنظاركم بي طويلاً.. اسمي مروان.   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالريحانية:18/8/2016ــــــــــــــــــــــــــــ