سما حسن: قصص قصيرة… صورة على جدار قديم

 

سما حسن – مجلة رؤية سورية / ع 51   نيسان  2018م

المتسول

صفعته على وجهه حتى شعر بعينيه تقفزان من محجريهما، كانت تزجره بقسوة وهي تتجه نحو سيارتها الفخمة لكي تركبها، نظر لها في حزن لأنها ردت يده الممدودة بصفعة مؤلمة، وبكى بجوار الجدار القريب حتى توارت عن الأنظار،الصفعة كانت قوية ولذلك لم  يقف الأمر عند هذا الحد فهو لم يحتمل ألم الصفعة لصغر سنه الذي لم يتجاوز الخامسة من عمره ففقد عينه بسبب الصفعة القوية ولم يعد يرى بها.

بعد سنوات طويلة حدث تفجير ضخم للمبنى الضخم الذي يحيط به نفس الجدار حيث قام شخص يلف حزاماً ناسفاً حول وسطه بتفجير نفسه وهو يلتصق بالجدار، هذا الشخص كان بعين واحدة، كما أجمع الشهود وهم يدلون بشهادتهم حول هذه الحادثة الغريبة.

سرقة صغيرة

_ ما رأيك أن نسرق تفاحتين من هذه العربة، فلن يرانا صاحبها؟

_ ولكن الله سوف يرانا

_ الله سوف يسامحنا لأننا نتضور جوعاً، ومنذ خلقنا ونحن نرى التفاح ولم نتذوقه.

_ إذا كان الله سوف يسامحنا، فلن يسامحنا صاحب العربة لو التفت فجأة إلى الخلف ورآنا……..

“حوار بين طفلين جائعين”

غش

قال لزوجته بأن عليها أن تغش الحليب بالماء قبل أن تتوجه لبيعه أمام قصر الحاكم، فأجابته بأنها لن تفعل لأن الحاكم سوف يكتشف ذلك فهو يردد دوماً بأنه يعرف ما يفعله الناس دون أن يراهم،ويترصد أخبارهم، فرد عليها زوجها في تهكم: لو كان يعرف حقيقة كما يقول لما تركنا نبيع له الحليب المغشوش منذ سنين.

حقيبة

طلبت من أمها حقيبة جديدة للمدرسة، فحقيبتها مهترئة ويسخر منها رفاقها حين تذهب إلى المدرسة وهي خلف ظهرها وتتدلى منها أطراف الكتب، وقد ردت أمها بأن السماء سوف ترسل لهم حقيبة زاهية الألوان ومتينة الصنع قريباً، في اليوم التالي تم العثور على جثة امرأة وطفلتها بين الأنقاض بعد تعرض الحي لقصف صاروخي، وكانت الطفلة تقبض بيدها على ورقة مطوية رسمت بها حقيبة زاهية الألوان و بلا ثقوب، أما الأم فكانت عيناها شاخصتين بإصرار إلى السماء.

حضن مفقود

قالت له أمه أنه لا يصلح أن يكون طفلاً مهذباً لأنه يضرب شقيقته الصغرى، فنام وهو يبكي لأنها لم تحتضنه أيضاً كما تفعل مع شقيقته، شقيقته تلك كانت تطالع نشرة الأخبار ذات يوم فرأت صورة لقاتل ملتح  طويل الشعر ملقى على الأرض بعد أن أجهز عليه رجال الشرطة، كان حوله عدد من الضحايا الذين قتلهم وأغلبهم من الأطفال لكن الغريب أنه كان يحتضن وسادة صغيرة بين يده والأغرب أن وجهه رغم بشاعته كان مألوفاً لها، يذكرها بشخص خرج ولم يعد من بيتهم حين أصبح  فتىً يافعاً.

صورة على جدار قديم

خرج ابنها إلى الحرب، ولأنه أصغر أولادها فهي كانت متعلقة به أكثر من إخوته ولا ينفي ذلك أن خوفها عليه طبيعي كأم، ولأن العائدبن من الحرب قلة، ولذلك لم يعد ومرت الأيام وهي تنتظره ، وعندما مر العام كانت قد اشترت له بذلة عرس وعلقتها في الخزانة وبعد عام اشترت ملابس لمولود ذكر كما كان يحلم، فهو دائماً كان يتمنى أن يرزق بمولود ذكر يساعده في العناية بأرض الأب التي يملكها وتعيش العائلة من خيرها، ومرت السنوات ونسى الجميع أمر الابن ، فقد عاد  بعض رفاقه ، ونعى الناعي أكثرهم،وبقي هو في عداد المفقودين، حتى نسيه الجميع ولم يبق منه سوى صورة معلقة على جدار قديم تنظر لها الأم كل حين، حتى ضعف بصرها ولم تعد ترى الصورة التي بهتت على الجدار، ولكنها مطبوعة في قلبها ، تكلمها وتناجيها، وتعد صاحبها باللقاء، حتى كان يوم تحدث أحد الأحفاد عن عمه البطل أمام صديق وذكر اسمه كاملاً وكان والد الصديق يستمع فصاح في دهشة بأن هذا الغائب كان رفيقه في الحرب، وقد أصيب في المعركة وظل ينزف لأيام حتى مات ودفنه رفاقه في أرض المعركة، فنقل الحفيد الخبر إلى جدته التي انتحبت وبكت وظلت طريحة الفراش لأيام تناديه وترفض الطعام والشراب، وفي اليوم الأخير قالت لمن حولها بأنها كانت تعرف منذ زمن طويل أنه قد مات، فهو قد زارها في المنام وقال لها وهو يقف في بستان : أنا أنتظرك يا أمي، ولذلك فقد كانت تنتظر اللقاء لا العودة، تنتظر أن تلقاه في البستان، قالت هذا الكلام وسكتت إلى الأبد….