احمد طلب الناصر  : المصير المجهول لمتاحف المدن السورية الثائرة

احمد طلب الناصر – مجلة رؤية سورية / ع 51   نيسان  2018م

من أكثر الأشياء التي غابت عن مشهد الدمار السوري، هو مصير المواقع الأثرية السورية والمتاحف الموزّعة بين مناطق سيطرة نظام الأسد ومناطق المعارضة ومناطق تنظيم داعش وقسد.

وأول ما يتبادر على ذهننا، حين نرسم خارطة سيطرة تلك الأطراف، منذ بداية الثورة حتى اللحظة، هو حال متاحف ثلاث مدن مهمة، تاريخياً وأثرياً، كمتحف ديرالزور، والرقة، وإدلب. ناهيك عن المتاحف الفرعية التابعة للمحافظات السورية، والموزّعة على المدن والبلدات التي تحوي مناطق أثرية قريبة، كتدمر ومعرة النعمان وبصرى الشام، وغيرها.

بالنسبة لمتحف ديرالزور، فالمعروف لدى أهل المدينة أن تموضع المتحف يقع ضمن الأحياء التي يسيطر عليها النظام منذ بداية الثورة نظراً لقربه من المربع الأمني في المدينة، ومع مرور الوقت تحوّلت زواياه وأسطحته، منذ بدايات عام 2012، إلى مقرّ لمتاريس وقنّاصي جيش النظام.

ومنذ ذلك الحين لم يعد بالإمكان معرفة مصير آلاف القطع واللقى الأثرية التي ضمّها المتحف، والتي تعود إلى العصور الحجرية الأولى، إضافة إلى ممالك العصور البرونزية التي تتربع على عرشها مملكة “ماري- تل الحريري” 2100 ق.م القريبة من مدينة البوكمال والتي تم العثور في قصرها الملكي على أكثر من 20 ألف لوح طيني “رُقم” مخطوط بالكتابة المسمارية، إضافة إلى ممالك “ترقا- العشارة” و”دور كاتليمو- تل الشيخ حمد” وآثار “بقرص”، مروراً بالعصور الهلنستية اليونانية والرومانية، والتي تعتبر مدينة “دورا أوروبوس- الصالحية” التي أنشأها سلوقس الأول نيكاتور وأطلق عليها لقب (حصن أوروبا) من أهم مواقعها على مستوى سوريا والعالم، نظراً للعثور فيها على أهم المعابد القديمة، ومنها الكنيس اليهودي وأقدم الكنائس المسيحية في التاريخ، بالإضافة إلى مدينة “قرقيسيا- البصيرة” و”حلبية وزلبية”، وآثار “الطريف” التي نهب معظم لقاها رؤساء أفرع المخابرات في المحافظة منذ نهاية سبعينيات القرن المنصرم. وصولاً إلى العصور العربية والإسلامية التي تجسّدت بالعديد من المواقع الموزّعة بالمدينة وريف المحافظة، من قلعة “رحبة مالك بن طوق” قرب مدينة الميادين إلى المسجد “العمري” داخل المدينة.

كل اللقى الأثرية العائدة لتلك الحقب التاريخية، والتي كانت معروضة ضمن قاعات متحف ديرالزور، أو محفوظة ومخزّنة ضمن القسم الفني (المستودع) فيه، اختفت بشكل كامل عن الوجود، ولم يتم حتى العثور عليها في متحف دمشق أو باقي المتاحف الخاضعة لسيطرة النظام، عدا تلك التي تم نقلها مباشرة ساعة اكتشافها في المواقع الأثرية، كاللوحات الجدارية “الفريسكات” العائدة للكنيس اليهودي من دورا أوروبوس، وتمثال “أورنينا مغنية المعبد” من موقع ماري، والتي اختفت أيضاً من متحف دمشق منذ مدة وجيزة! بالإضافة إلى تماثيل تعود لآلهة وملوك ماري كتمثال “إيكوشاماغان” و”زيمريليم”، وجزء يسير من الرُّقم المسمارية. إلا أن اللقى الأثرية المهمة الأخرى ومن بينها مئات الرقم المسمارية، اختفت تماماً

أما الرقّة، المدينة التي انتقلت السيطرة عليها بين يوم وليلة من سلطة النظام إلى جبهة النصرة وبعض الفصائل الأخرى عام 2013، ثم سيطرة “داعش” عليها لاحقاً، فلا يزال مصير محتويات متحفها مجهولاً أيضاً، ذلك المتحف الذي ضضم لقى تلال “المريبط” و”حبوبة” و”أبو هريرة” التي شهدت انطلاقة القرى الزراعية الأولى في العالم ما بين الألفين الحادي عشر والتاسع قبل الميلاد، تلك التلال التي غمرتها مياه بحيرة سد الفرات أثناء إنشائه بدايات سبعينيات القرن المنصرم. كذلك مواقع الممالك الأولى في عصر البرونز والكتابة المسمارية، كموقع “توتول- تل البيعة” الذي ارتبط اسمه باسم الرقة، والمذكور في معظم الرقم المسمارية المكتشفة في ماري وإيبلا وآكاد، وكذلك تل “الصبي أبيض” الذي شهد مرحلتي القرى الزراعية الأولى ومرحلة الكتابة المسمارية في منتصف الألف الثانية قبل الميلاد. وليس هنالك أهم من آثار الرقة في العصور اللاحقة، لا سيما الإسلامية منها، منذ أن بناها الخليفة العباسي هارون الرشيد وجعلها عاصمة لخلافة العباسية. حيث ضم متحفها آلاف اللقى الاثرية العائدة إلى تلك الحقبة بكل جمالياتها وبديع صنعها..

كذلك، لم يتبقّ شيء من تلك اللقى جميعها، ولم يأت أحدٌ على ذكرها منذ بداية الثورة، لكن معم أهالي الرقة يجمعون على تفريغ محتويات المتحف من معروضاته منذ أيام النظام وقبل سيطرة الفصائل عليها. أمّا ما تبقّى من أضرحة ومزارات إسلامية فقد قام داعش بتفجيرها بحجّة مخالفتها للشريعة، كمقامي “أويس القرني” والصحابي “عمار بين ياسر”.

أما بالنسبة لمتحف إدلب، الذي يضمّ لقى أهم وأقدم إمبراطورية سوريّة، “إيبلا- تل مرديخ”، تلك المملكة التي ضمّت أقدم مكتبة للرقم المسمارية على وجه الأرض، تعود إلى القرن الثاني والعشرين قبل الميلاد، والتي دوّنت الآداب والفنون والاقتصاد والقانون والموسيقى، وفيها تم العثور على أقدم قاموس للكلمات “سومري- إيبلائي- أكادي”، ولن نخوض بالمواقع الأثرية والتاريخية الأخرى التي احتوتها إدلب، لكن سنتوقف عند ذلك الرُقم الذي أهداه “بشار الجعفري” للمبعوث الدولي “ديمستورا” خلال آخر اجتماع حضره الأخيران، والذي ادّعى فيه لجعفري أن الرقيم منقوش عليه أقدم عملية “مصالحة تاريخية” حصلت في العالم، وبعيداً عن زيف المعلومة التي ذكرها الجعفري وضحك بها على ديمستورا، حين قال الأول للأخير: “طبعاً هذا الرقيم من أصل 17000 رقيم آخر حجبت قراءتها حتى الآن من سنة 1974 إلى الآن ممنوع ترجمتها موجودة في متاحف غربية .. وممنوع أن تترجم لأن ترجمتها ستقلب تاريخ العالم، وتناقض كل ما درسناه من نظريات تاريخية مطروحة على الساحة، ولذلك ممنوع ترجمتها بعد مضي 50 سنة على اكتشافها، يسعدني ان أهديك إياها سيد دي مستورا”.

الجعفري هنا أعطى ديمستورا قطعة تاريخية حضارية وكأنه يعطيه شيئاً من منزله وملك والده، أما ديمستورا فقد تسلّم هذه القطعة دون تسليمها للمنظمات العالمية لحمايتها، وإنما وضعها في صندوق زجاجي في صالون بيته. 

إهداء ذلك الرقيم، بتلك البساطة، من قبل ممثل نظام الأسد، يدلّنا دون أدنى شك، إلى الجهة التي اختطفت آثار المدن التي ذكرناها، ولا زالت تتاجر فيها حتى اللحظة. وصرنا نفهم تماماً عدم اكتراث العالم بها وبأهلها الحقيقيين.