ثلاثة خناجر في خاصرة المسرح السوري

 

يواجه المسرح تحديًا تزداد ضراوته جيلًا بعد جيل عالميًا، ليس فقط على مستوى التقنية ومنافسة التلفزيون والسينما له، بل حتى على المستوى السياسي الذي يضيّق خناق الحصار على الحرية كلما أتيحت له فرصة لذلك.

وربما تأتي رسالة اليوم العالمي للمسرح عام 2018، والتي قدمها خمسة مسرحيين مثلوا آسيا والعالم العربي وأوروبا والأمريكيتين وإفريقيا، من خلفية التفرقة التي تصدرت المشهد بعد تصاعد المد اليميني المتطرف في أوروبا، وهيمنة أنظمة الاستبداد والميليشيات الإسلامية المتطرفة في البلاد العربية.

 
 

سيطرة السوشال ميديا وسياساتها الاستهلاكية السريعة على الثقافة العالمية، والتي كانت بدورها حاملة لخطاب الكراهية ضد “الآخر”، إلى جانب الأوضاع السياسية، أسهمت ببناء جدران وعوائق جديدة بوجه المسرحيين، لا سيما العرب منهم، كون بلادهم كانت مسرحًا رئيسيًا للأحداث.

أسهم هذا الواقع بتعقيد استجابة المسرح وصنّاعه للأسئلة المصيرية حول المناخ الثقافي والإنساني، فالجدران والعوائق ليست ثابتة وواضحة ومحددة، إنما متغيرة باستمرار وبمكر تتناسب حدته مع عمق المأساة التي تطحن الأبرياء، ما جعل المسرح يقف في نقطة عمياء من مجتمعه.

إلا أن الفعل المسرحي بحد ذاته محاكاة لواقع أفضل يأمل الإنسان ببنائه، وبالرغم من أن ما يُقدم على الخشبة “تمثيل”، تبقى العلاقة القائمة بين المسرحي والجمهور علاقة صورة بانعكاسها على وجه المرآة، وإذا آمن طرفا هذه العلاقة بالـ “وهم” الذي يعرض أمامهم، فإن فرصة تحقيقه على أرض الواقع ستكون “حقيقية”.

بناءً على هذه المقدمة المستندة إلى الظروف السياسية المزرية في العالم، وكلمتي المسرحيتين مايا زبيب من لبنان، ووريوير ليكنغ من ساحل العاج، في الرسالة العالمية للمسرح هذا العام، تُحاول عنب بلدي البحث عن إجابة على بعض الأسئلة المتعلقة بالمسرح في سوريا، البلد الذي تصدّر نشرات الأخبار العالمية في السنوات الأخيرة.

من الاستبداد إلى التطرف

“المستبد شقيق المستبد”، يعلّق المسرحي والصحفي السوري حسين برو، على الوضع السياسي المحيط بالمسرح في البلاد، في حديث إلى عنب بلدي.

لم يحظ المسرح السوري بمساحة حرة على مدار عقود إلا في الفترة الممتدة بين نهايات عام 2011 وحتى بدايات 2013، التي شهدت بروز بعض التجارب الفنية في المناطق المحررة، ويدعو برو هذه الفترة بـ “المرحلة بين مرحلتين”.

تصل فترة “الحرية” هذه بين تبعية المسرح للنظام السوري، الذي فرض شرط الحصول على موافقات نقابية وأمنية لتقديم أي مسرحية بكل مراحل حياتها، من الطلائع وحتى القبر، وبين ظهور الإسلاميين المتطرفين الذين هيمنوا على الساحة السورية، ومنعوا العمل المسرحي بتاتًا، بحسب برو.

خلال فترة الحرية، تمكن العديد من المغامرين ومحبي الفن من الخوض في تجربة تقديم أعمال مسرحية في مناطق المعارضة تُعبر عن المجتمع السوري ولا تتبنى خطاب سلطة معينة.

وبالرغم من أن قوى المعارضة خلال هذه الفترة لم تمنع أي عرض مسرحي، لكنها لم تقتنع أن الوقت مناسب للفن، بسبب الحملة العسكرية الشرسة للنظام عليهم، واعتبروا العمل الفني ترفًا غير مقبول، بحسب برو.

“فكرة الاستبداد لا تتجزأ، وفكرة الحرية يجب ألا تتجزأ”، يقول برو، الذي مارس العمل المسرحي خلال المراحل الثلاث، وصولًا إلى منع هذا النشاط في مناطق سيطرة تنظيم القاعدة وتنظيم “الدولة الإسلامية”.

وفي حين ارتكبت بعض وسائل “الإعلام البديل” خطأً بتصوير النظام والإسلاميين المتطرفين كقوتين متناقضتين، عمل كل منهما في الواقع على محاربة الهوية السورية وفكر التغيير الذي حاول السوريون ترسيخه.

المسرح في المنفى

بعد أن أحكم النظام قبضة الميليشيات على مناطق سيطرته، وهيمن الإسلاميون على بعض مناطق المعارضة، لم يبق أمام الناس سوى الفرار، ومن ضمنهم بطبيعة الحال الفنانون.

وفي المنفى “لم يكن هناك جهد حقيقي لتأسيس حالة مسرحية تواكب السوريين في منافيهم”، ويبدو أنه لم يكن هناك مفر من الوقوع بهذا الخطأ، بناءً على وضع المسرحيين السوريين في تركيا كما شرح برّو لعنب بلدي.

لم يوفر العمل المسرحي مردودًا ماديًا يساعد القائمين عليه لتجميع بعضهم والتفرغ لمبادرات تطويرية، لا سيما بالنسبة للهواة والفرق غير المدعومة من مؤسسات، ما دفع بالكثير منهم للعمل في مجالات أخرى. برّو وجد في الصحافة التي مارسها من قبل ملجأً لإعالة نفسه وعائلته في ظروف اللجوء القاسية.

كما دُفع ببعض المسرحيين الذين عملوا بالدراما للقبول بالمشاركة بأعمال ضعيفة، بسبب الحاجة المادية، بينما بقي المسرح بالنسبة لهم “طقسًا جميلًا”، وهو أشبه ما يكون بالـ “مهجور”.

لكن لم يخل الأمر من تجارب جادة ومميزة للسوريين في دول الجوار، كالتي قدمها عمر بقبوق في لبنان، أو حلا عمران ووليد قوتلي في تركيا، أو نوار بلبل في مخيمات اللاجئين في الأردن.

“السايكو دراما” يغيب عن الدعم النفسي

مع كل الأزمات التي واجهت السوريين في حياتهم، وانعكست على معيشتهم وحالتهم النفسية، ظهرت المنظمات التي اختصت بالدعم النفسي، وتوافرت فرصة مهمة لاستغلال الخبرات المسرحية للتشبيك مع الحدث والهم السوري، إلا أن شيئًا من هذا لم يحدث.

يلعب “السايكو دراما” (المسرح النفسي) دورًا مهمًا في مراحل العلاج النفسي، ويشيع استخدامه في البلدان الأوروبية وبعض الدول العربية.

إلا أن المنظمات السورية اكتفت بأنشطة مثل اللعب والرسم ومشاهدة الأفلام، بالرغم من التمويل “الضخم” الذي حصلت عليه، ولم تتفاعل مع أي مبادرة مسرحية ضمن برامجها، بحسب برو.

ويمثل المسرح النفسي المرحلة الثالثة من الدعم النفسي والأكثر تعقيدًا، بعد مرحلتي اللعب والرسم، ويقوم على أساس ورشة ينظمها مسرحي مختص مع الأطفال بالاعتماد على خطوط عامة، وبعد تدريب وبمشاركة المتضررين يعيد المسرحي كتابة النص بناءً على تجارب الأطفال الممثلين وبالتعاون معهم، لينتج في النهاية نوعًا من أنواع المسرح التفاعلي، وفي حال الفشل يتدخل الطب النفسي مع الطفل المتضرر، يشرح برو.

لكن المؤسسات المختصة غيّبت المسرحيين عن هذا العمل، للاستسهال أو للاستثمار في مجالات أخرى، ولم تتحمس أي من هذه المنظمات لعمل من هذا النوع، حتى مع تقديمه بشكل تطوعي ومجاني من قبل بعض المسرحيين.

كذلك المدارس السورية في ولاية غازي عنتاب التركية لم تقبل بعرض حسين برو بالرغم من تكفله بتقديم العمل كاملًا بالمجان، ووصل الأمر بأحد مدرائها إلى درجة طلب تعديلات “هائلة” على النص المشغول مع الأطفال لتذكيرهم بهويتهم السورية ولغتهم العربية، ليصب في مصلحة جهة معينة، لم يسمها برو.

يُتهم المسرحيون السوريون بغيابهم عن الساحة، وحصر إنتاجهم بطبقة واحدة من المثقفين، وعدم قدرتهم على الاشتباك بالسؤال السوري، هذا ما يراه المشاهد بشكل عام، إلا أن كواليس تجربة كالتي تحدث عنها حسين برو، بينت الصعوبات التي واجهت المسرحيين السوريين ماديًا وفكريًا، والتي أعاقت حركتهم أو حاولت تفريغها من معناها.

عنب بلدي – علي بهلول