«فورين بوليسي»: في سوريا حرب «متجمدة» تخدم المصالح الإقليمية الروسية والأجندات الخارجية

رؤية سورية – القدس العربي  

يرى جوناثان سباير، الباحث في معهد القدس للدراسات والمعلق في «جيروزاليم بوست» إن النزاع السوري لم ينته بانتصار الرئيس السوري بشار الأسد ولكن إلى نزاع متجمد. وفي مقالة نشرتها مجلة «فورين بوليسي» قال إن سوريا تسير نحو التقسيم الفعلي مع استمرار النزاع وسياسة راكدة يمكن أن يطلق عليها «النزاع المتجمد»، وعلى ما يبدو هذا هو هدف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي بدأ وأدار نزاعات أخرى في أوكرانيا وجورجيا ومناطق أخرى. وقد يجد اللاعبون الآخرون في سوريا: تركيا، الولايات المتحدة، إسرائيل والمعارضة المتبقية والتي تدعمها السعودية نفسها راضية ومتقبلة بالواقع الجديد. والخاسر الوحيد سيكون نظام الأسد وإيران. ولكن ما هي الإشارات التي توحي بتوجه سوريا إلى النزاع المتجمد؟

يجيب الكاتب هنا: «أنظر إلى الزيارة الأخيرة للرئيس الأسد إلى روسيا للقاء بوتين. وفي المؤتمر الصحافي بعد اللقاء أخبر الرئيس الروسي الصحافيين قائلاً: «بعد الانتصارات الواضحة للجيش السوري في محاربة الإرهاب وتفعيل العملية السياسية فستبدأ القوات الأجنبية في سوريا بالإنسحاب». وهذه إشارة واضحة إلى أن بوتين ليس مهتماً في طموح الرئيس الأسد إعادة السيطرة على باقي المناطق التي خرجت عن سيطرته. وفي غياب الطيران الروسي الذي اعتمد عليه النظام في حصار واستعادة حلب الشرقية والغوطة الشرقية قرب دمشق فحملات استعادة ستكون غير ممكنة. بل وتكهن البعض أن بوتين كان يشير إلى انسحاب القوات المعارضة للأسد فقط. فطالما فرقت موسكو بين وجودها الذي جاء بناء على دعوة من الحكومة «الشرعية» للبلاد والقوات التي حضرت بدون دعوة، إلا أن المبعوث الروسي في سوريا ألكسندر لافرينتيف كان واضحاً في هذه المناسبة وأن بوتين كان يقصد كل القوات العسكرية في سوريا بمن فيهم الأمريكيون والأتراك وحزب الله والإيرانيون.

رضى روسي

ويعلق الكاتب أن البيان الروسي جاء بعد رد غاضب من طهران حيث أخبر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي الصحافيين: «لا أحد يمكنه إجبار إيران على عمل شيء. وطالما ظل الإرهاب موجوداً وقبلت الحكومة السورية فسيظل لإيران حضور (في سوريا)».

ويعلق سباير أن البيانين المتعارضين هما ملمح واحد من الخلافات بين موسكو وطهران حول مستقبل سوريا. كما أن هناك رضى روسياً للضربات التي وجهتها إسرائيل لمواقع إيرانية في سوريا. بالإضافة لموافقة الروس على إنشاء الأتراك منطقة عازلة كبيرة في شمال- غربي البلاد. ورفض الأسد المقترح الروسي بكتابة مسودة للدستور تحد من سلطاته.

ويضيف إن تصورات موسكو في مناطق أخرى تشير لارتياحها بالحفاظ على النزاعات التي لم تحل طالما ظلت الكلفة فيها متدنية. ففي أوكرانيا مثلاً، لا يزال الوضع في منطقة دونباس على حاله بدون تسوية. فالسيطرة على منطقتي دونتسك ولوهانسك يمنح روسيا الفرصة لعرقلة السياسة الداخلية لأوكرانيا وكل الخطط والاستراتيجيات التي تعتبرها الحكومة ضرورية.

وفي سوريا تدعم روسيا حكومة لا جماعة متمردة كما في أوكرانيا لكنها تؤكد الآن أن مصالحها لا تتداخل مع الأسد. ولم يكن هذا هو الحال عندما وصلت المقاتلات الروسية في أيلول (سبتمبر) 2015 حيث رحب بها الإعلام الإيراني كما بدا من افتتاحية صحيفة «الأخبار» اللبنانية الموالية لإيران وحزب الله وتحدث كاتبها إبراهيم الأمين عن ولادة تحالف «4+1» والذي سيضم الأسد والعراق وإيران وحزب الله وروسيا والصورة اليوم أكثر تعقيداً عما صورته تلك الافتتاحية.

وعلى ما يبدو فقد قدم الروس النقاط التي يرغبون بتقديمها للنظام. وأهمها ان تدخل الطيران الروسي حمى نظام الأسد من هزيمة محتومة. وهو الآن يسيطر على نسبة 60% من الأراضي السورية وخرج تنظيم الدولة من المنطقة التي يسيطر عليها قرب دمشق ولم يعد انتصار المعارضة قائماً. وأثبتت روسيا فعاليتها من خلال الأساليب الوحشية من الجو ونظامها العسكري وانضباط الجيش الروسي الذي أعيد تنظيمه. وحمت قاعدتها البحرية في طرطوس والجوية حميميم قرب اللاذقية. وما فعلته روسيا هي أنها اثبتت وفاءها للحلفاء مقارنة مع الولايات المتحدة وقتل الجهاديين الذين جاءوا من مناطق القوقاز. وعلى ما يبدو فبوتين ليس مهتماً بالمهمة التي تحدث عنها الأمين -المؤيد لحزب الله – أي أن يكون زعيماً للكتلة الشيعية في المنطقة. ولكن موسكو تريد أن تكون عراباً للقوة في السياق السوري، وهو العنوان الذي يجب ان يكون من أجل مواصلة أهدافها الإقليمية. ودور كهذا على موسكو أن تعطي كل طرف ما يريده بدلاً من أن تقف مع هذا الطرف ضد الآخر. فمن ناحية تريد الحفاظ على الصدع بين تركيا وأعضاء حلف الناتو. ولهذا السبب وافقت على إنشاء جيب تركي- إسلامي سني في شمال غربي سوريا يمتد من جرابلس في الشرق ويشمل مناطق واسعة من إدلب. وتقوم تركيا بوضع عمليات «الرتوش» الأخيرة على بناء 12 نقطة مراقبة تحيط بإدلب. واستبعد نائب رئيس الوزراء التركي رجب إكداق عودة عفرين للنظام السوري في وقت قريب. ولم يكن باستطاعة الأتراك إقامة هذه المنطقة بدون دعم تكتيكي من الروس الذي يحكمون الأجواء في شمال- غرب سوريا. واعتبر النظام السوري الوجود التركي خرقاً للسيادة ولكن بدون العضلات الروسية لحمايته فلا يمكنه عمل الكثير.

غير متعجل

أما في الجنوب فقد تجاهلت روسيا العمليات العسكرية الواسعة ضد المنشآت الإيرانية، ولم تحاول الدفاعات الجوية مواجهة المقاتلات الإسرائيلية. وأوضح بوتين في أثناء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لروسيا أن لا رغبة لدى موسكو بتزويد الأسد بمنظومة الدفاع الصاروخي إس- 300.

وتحاول إيران دفع النظام لمحاربة الجيوب التي تحتلها المعارضة في الجنوب لكن وجود قوات موالية لها يحمل معه مخاطر حرب واسعة مع إسرائيل التي ترى فيها تهديداً لحدودها. ولا اهتمام لروسيا بهذه المحاولات التي قد تهدد كل المكاسب التي حققها النظام السوري.

وفي الشرق يبدو أن روسيا غير متعجلة لمواجهة الولايات المتحدة وحلفائها الذين يسيطرون على نسبة 30% من أراضي سوريا الواقعة شرق نهر الفرات. وفي خطاب وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ألقى قفاز التحدي لإيران وأكد أن بلاده لن تغادر شرق سوريا في وقت قريب، خاصة أن هذه المناطق تعتبر بمثابة الحاجز أمام طموحات طهران بناء ممر بري إلى البحر المتوسط. ويأمل حلفاء واشنطن، إسرائيل والسعودية أن تظل القوات الأمريكية فيها من أجل ممارسة الضغط على إيران. والتقى ممثلون أمريكيون هذا الأسبوع مع قادة في قوات سوريا الديمقراطية بمدينة منبج وأكدوا على مواصلة الدعم الأمريكي لهم.

إلى أين؟

والسؤال هو إلى أين تسير روسيا اليوم؟ فبعدما حققت أهدافها السورية تريد موازنة دعمها للنظام بالمصالح الأخرى مثل تقويض المصالح الغربية في أمكنة أخرى بالإضافة للحفاظ على علاقات عمل مع القوى الإقليمية الأخرى مثل تركيا وإسرائيل. فيما تواصل واشنطن وإسرائيل بمواجهة الطموحات الإيرانية في المنطقة والنتيجة ستكون سوريا مقسمة تتحول لميدان يخدم الأجندات غير الروسية.