صحيفة: لعبة بوتين في سورية شارفت على النهاية

جوناثان سباير – فورين بوليسي 

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحضر حفل وضع إكليل بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين لانتصار الاتحاد السوفيتي على ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، 9 أيار/ مايو 2018 في مقبرة الجندي المجهول بجوار جدار الكرملين في موسكو. (صورة ميخائيل كليمنتييف/ سبوتنيك/ وكالة الصحافة الفرنسية- صور جيتي)

يبدو أن هناك من يوجّه سورية بشكل متزايد نحو تقسيم فعلي مصحوبًا بصراعٍ عسكري مستمر منخفض المستوى ووظيفي، مع ركود في السياسة، أي ما يُسمى بـ “الصراع المجمّد”. ربما كان هذا هو الهدف طوال الوقت، بالنسبة إلى فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، الذي بدأ وأدار مثل هذه الصراعات في أماكن أخرى، بما في ذلك جورجيا وأوكرانيا.

هناك لاعبون مهمون آخرون في سورية، من ضمنهم إسرائيل، والولايات المتحدة، وتركيا، وما تبقى من المتمردين العرب السنة، ربما يكتشفون كذلك أنهم سيكونون راضين عن هذا الواقع الجديد. وعلى النقيض من ذلك، فإن أهمّ الخاسرين هما نظام الأسد وإيران.

ما هي المؤشرات التي تشير إلى تحرّك سورية باتجاه صراعٍ مجمّد؟ لنتأمل في الزيارة الأخيرة لبشار الأسد الرئيس السوري، إلى روسيا للاجتماع مع بوتين. في المؤتمر الصحفي الذي عُقد عقب الاجتماع، قال بوتين للصحفيين: “بعد النجاحات الملحوظة التي حققها الجيش السوري في مكافحة الإرهاب، ومع تفعيل العملية السياسية؛ ستبدأ القوات الأجنبية المتمركزة في سورية بالانسحاب من البلاد”. ويبدو هذا أنه يشير إلى أن الرئيس الروسي لم يكن مهتمًا بمساعدة نظام الأسد على استعادة سورية بأكملها. وفي غياب الدعم الجوي الروسي الذي اعتمد عليه الجيش السوري في العمليات القتالية الكبرى (بما في ذلك حصار حلب، وتدمير الغوطة الشرقية التي كان يسيطر عليها المتمردون)، فإن عملية الاستعادة تلك ستكون مستحيلة.

تكهن البعض بأن بوتين كان يشير فقط إلى انسحاب القوات الأجنبية المعارضة للنظام. في الماضي، سعت موسكو للتفريق بين وجودها في سورية (على أنه بدعوة من السلطات السورية “الشرعية”) ووجود العناصر الأجنبية الأخرى غير المدعوة. ولكن في هذه المناسبة، أوضح ألكسندر لافرينتيف، المبعوث الروسي لسورية، أن الرئيس كان يشير إلى “جميع القوات العسكرية الأجنبية المتمركزة في سورية، ومن ضمن ذلك القوات الأميركية، والتركية، وحزب الله، و[القوات] الإيرانية”.

أعقب البيان الروسي ردّة فعلٍ غاضبة من طهران، وقال بهرام قاسمي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، للصحفيين في طهران: “لا أحد يستطيع إجبار إيران على فعل أي شيء…. طالما أن الإرهاب موجود، والحكومة السورية تريد، سيكون لإيران وجود [في سورية]. إن التصريحات المُتنازعة هي مجرّد مؤشرٍ واحد، بين العديد من الاختلافات بين موسكو وبعض حلفائها حول مستقبل سورية. هناك أيضًا قبولٌ من موسكو في الأونة الأخيرة لتدابير إسرائيلية جوية واسعة النطاق ضد أهداف إيرانية في سورية، ومن الواضح أنها تمنح الإذن للأتراك لإنشاء جيوب كبيرة في شمال غرب سورية. في هذه الأثناء، رفض الأسد خطةً روسية لصياغة دستورٍ سوري جديد يحدُّ من سلطاته.

يشير نمط سلوك موسكو في مكان آخر إلى أنها مرتاحة للإبقاء على الصراعات التي لم يتم حلّها، بتكلفةٍ منخفضة نسبيًا. في أوكرانيا، على سبيل المثال، لا يزال الصراع في إقليم الدونباس بعيدًا من الحل، ولكن من خلال السيطرة على أجزاء من مقاطعات دونتسك ولوهانسك، تضمن روسيا أنها يمكن أن تعطّل الشؤون الداخلية لأوكرانيا عندما تشاء، وأن خططها واستراتيجيتها هي القضية الأكثر إلحاحًا التي تواجه أي حكومة أوكرانية.

في سورية، بالطبع، تدعم روسيا الحكومة، وليس تمردًا من صنعها، كما هو الحال في أوكرانيا، لكن موسكو الآن توضّح أن مصالحها لا تتقاطع بالكامل مع مصالح الأسد.

لم يكن هذا واضحًا، عندما ظهرت الطائرات الروسية لأولّ مرة فوق سماء سورية في 30 أيلول/ سبتمبر 2015، التي استُقبلت بحفاوة بافتتاحيات مبتهجة في وسائل الإعلام الإقليمية المؤيدة لإيران ولحزب الله. في مقال في جريدة الأخبار اللبنانية في ذلك الوقت، كتبه إبراهيم الأمين، رئيس تحريرها، بشّر بميلاد تحالف “4 + 1″، الذي سيضم إيران والعراق وسورية الأسد وحزب الله وروسيا. اليوم، يشير الواقع إلى صورةٍ أكثر تعقيدًا.

تبدو روسيا إلى حدٍّ كبير أنها فرضت النقاط التي ترغب في تثبيتها في سورية. إن تدخلها أنقذ نظام الأسد من هزيمة محتملة في عام 2015. ومنذ ذلك الحين، انقلبت أحوال النظام، فهو يسيطر الآن على نحو 60 في المئة من الأراضي السورية. فآخر جيوب الدولة الإسلامية (داعش) في محيط دمشق، أُخليت هذا الأسبوع، ولم يعد هناك ثمّة خطر من انتصار المتمردين.

أثبتت روسيا فاعلية تكتيكاتها الجوية الوحشية وأنظمتها النووية، والمهارة النسبية والتفاني في جيشها الذي تم تجديده (المُجدد). وقد حافظت على سلامة قواعدها البحرية في طرطوس واللاذقية، وقاعدة حميميم الجوية. لقد سجلّت نقطة بأن موسكو مخلصة لحلفائها. وقد قتلت العديد من الجهاديين من شمال القوقاز الذين شقوا طريقهم نحو التمرد.