المَعري الذي يريده السوريون

راشد عيسى – المدن
يتابع كثير من سكان العالم الافتراضي، خطوة بخطوة، النحات والمبدع السوري-الإسباني الإقامة عاصم الباشا، في اشتغاله على تمثال لأبي العلاء المعري (973 -1057م)، عبر منشوراته وتعليقاته التي يمكن النظر إليها كنصوص موازية لعمله النحتيّ، تغني القارئ وتجعله أقرب إلى مشاغل الفنانين، ولعلها واحدة من فضائل قليلة للميديا الاجتماعية.
الفنان أعلن أخيراً انتهاء المرحلة الأولى، أي عمله هو بالذات، وكان قد قال من قبل “صار هذا العمل التطوّعي ممكنًا بفضل من تنسيق منظمة “ناجون” له. لعلّه أول عمل جماعي واسع في ثورتنا، إذ يساعد بعض الأصدقاء في العمل، وتبرّع له 350 سورياً (لا يد أجنبية في المشروع ) لتغطية التكاليف”.

أحببنا العمل كما ظهر في الصور المنشورة (بارتفاع 325 سم)، ومن اللافت فيه أنه تمثال لرأس المعرّي، وقد يكون الفنان أراد من وراء ذلك الإشارة فوراً إلى العقل، ما يعنيه المعري قبل كل شيء، حيث “العقل في الرأس”، و”العالم في الرأس”،  أو ربما هي إشارة مباشرة لحادثة الاعتداء التي تعرض لها تمثال المعرّي في شباط 2013، في مدينته معرة النعمان في الشمال السوري، على أيدي مجموعة أصولية متطرفة. حينذاك وجد رأس التمثال مقطوعاً، وكأن المقصود هو الرأس لا التمثال، كما أشارت كتابات عديدة إثر الحادثة، بما يعنيه ذلك من اغتيال للعقل، وهو صاحب العبارة الشهيرة “لا إمام سوى العقل”.

إنجاز التمثال هو جزء من مشروع، الباقي منه السعي لوضعه في ساحة في مدينة باريس، استعداداً لنقله إلى سوريا عندما يكون ذلك متاحاً. أي أنه مشروع على المدى الطويل.

لا يملك المرء إلا أن يحيي مثل هذه الجهود التطوعية الخالصة، سواء جهد الفنان الباشا أو مساعديه، والمساهمين، ومن يسعون إلى اكتمال المشروع، وعلى رأسهم الفنان الممثل فارس الحلو، صاحب الفكرة والمشرف على المشروع.

لكن، لأن للمشروع هذا البُعد الرمزي، ووراءه هذه الجهود الجماعية، يصبح النقاش ضرورياً حول الفكرة، ورمزيتها، آفاق المشروع، وأولويته في إطار العمل الثقافي السوري اليوم.

من الواضح أن اختيار المعري يستجيب لتصورات موجودة في الغرب، لا يتساوق معها، إنما يحاول دحضها، يريد أن يثبت أننا لسنا “داعش” أو “النصرة”، ففي سوريا هناك النموذج الضد: أبو العلاء المعري. ولا يخفى أن في قلب رمزية أبي العلاء هناك صورته كملحد (وهو أمر خاضع للنقاش طبعاً). هذا ما استفزّ الإسلاميين المتطرفين، ولعل هذا ما يدفع نحو صناعة التمثال بمواجهتهم.

هكذا يعتبر، على سبيل المثال، الكاتب اليمني حبيب عبد الرب سروري المقيم في فرنسا، والمتابع كذلك، على ما يبدو، لتفاصيل إنجاز المشروع، أن “هذه هي المقاومة الفذة”، ويقول “حزّوا رأس تمثال أبي العلاء في المعرة قبل سنين، ليأتيهم قريبا وجهٌ عملاق سيهبط على رؤوسهم مثل قنبلة عنقودية تخترق سقف المنزل.. أول علامات بشائر زمن “لا إمام سوى العقل”؟”.

فهل يلخص هذا النوع من “المقاومة” قضية السوريين اليوم؟ لنتخيل تمثال أبي العلاء المعري واقفاً في إحدى ساحات المدن الفرنسية، هل يشعر العابر أمامه أنه سيحيل فوراً إلى قضية السوريين؟ هل المعري هو الرمز المناسب الذي يمكنه تلخيص حال السوريين؟
هو جهد طيب ومخلص من جمعية “ناجون” التي تعنى بشؤون المعتقلين والناجين ممن تفادوا الاعتقال، وتطمح لمحاكمة مجرمي الحرب. ولكن هل يشكل مشروع المعري أولوية في العمل الثقافي السوري؟ مع العلم أننا نتحدث هنا لا عن الجهد الفردي للفنان النحات، بل عن مشروع اقتضى التحضير والتفكير المطول والاختيار وجمع المساهمات وصولاً إلى النحت وصعوباته إلى مراحل نقل التمثال ووضعه في ساحة في حال الحصول على ترخيص بذلك. هذا إلى جانب توثيق التجربة بفوتوغراف وأفلام وثائقية قد بدأت بالفعل. لولا كل تلك الجهود الكبيرة لما استحق الأمر النقاش. إنما ما يشعر به المرء أن جهداً كبيراً يوضع في مكان ليس له الأولوية.

هذا بالإضافة إلى أسئلة من ذلك النوع الذي يطرح إزاء كل مشروع ثقافي جديد، بخصوص كم يفيد ذلك في خدمة السوريين وفي “تنمية مستدامة”.

هذا واحد من مشاريع ثقافية سورية عديدة نحسب أنها تذهب إلى المكان الخطأ، أو لنقل إلى المكان السهل. السوريون اليوم في مختلف أماكن تواجدهم وتجمعاتهم ومخيماتهم بحاجة لمشاريع أجدى وأكثر إلحاحاً. لن نتحدث عن الخبز والدفء وسيول مطر تقتلع الخيام، فمن نافل القول إن ليس بالخبز وحده يحيا الناس، لكن ما عساهم يفعلون بتمثال للمعري في ساحة على بعد آلاف الأميال؟ ما حاجتهم للمعري!