مظاهر رمضانية بكاميرات المستشرقين ليكيجيان وزانجاكي وجوميث وجوفروا

مصطفى عبيد – العرب اللندنية

بالكلمات والكاميرا والألوان؛ جسّد مستشرقون على مر السنين أبرز المظاهر والمشاهد الرمضانية في مصر، من مساجد وتراويح وعبادات وروحانيات، فضلا عن الاحتفاليات والزينات والفوانيس، والأسواق وبيع الأطعمة والمشروبات الشعبية.

الشرق دائما هو ذلك المفتاح العجيب الذي يمنح المستشرقين السحر والجمال، والدهشة التي تقود إلى الإبداع، وهو ليس بالضرورة ذلك الذي يعرفه أهله، لكنه الشرق من وجهة نظر هؤلاء المستشرقين، وفق رؤيتهم الخاصة.

عبّر الكثير من المؤرخين والرحالة والدارسين الوافدين عن مظاهر وتجليات هذا الشرق في كتابات علمية وأعمال فنية وإبداعية، وحظي شهر رمضان بمظاهره المتعددة؛ الدينية والاحتفالية والاجتماعية، برصد ووصف المستشرقين، الذين سجلوا انطباعاتهم عن هذه المشاهد بالكلمات وبالكاميرا الفوتوغرافية وباللوحات.

لم يترك المستشرقون طقسا دينيّا روحيّا ولا مظهرا اجتماعيّا حياتيّا يتعلق بشهر رمضان إلا وتوقفوا عنده بالرصد والشرح، سواء في ما خلفوه من مؤلفات مكتوبة أو جسدوه بالصور الفوتوغرافية والرسوم واللوحات الفنية.

توقف المستشرقون عند المساجد والمآذن والقباب والصحون والباحات والصلوات والتراويح وحالات الخشوع الروحانية، وشغفوا كثيرا بالتصوف وممارساته الفردية والجماعية، كما التفتوا إلى الاحتفاليات والزينات والفوانيس والأضواء والفرق الشعبية والحلوى والمكسّرات.

كذلك رصد المستشرقون، خصوصا مصوري الفوتوغرافيا في بداية عهد ذلك الفن، الأسواق وحركة البيع والشراء والمأكولات والمشروبات والصناعات والحرف التقليدية في القاهرة القديمة والشوارع المقترنة بأسماء هذه الحرف كالنحاسين والصنادقية والخيامية وغيرها.

الكاميرا والاستشراق

صحن الجامع الأزهر بعدسة اليونانيين الأخوين زانجاكي
صحن الجامع الأزهر بعدسة اليونانيين الأخوين زانجاكي

ارتبط تاريخ التصوير الفوتوغرافي منذ بداياته بمنطقة الشرق الأوسط بشكل كبير، لأسباب عدة توضحها الناقدة التشكيلية شذى يحيى صاحبة “موسوعة فوتوغرافيا مصر”؛ الصادرة عن دار الهلال، من بينها: قرب المسافة وملاءمة الأجواء للتقنية الجديدة ورغبة العديد من المراكز والجهات في تمويل الرحلات إلى الشرق.

لكن السبب الأهم، كما تقول الباحثة لـ”العرب”، هو ذلك الولع الثقافي بكل ما يخص مصر وهذه المنطقة الساحرة من العالم، على الأخص بعد الحملة الفرنسية، وارتباط المنطقة وجدانيّا بالتاريخ المسيحي، بالإضافة إلى أهميتها الإستراتيجية في صراع القوى الإمبريالية في القرن التاسع عشر، الذي انقلب إلى صراع سياسي وجهه الثقافي الاستشراق في الآداب والتشكيل وبعد ذلك الفوتوغرافيا.

انطلاقا من ذلك، اندفع اثنان من أوائل المصورين بعد أشهر قليلة من اختراع الكاميرا إلى السفر لمصر، وأخذ الصور الأولى في أفريقيا والشرق الأوسط لبوابة حريم محمد علي بقصر رأس التين بالإسكندرية، وكان أحد هذين المصورين الرسام الاستشراقي هوراس فيرنيه، والآخر قريبه فاسكوا.

وتتماثل الرؤية الاستشراقية في التصوير الفوتوغرافي وفي الفن التشكيلي مع نظيرتها في الأعمال الأدبية للمستشرقين، ففلسفة الاستشراق تقوم على إنتاج أعمال تنظر إلى الشرق من وجهة نظر الغربيين، سواء أنتجت هذه الأعمال في الشرق أو في أوروبا لتمثل الشرق.

وتتجلى الملامح والأجواء الرمضانية في العديد من المشاهد التي نقلها المصورون المستشرقون، منها ما يصور العبادات والروحانيات، كما في أعمال “الصلاة”، ومنظر علوي من سطح الجامع الأزهر، للمصور الأرمني جبرائيل ليكيجيان، وصحن الجامع الأزهر بعدسة اليونانيين الأخوين زانجاكي، وباحة جامع محمد علي للمصور العثماني باسكال صباح.

احتفاليات رمضان

مشهد من سوق النحاسين بعدسة المصور الأرمني جبرائيل ليكيجيان
مشهد من سوق النحاسين بعدسة المصور الأرمني جبرائيل ليكيجيان

هناك لقطات فوتوغرافية تجسد الاحتفاليات والمظاهر الاجتماعية والحياتية والفرق الشعبية، مثل بائع الفوانيس للأرمني ليكيجيان، والاحتفالية الدينية في القاهرة القديمة للأخوين زانجاكي.

كذلك هناك مشاهد الأسواق القديمة والمأكولات والمشروبات والسقا والحرف والصناعات التقليدية، ومنها: بائعو العصائر والعرقسوس للأخوين زانجاكي، ومشهد من سوق النحاسين بعدسة الأرمني ليكيجيان، وغيرها.

والمصور الأرمني جبرائيل ليكيجيان هو فنان ومصور فوتوغرافي ذاع صيته في أواخر القرن التاسع عشر بمصر، وظلت لاستوديو ليكيجيان مكانة كبيرة في القاهرة حتى أوائل عشرينات القرن الماضي، إذ أفرز الآلاف من الأعمال التي تصور مظاهر الحياة وحركة البشر بمصر.

والأخوان زانجاكي، مصوران يونانيان قبرصيان عاشا بمصر في أواخر القرن التاسع عشر‏،‏ وامتلكا استديو ذائع الصيت، وقدما الآلاف من الصور التي تعكس الملامح الحياتية المصرية ما بين ‏1860‏ و‏1880 على وجه التحديد.

أما باسكال صباح، فهو مصور تركي غزير الإنتاج، وأنتج استوديو صباح في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عددا كبيرا من مجموعات الصور، التي أنجز بعضها بالتعاون مع الرسام وعالم الآثار عثمان حمدي.

وهناك مصور شهير كذلك، هو البريطاني فرانسيس فريث (1898/1822)، وهو من الرعيل الأول للمصورين المهتمين بمصر ومنطقة الشرق الأوسط، وتميزت صوره التي رصدت المظاهر الدينية والحياتية بمصر بإظهار البعد الثالث وإيضاح التفاصيل الصغيرة.

وتأتي رؤية المستشرقين من المصورين الفوتوغرافيين والتشكيليين معتمدة على كتابات الرحالة أمثال اللورد بايرون وشاتوبريان وإدوارد ويليام لين صاحب كتاب “عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم”، ومع الفوتوغرافيا زاد الاهتمام بالواقع الحي أكثر من تصورات الغرب عن الشرق.

من هنا، ركز المصورون الفوتوغرافيون في أعمالهم على العمارة الشاهقة ومآذن المساجد والطقوس الدينية والعبادات والصلوات والدراويش، والحرف التقليدية القديمة، ومظاهر الاحتفالات في شهر رمضان كالزينات والفوانيس وامتلاء الحوانيت بالبضائع والمأكولات والمشروبات الرمضانية.

التصوف والفلاسفة

احتفالية دينية في القاهرة القديمة من تصوير الأخوين زانجاكي
احتفالية دينية في القاهرة القديمة من تصوير الأخوين زانجاكي

من الفنون البصرية إلى الرسم بالكلمات، حيث يرصد المستشرقون من المفكرين والفلاسفة في مؤلفاتهم ورسائلهم الكثير من الأمور الدينية والحياتية المتعلقة بالمشرق، ومنها الأجواء الرمضانية بمصر، وما فيها من تعبد وصلاة التراويح وتصوف وموائد الإفطار والسحور وغيرها.

يتناول المستشرق الإسباني إيمليو جارثيا جوميث (1905-1995) في كتابه “رحلة إلى مصر وسوريا وفلسطين: 1927-1928″، الذي صدر في القاهرة عن “المركز القومي للترجمة” بترجمة طه زيادة، ملامح الحياة المصرية في الثلث الأول من القرن الماضي، ويلتفت جوميث إلى المظاهر الرمضانية، ومنها الفرق الصوفية ذات الطرق المختلفة، ويسميها “الدين الشعبي”، في مقابل الإسلام “الرسمي” ممثلا في الأزهر ومؤسسات الدولة.

ويستشف جوميث أن الروحانيات التي تكتنف التصوف فيها من حقيقة الدين والإيمان ما قد لا يستبصره الرائي في حركات الصلوات الجماعية، في حالة افتقادها للخشوع والإخلاص لله. وينتقد جوميث تحويل بعض مشايخ وعلماء الأزهر شهر رمضان إلى مناسبة للأكل النهم وملء البطون، مفتقدين حكمة الصوم، ويقول واصفا مأدبتهم عند الإفطار “انقضوا كذئاب جائعة، ممزقين الدجاج بأيديهم، فيما يغمسون قطع الخبز البلدي على هيئة مراكب في عدد لا نهائي من الصحون”.

وبدوره، ينقل المستشرق الفرنسي إريك جوفروا صاحب كتاب “المستقبل للإسلام الروحاني”، الصادر عن “المركز القومي للترجمة” في القاهرة بترجمة السوري هاشم صالح، أجواء “التصوف” التي تنتعش انتعاشا كبيرا في رمضان، بوصفها طريقا للتخلص من النفاق الديني والاعتماد على النقل والفتاوى الجامدة للفقهاء القدامى.

ويقود هذا التمسك بالتصوف وبالجوهري في الدين إلى ما يسميه جوفروا “أصولية روحانية” أو نزعة تأسيسية روحانية، بإمكانها أن تعمل ككيان مضاد للأصولية الشكلانية المسيطرة والسائدة في عصرنا الراهن. ويذهب جوفروا إلى أن للبصيرة الصوفية دورا في إضاءة الحاضر، بما تمتاز به من روحانيات كاشفة.