الكتاب العربي ورثاثة الترجمات إلى اللغات الأخرى

علي حسن فواز – الشرق الأوسط

ماذا سيكون شكل العالم دون مترجمين؟ وهل هناك لغة كونية أو استعمارية أو قومية أو حتى قدسية تكفي لتوحيد العالم، وإخضاع الأفكار والمعاني لنمطٍ واحد من التواصل والتوصيل؟

هذه الأسئلة ليست فرضيات، ولا تخيّلات، بقدر ما أنّ أهميتها تنطلق من فقه الحاجة إلى التواصل والفهم، وترميم الفجوات الثقافية العملية والمعرفية بين الشعوب، وبما يُعطي لفعل اللغة طاقتها وقوتها السيمائية في التواصل، وفي أنْ تكون هي المجال الوحيد الذي يُعبّرُ من خلاله الفلاسفة والثوار والغزاة والقديسون عن مواقفهم وأفكارهم، ولكي يُجاهروا بسلطتهم، وقوتهم في الإشهار والهيمنة، ولكي تُمارس اللغة وظيفتها أيضاً في تحفيز آليات التفكير، وفي صياغة الوعي والقبول، وفي صناعة الأثر…

مشكلة التعريف بالأدب العربي ليست قضية ثقافية مجردة، وليست بعيدة عن السياسة، ولا عن خططها وأهدافها واستراتيجياتها، لأنّ كلّ ما يتعلق بتعطيل البرامج الترجمية، يرتبط بشكلٍ أو بآخر بضعف تلك الاستراتيجيات، ودورها في(أنسنة الثقافة والعلوم والمعارف) وفي تأكيد أنّ (الثقافة صناعة) كما يقول أدرنو، ويمكن تأطير آليات استعمالها وتداولها، فهذه الامتيازات هي ما يُعطي للصناعات الثقافية أهميتها، وضروراتها، والتي تتطلب وجود مشاريع كبرى وسياسات كبرى، مثلما هو وجود الأسواق-القرّاء- المستهلكين، فضلاً عن وجود الفاعلين الحقيقيين في صياغة برامج الاجتماع الثقافي، ومنهم المترجمون، حيث مشاركتهم المهمة في صياغة رأي عام ترجمي، أو العمل على إقامة عقد ثقافي مع الثقافات الإنسانية الأخرى، لأنهم جزء منها، وأنّ مفهوم (القرية الكونية) الذي روّجت له العولمة يتطلب مشاركة حقيقية وقبولاً وتفاعلاً وتواصلاً لغرض أنسنة العالم- القرية…

العطالة، والتغييب في برامج ترجمات الثقافة العربية إلى اللغات تؤشر إلى مدى الضعف العميق في السياسات الثقافية، وفي تبنّي برامج حقيقية لتطوير وتوسيع مديات العمل الترجمي، فأي مقارنة ما بين ما نستهلكه من الترجمات العالمية مع ترجماتنا إلى اللغة الأخرى سنكتشف (الهوّة) العميقة التي نقف عندها، وحتى حديثنا عن الجوائز العالمية مثل «نوبل» والـ«مان بوكر» وغيرها سيصطدم بهذه العقدة اللسانية والسياسية، وبسياقات البرامج والآليات الحاكمة لهذه الجوائز…

– ترجمات وسياسات

قد يبدو السؤال فاجعاً في تحديد الجهات المسؤولة عن ذلك، فهي لم تجد أي مقاربات حقيقية لا في خطط وزارات الثقافة العربية، ولا حتى في برامج الاتحادات والمؤسسات الثقافية العربية الأخرى، وأنّ كلّ ما يجري من ترجمات محدودة لا يعدو أن يكون جهوداً شخصية أو من قبل مؤسسات معينة مثل «مؤسسة الكلمة» في دولة الإمارات العربية، أو لأغراض بحثية، أو لنيات تدخل في إطار الاستشراقيات العلمية، أو المشبوهة! حتى بتنا محاصرين بأوهام الآخر ومركزياته، وأنماط مهيمناته، ومناهجه ونظرياته وأسماء أبطاله، ومدنه، وشوارعه، وعلمائه، ودور نشره، مثلما باتت نظرتنا إلى الجوائز العالمية، وإلى معارض الكتب، وإلى تداول مفاهيم وقيم الحداثة وغيرها محصورة وضيقة، كأنها موضوعات تخصّ الآخر فقط، وأننا محضُ متفرجين، أو مستهلكين.

– الترجمة وأوهام الأنثربولوجيا

من الصعب جداً فصل الثقافة الترجمية عن المجال الأنثربولوجي، لا سيما على مستوى نظرة الآخر إلى العرب، وإلى عاداتهم وطقوسم ولهجاتهم وأفكارهم وأزيائهم ونظرتهم إلى الجنس والمرأة والطعام، فكلّ هذا مَثار شغفٍ دائم عند كثير من مستشرقي الأنثربولوجيا الأوروبية والأميركية، وهو ما يدفع بعضهم إلى الإصرار على إعادة ترجمات بعض الكتب التاريخية التي تخصّ المسكوت عنه في التراث أو السيرة، وبعضه يتعلق بالأحداث العربية الجديدة، لا سيما (ثورات الربيع العربي) ليس بوصفها الثوري، بل لأنها أسهمت في تفجير بعض ذلك (المسكوت عنه) الجماعاتي والهوياتي والطائفي العربي، وحتى ترجمة بعض الروايات أو الكتب الخاصة لا تشكّل أهمية كبرى إزاء استهلاكنا الكبير لما تُترجمه مؤسساتنا ودور نشرنا من الكتب الأجنبية.

وحين يثار فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل وترجمة كتبه إلى بعض اللغات الأخرى، أو فوز بعض الكتّاب المغاربة من الفرانكوفنيين بجوائز غونكور، أو حتى الحديث عما يتعلق بشخصيات متعولمة مثل إدوارد سعيد أو أمين معلوف، فالأمر يثير إشكالية أكثر تعقيداً، فحصول على محفوظ على «نوبل» التي يستحقها طبعاً، ليست قياساً، ولها ظروفها الخاصة، أو حتى لخصوصية الجهود الترجمية والسياسية والثقافية التي وقفت وراءها، لا سيما المزاج الأنثربولوجي الغربي الذي وجد في روايات محفوظ عالماً خاصاً للتعرّف على المكان والشخصيات المصرية، وعلى طبيعة التحولات الاجتماعية والسياسية والطبقية التي عاشتها الشخصية المصرية منذ نهاية القرن التاسع عشر، فضلاً عما تمور به رواياته من سرائر تمس المقدس واليومي والجندري، ولمواقفه من هوية الدولة الجمهورية في مصر، التي تأسست معها ظاهرة عبد الناصر المكروهة من قبل المؤسسات السياسية والاستشراقية الغربية…

وحتى الحديث عن ظاهرة إدوارد سعيد الأنكلوفونية، وعن الظاهرة المغاربية الفرانكوفية العربية، لا يعكس وجود عمل مؤسساتي حقيقي في مقاربة موضوع ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى، لأن هذه الظواهر هي أساساً جزء من المشروع الثقافي الغربي، ولا علاقة لها بالمشروعات الثقافية العربية، وبطبيعة الخيارات والمواقف التي لها علاقة بالترجمة، وبتعريف القارئ الأجنبي بالأدبيات العربية التاريخية والجديدة.

– المترجم ليس خائناً

السؤال عن خيانة المترجم ليس سؤالا أميناً، ولا مبرراً لاتهام الترجمات بالمروق والتلصص، وأحسب أنّ مَنْ روّج لهذه اليافطة لا يعاني من ضيق ذات اليد المعرفية، ولم تحاصره اللغات الأخرى بما يشبه الغزو، والترهيب، حدّ استعماره واغترابه إزاء وجوده وهويته، وجنوسته.

ترجمة الآداب العربية للآخر ظلت تعيش وهْمَ السياق الخائن، كأنّ لعبة الحروب والغزوات فقدت كل توصيفاتها العسكرية والسياسية، وانحشرت في خانة اللعبة اللسانية، وقدرة هذه اللعبة على أنْ تكون ممارسة في المحو والتغييب والإقصاء، حتى بات أغلب النزعات الآيديولوجية (القومية) منها، أو دوغما اليسار تمارس شكوكها الأخلاقية إزاء الآخر، وتعطيل أي أفق للحوار وتحت يافطات شتى، وهو ما وجدته حكومات الاستبداد العربي فرصة لتخوين المثقف، أو عزله، ولتأطير الترجمات بنوع من التضليل، والتخويف، ومجاراة الشعار الغرائبي حول الخيانة الترجمية، وباتجاه خلق نوع من الفوبيا بأنّ الغرب سيسرقنا من خلال اللغة، وأنّ مقدسنا، وإرثنا وقيمنا ستكون عرضة للنهب والضياع من قبل المترجمين الخونة…

كما أن وهم الخيانة هذا وجد في غياب البرامج الدولتية مجالاً آخر للعطالة، فضلاً عن غياب أي تخطيط لوضع ترجمة الأدب العربي في سياق البناء الحضاري والثقافي البيني، ولم تبذل وزارات الخارجية العربية أي جهد لتنظيم سياسة ثقافية كاملة مع الآخر، كأنّ مفهوم المصالح والأطر الدبلوماسية والسياسية لا شأن له إلّا بالعلاقات الدولية في سياقها السياسي فقط، فضلاً عن أن وزارات التعليم العالي تضع ممثليها في سفارات الدول الأجنبية لممارسة وظيفة متابعة شؤون الطلبة الدارسين في هذا البلد أو ذاك، ولا شأن لها بصياغة علاقات تخصّ المصالح الثقافية، وإقامة البرامج الترجمية المشتركة، وبما يسمح بصياغة تقاليد واسعة لهذه العلاقات، وفتح آفاق جديدة في سياق حوار الثقافات، وعلى أسس متكافئة، وبغير ذلك لا تملك أي جهة مدنية أو رسمية قدرة على تنشيط الممارسة الترجمية التي تتطلب آليات ودعماً مادياً ولوجيستياً من الصعب أنْ نجده في مؤسساتنا المدنية، لا سيما أن السلطة العربية هي سلطة حيازة شاملة للقرار والثروة والأمن، وهو ما يعني امتلاكها الأدوات والوسائط التي من شأنها تبني مثل مشاريع استراتيجية كهذه.