ماذا لو أخطأ أطباء التحليل النفسي في تشخيص المرض؟

حوار الأفكار – أبو بكر العيادي – العرب اللندنية

“السحر البطيء” مسرحية من تأليف الفرنسي دوني لاشو (من مواليد 1964 بباريس)، وهو أيضا ممثل ومخرج مسرحي، بدأ حياته بدراسة اللغتين الإنكليزية والألمانية، قبل أن يكتشف المسرح، وينخرط في مدرسة “مسرح الظل” في أواخر الثمانينات، وعقب التخرج، أسس فرقة “تياترالالا”، وكان فيها مؤلفا ومخرجا وممثلا رفقة كريستوف بيريي، وفرانك مانيي.

وبعد أن أصدر روايته الأولى “أتعلم الألمانية”، أنتج مع أوليفيا روزنتال -وهي روائية وممثلة وأستاذة محاضرة بجامعة باريس 8- سلسلة من العروض التي يمتزج فيها المسرح بالأداء المرتجل، ثم شارك عام 2011 لوران لاريفيير، وفانسان رافي في تصوّر عرض فرجوي يمزج المسرح بالسينما، وكان أول عمل لهم “إلدوريدو، قال البوليس” عن وضعية اللاجئين غير الشرعيين في فرنسا، فضلا عن مثابرته على نشر الروايات في دار كبرى هي أكت سود، حيث أصدر حتى الآن ثماني روايات، إضافة إلى روايات أخرى لليافعين.

ومنطلق حكاية مسرحية “السحر البطيء” التي تعرض حاليا في مسرح “بلفيل” الباريسي، أثير خلال ندوة عن التحليل النفسي، مزاياه وعيوبه، حيث قدّم أحد المتخصصين مداخلة عمّا ينتج من مضار عن خطأ في التشخيص، وضرب مثلا على ذلك حالة السيد لوفيي، الذي أقرّ أحد أطباء التحليل النفسي، قبل عشر سنوات، إصابته بالشيزوفرانيا، وكيف استطاع بفضل محلل نفساني آخر أن يستعيد ثقته في ما يسميه أهل الاختصاص التأبه، ومعناه تنبه النفس بعد اتصالها بالبدان إلى معارفها من حياة سابقة، فيكتشف شيئا فشيئا من هو، ويستعيد القدرة على التصالح مع نفسه.

الأدب بعامة، والمسرح بخاصة، لا يتنكب عن معالجة المسكوت عنه، بأساليب فنية، تساعد المتفرج نفسه على مغالبة مشاكل قد يكون عاشها، إذ كيف يمكن لفرد تعرض في طفولته لاغتصاب من أقرب المقربين إليه أن يتجاوز صدمته ويستعيد توازنه، ذلك هو موضوع مسرحية “السحر البطيء” التي تعرض حاليا في مسرح “بلفيل” بالعاصمة الفرنسية باريس

وبتنامي سرده لتراجيديا طفولته، وحياته، يرتسم تحرر السيد لوفيي وانعتاقه من السر الذي ثقله عليه حمله، هي حكاية عن الطفولة، والاغتصاب، والهوس، والمخاوف، وردة فعل العائلة، والصمت على ما لقي، والشعور بالعار، تلى ذلك خطأ التشخيص الأول، قبل أن يعينه التشخيص الثاني على اكتشاف ذاته.

يقول المخرج بيير نوت “لا شيء هنا غير الكارثة، الوحشية، فشل وجود إنساني، وأفراد مصدَّعين، محطَّمين، يبحثون بطريقة أو بأخرى عن علاج، قد يجدونه وقد لا يعثرون عليه طوال حياتهم.. والخشبة، في تصوّري، هي مكان استكشاف التصدّعات والكسور البشرية، ذلك ما يهمني في النص بالدرجة الأولى، أما التمثيل والأداء والمقاربة الركحية فتلك من بديهيات حرفتنا، غايتي هي الفرجة الحية، أن يكون الركح فضاء للبحث، مختبرا للمحطمين”.

وهذا ما يتوافر في نص دوني لاشو، فهو دراسة تحليلية، ثم سبر داخلي، تعقبهما ندوة، وهو أيضا بحث يحاول أحد الأطباء المتخصصين من خلاله أن يفهم حالة مريض يعاني ما يشبه الفصام الذي أوهموه به، فإذا هو يكتشف أن الرجل كان ضحية تشخيص خاطئ، ونظرة قاسية من المجتمع بكل فئاته.

يروي الرجل حكايته، والسنوات التي ضاعت من عمره، والكذب الذي كان يفرضه على نفسه، ودماره الداخلي، في إخراج بسيط، فلا فيديو هنا ولا محسنات ركحية، وكأن المخرج أراد أن ينفذ إلى الصميم، ويدعو المتفرجين إلى التركيز على الموضوع، على الخطأ الطبي ثم إلى نظرة المجتمع، وكلاهما يمكن أن يفسد حياة إنسان بتمامها، ويوجهها وجهة غير التي كان يحلم بأن يسير عليها، ذلك التشخيص وتلك النظرة اللذان صار السيد لوفيي بسببهما منبوذا في الوسط المدرسي ثم المهني، والمجتمع بعامة.

منطلق حكاية المسرحية أثير خلال ندوة عن التحليل النفسي، مزاياه وعيوبه، وعما ينتج من مضار عن خطأ في التشخيص

وخلال ندوة التحليل النفسي التي أقيمت لتداول مثل تلك القضايا، أثيرت حالة السيد لوفيي، أمام وزيرة الصحة، وثلة من الاختصاصيين، من بينهم أطباء أخطؤوا التشخيص، ومحللين نفسانيين حادوا عن الطريق.

ويعود السيد لوفيي مع الدكتور كريمنر طبيب التحليل النفسي الجديد الذي يوجه له السؤال تلو السؤال دونما إحراج، كي يأخذ بيده، ويساعده على الفهم، والبحث عمّا حرم منه، وعن انحرافاته وتيهه، فنفهم عملية التفكك الطويلة التي خضع لها السيد لوفيي، وكيف سينهض ليعمل من جديد على إعادة بناء شخصيته ونفسيته، بفضل نصائح هذا الأخصائي الذي جعل غايته انتشال الرجل ممّا هو فيه، ومساعدته على الإحساس بسلام داخلي، وفهم ذاته، لكي يعيد بناء حياته.

وفي المسرحية أيضا تأكيد على أن الوحشية فينا جميعا، وأن الفضاء المسرحي يضع تلك المسألة موضع تساؤل، ويسلط عليها الضوء، مع المباعدة، لكي نرى بوضوح أكبر، ونقارب المأساة بصفاء ذهني، حتى نبرأ من ظنوننا واتهامنا الناس دون علم بخفايا الأمور، وذلك ما عناه الكاتب بـ”السحر البطيء”، الذي يفعل فعله في النفوس.

لقد تحوّل المسرح هنا إلى فضاء للتأمل، والتفكّر في الكوابيس التي ألمت بشخصية السيد لوفيي، وأسباب مفازعه، وفظاعة إقامته في العالم، وعلى الخشبة، يقف الممثل بونوا جيروس وحيدا، ليتقمص شخصيات ثلاثا، المؤلف والراوي ومصلح الأعطاب والأخطاء، في بساطة صارمة، وإيقاع دؤوب، وتوتر متصاعد، وسط موسيقى مسرحية خافتة تعكس لغزا يتنامى، وزمنا يتراوح بين الظلمة والنور، بين الانغلاق والانعتاق.