ليسَ كلُّ المَكفوفين طه حسين

نجم الدين خلف الله- النهار

وَلَجْنا قاعةَ المحاضرات بعد أن ازدَحَمَ فيها ثلاثُمائة طالبٍ أو يزيدون. بشيءٍ من الجَلبة، استقرَّ كلُّ واحدٍ منهم في مكانه، فخيَّم على المدرج صمتٌ كنائسي. أطلَّ أستاذ الأدب القديم، حُسين الواد، وسار إلى المنبر البلوري الذي يشرف علينا. سيتناول اليوم علاقة الشعر الجاهلي بامتداد الصحراء، حَسب ما سَطَرَه في البرنامج. وقبل أن يُلقيَ أولى كلماته، أطلَّ طالبٌ نحيفٌ، عليه مخايل الوَسامة، حاملاً في يده عصًا بيضاء. مضى يجوب الممرات ببطءٍ، يقذف بعصاه ذات اليمين والشمال، كأنما تُخبره عن مساحات الملاء وما بينها من فراغاتٍ. وجدَ مقعدًا خاليًا فجلس بهدوء. وبحركة رشيقةٍ، لفَّ عصاه التي تضاءلت إلي رُبْع طولها فغدت مثل قلمٍ. سحب من حقيبته صندوقًا صغيرًا، كأنَّه آلة رسم “برايل”.

حدَّثَ الأستاذ:

– “ليس الأدبُ الجاهلي مرآةً تنعكس فيها صورةُ المجتمع، بل تخييلٌ وإيهام. يَطوي عبر إيقاع البُحور والاستعارات شاسعَ المسافات، وتَسير به الركبان…”

كنت منتشيًا بعناصر المشهد المتناغمة: استرجعتُ مأساة كاتبي المفضل طه حسين حين أبصرتُ هذا الطالبَ الكفيف، وقد بدت عليه سيماء النجابة. أستاذٌ لامعٌ يطلق تحليلاتِهِ، كسيف صارم، ثورةً على مناهج دراسة الأدب القديم. جامعة فتيَّةٌ شُيِّدَت بينَ مُدن الساحل وبلداته حتى تسكتَ الدولة أصواتَ التمرد الحانقة على فظاظة الحزب الحاكم واستهتاره بموارد البَلد الشحيحة.

بنفس الفظاظة والبرود، تَقَدَّمتُ إلى الطالب الكفيف بعد انتهاء المحاضرة للتحية والتعارف. كان ضحوكًا، يُكثر من الدعابة حتى حرَّم عليَّ أيَّ إحساس بالشفقة أو التعاطف، ولن يفيداه في ظلامه شيئًا.

في صبيحة الغد، صادفته في مَشْرَبَةِ المبيت الجامعي حيث يقطنُ كلانا. أعلمني أنه يسكن بالطابق الأول، أيْ في الغرفة التي تواجه غرفتي، وتشبهها تمامًا. لم يتسن للإدارة أن تخصه بأي إجراء تمييزي ولا اهتَمَّتْ لذلك كثيرًا. طلب مني أن أرافقه إلى المركز الثقافي الإسباني حتى يطَّلع على المراجع التي ذكرها الأستاذ في محاضرته. اعتذرتُ صادقًا أنِّي لا أعرف عنوانَ المركز. أجابني بثقة: “أنت تقودني إليه وأنا أدلك عليه”.

وكان الأمر كذلك. أخذت بيده وبدأنا المسير. كان يخبرني بطبيعة المحلات التي تَصطف على حافتيْ الطريق، الواحد تلو الآخر. وكنت كلما نطق باسم محلٍّ أتطلع إليه، فأرى: صالون حلاقة، مَخبز، مَكتب رقن… بالضبط كما يصفه هو. عجبتُ كيف ارتسمت خارطة المدينة بأسرها في ذاكرته وكيف حفظ أسماء أنهجها ومحالها شبرًا شِبْرًا. لا يتلعثم في توصيفها ولا يتردد. سألته عن السر في ذلك.

– بَسيطة يا صديقي. أقيس المسافات بعدد خطواتي. كل عددٍ يناسب مَحَلاً. سبق لي أن سجلت في ذهني كل الأبعاد وعناوين المحلات ونوعيتها، حسب وقع خطايَ وتعدادها.

كمْ تعثرت خُطواتي أنا المبصر؟ كم شردت نَظراتي وأنا أقود هذا الكفيفَ؟ وها هو ذا يرافقني إلى آفاقٍ ما خطر ببالي أن أرتادَها. لا أدري: مَن مِنَّا المبصر ومن الضرير؟ أحسستُ بتفاهتي حين أردت المبالغة في إعجابي بقوة ذاكرته.

– بَسيطة يا صديقي. يَكفي أن تُراجعَ المعلومات بينكَ وبين نفسك. مِن وظائف الذهن التذكر. لا مزيَّةَ لي سوى ممارسة هذه الوظيفة.

وعندما كنت أسايره، كانت تختلط عليَّ الطرقات وتتداخل أسماء البلدات والمدن التي زرتها، كأني مصاب بصُداع الأمكنة ودُوار الفضاءات. كان يُقَطِّع الأمكنة بعصاه ويذلل مساحاتها وأبعادها. وتَخضعُ هي ساكنةً تحت وَقع أقدامه الثابتة.

ذات مرة، سألته عن آرائه الأدبية. أجابني باستخفاف:

– أنا لا أميل إلى الأدب. سأعيد التوجيه بعد نهاية الفصل الجامعي. أنوي الالتحاقَ بقسم الهندسة. أعشق رسم مُخططات البيوت والتهيئة العمرانية. لم تقنعني أسئلة الشعر وما أرضاني جوابُ الشعراء. سحرُ الفضاء لا يُعالج بالبيان ولا يُذَلَّل بالأوزان.

ثم أضاف بابتسامةٍ، مَزَج فيها بين المودة والشفقة:

– ليس كلُّ المكفوفين طه حسين. وليس عليهم واجبُ الإبداع رغمَ مِحنة الضَّرَرِ.

غَسلني كلامه بالماء البارد. واصَلَ:

– أنا سؤالي الأوحد عن المكان. ومِحنتي الكبرى مع امتداده. صيَّرتُ محنتي شغفًا. همِّي اختراقُ المكان واجتراح مسافاته عبر تقسيمها، بعصاي البيضاء، إلى مربعاتٍ أطَؤها عابثًا بساقيَّ. لو سمحتَ، اقرأ عليَّ ما في هذا المقال.

مدَّ لي صفحاتٍ مُصوَّرة. قرأت له بصوتٍ جَهدتُ أن يكون بطيئًا كالـمُرَتَّلِ.

– “إنَّ مَصْدَرَ القلقِ عندَ الشَّاعِرِ الجاهليِّ…”

قاطعني:

– أرجوك. اقرأْ بشكلٍ عادي. لا تُغيرْ نسقَ إلقائك.

من جديد، زَخَّة ماءٍ بارد. ما أسخفني. أعدت:

– “إن مصدر القلق عند الشاعر الجاهلي حركتُه في بيئة الصحراء المُتراميةِ، تلك التي يلفُّها السحر حين يمتدُّ فيها بصرُ الإنسان مسافاتٍ طويلةً دون أن يدرك ما وراءَ البحار الرمليَّة من أمواجِ رملٍ وما تنطوي عليه من الأسرار…”

بعد سنوات. أشاهد برنامجًا رياضيًّا:

– “فاز السبّاح الكفيف، كمال بن سلامة، ببطولة العالم للألعاب المائية، ضمن سباق الخمسمئة مِتر سباحة حُرَّة. قَطَعَ المسبح جيئة وذهابًا في وقتٍ قياسي. هنيئًا كمال على هذا الفوز الرائع. كيف حققته؟ ما هي أهم الأطوار في مسيرتك الرياضية والشخصية؟

– بسيطة يا صديقي. كنتُ ولا أزال من عشاق المشي. أهوى قطعَ المسافات الطويلة، برًا وبحرًا. تعود بداياتي مع السباحة إلى سنتي الجامعية الأولى بكلية الآداب واللغات. كان المسبح قريبًا منها. في تلك السنة، طلب مني الحزب الحاكم الانضمام إلى صفوفها والاضطلاع بمُهمة سرية: إرسال تقارير منتظمة عن الطلبة الإسلاميين واليساريين. رفضتُ بشدة. بعد شهرٍ، حُرِمتُ من منحتي البائسة. غيَّرتُ التوجيهَ والتحقت بمدرسة المهندسين للتهيئة العمرانية. وما لبث الحزب أن ألصق بي تهمة تهديد الأمن، لأني انتقدت، على الملأ، التفاوتَ الجهوي بين الساحل، حيث مدينة الرئيس، وسائر مناطق الظل. حَكمت عليَّ المحكمة بأربع سنواتٍ سجنًا. ذَرَعت خلالها “الشمبري” آلافَ المرات حتى أني أحصيت كل ميلمتر فيها. كنت أتسلى بتقطيع مساحته الضيقة إلى مربعاتٍ متناهية في الصغر. ضَغَطَت إسبانيا لإنهاء مَحكوميتي وأسندت لي منحة لمواصلة تعليمي في “إشبيلية” حيث أعيش من سنوات. قسمت وقتي بين الدراسة والسباحة.

لم تنل هذه السنوات من وَسامة كمال. لم تَكْفِه صلابة اليابسة، فخاضَ أغْوارَ البحر. أما أنا فصرت أستاذًا مغمورًا للأدب. بعد ساعة، سَأحاضِر عن “فساد الأمكنة” لصبري موسى…