إخوان الصفا في وداع سنة ميلادية

نجم الدين خلف الله- النهار

عَشيَّةَ خَميسٍ، الحادي والثلاثين من شهر كانون الأول، الرابعة بعد الظهر. جوٌّ قاتِمٌ يَغشى سماءَ المدينة. في أطرافها، يَقبع مُركَّب جامعيٌّ، مثلَ جَسدٍ طريح. قاعة المكتبة الكبرى فيه خاليةٌ من رُوادِها. طاولاتها ممتدة في خَواء، وكراسي مصفوفة تأكلها الوَحدة. لا أحدَ يجوس خِلالَها، عَدا طالبتيْن أو ثلاثٍ. القاعة الصغرى، المخصصة للباحثين، منطويةٌ على ذاتها. لا يَشغل فضاءَها سوى قارئٍ، مُكبٍّ على “رسائل إخوان الصفا”، يلتهم صفحاتِها المنتظمة في أجزاءَ أربعة. ينتظر العالَم غروبَ سنة سَتُوَلِّي إلى الأبد. وسيستقبل، بعد ساعاتٍ، سنةً جديدة، تطحن الروحَ برتابة أيامها، ويَقهرُ تواليها هشاشةَ الجسد.

دَخل مُوظف المكتبة، مُحرَجًا مُرتبِكًا:

– مَتى تنوي إكمال القراءة؟ يمكنك حجز الكتاب إلى ما بعد أعياد الميلاد؟ استثنائيًا، قد نُغلق اليوم على الساعة الخامسة، وليس الثامنة مساءً، كالعادة. أنتظر قرارَ المدير.

اكتفى القارئُ العنيدُ بِهَزِّ رَأسه، دون أن تغادر عيناه سطور الرسائل، ولا أوراقَه المُنبثة في صَلَفٍ. وظلَّ يَقرأ ويدوِّن ملاحظاتِهِ ببرود. خَرج موظف المكتبة بإحراجٍ وارتباكٍ أكبر. لم ينجح في إقناع القارئ بتسليم الكتب والعودة إلى بيته. سيقول الشيء عينه للطالبات الجالسات في القاعة الكبرى.

– ألَيس لهم آباءٌ ينتظرونَهم حول قالَب حلوى؟ أما لهم إخوةٌ يترقبونهم لقضاء سهرة عيد الميلاد؟ ألا يرغبون في مشاهدة حفل رأس السنة على القناة الوطنية؟ إن غادرتُ على الساعة الثامنة، كما هو مقررٌ، ربما فسدت سهرتي وتاهَ سِحرها.

توجَّهَ إلى مديره، بابتسامة صفراء، يُزيِّن له قرارَ إغلاق المكتبة قبل الوقت الرسمي، واسترجاع الكُتب من القُراء:

– علينا أن نضعَ حدًا لإهدار المال العام. أربعة موظفين ومديرُهم من أجل ثلاثة قرّاءٍ بالكاد. هل سَيُحررون القُدس؟ يحق لنا استقبال السنة الجديدة مع أسَرِنا، مُلتفين حولَ قالب حلوى.

بعد نصف ساعة، عاد الموظف حاملاً ورقةً بيضاء، كُتب عليها بحبرٍ أحمر قانٍ: “قَررت إدارة المكتبة الجامعية إغلاق سائر قاعاتها على الساعة الخامسة بدلاً من الثامنة مساءً بسبب رداءة الأحوال الجوية”.

رتب القارئُ أغراضَه باستكانةٍ بادية. وسار خطواتٍ متظاهرًا بالخروج، ولكنه سرعان ما دَلَف إلى مَخزن الكتب الداخلي، وتخفَّى بين الخزائن والرفوف. وبعدما انطفأت الأضواء وأغلِقت الأبواب، عاد إلى القاعة الصغرى، وأشعل فانوسًا صغيرًا كان بحوزته، وواصل قراءة رسائل إخوان الصفا. ولم تمرَّ دقائق حتى أبصرَ عن بعدٍ، في طرفِ القاعة الكبرى، ضوءَ فانوس باهتٍ، يضئُ وجهَ فتاة، بدا طيفُها منكبًّا على مطالعة كتابٍ. توَجَّه إليها:

– مرحبًا رفيقةَ الضوء، ماذا تُطالعين؟

– “الأخلاق” لباروخ سبينوزا. وأنتَ؟

– أجهدُ لإكمال “رسائل إخوان الصفا”، موسوعة نادرة في تاريخ البَشر.

– عمَ تتحدث؟

– الرسالة التي بين يديَّ تَصف مراوحة الإنسان ما بين الجسد والنفس.

– الإنسان طينٌ، تنزع به الأوراقُ إلى المعالي. جوهره جسدٌ والفلسفة إطلاقُهُ.

– سأقرأ عليك أسطرًا من كلام الإخوان. “هل أنتَ عالِمٌ أنَّ معَ هذا الجسدِ، الطويل العريض العَميق، أعني: الجَسدَ المُرَكَّبَ من اللحم والعَظم والعَصَب والعروق، المُؤَلَّف من الأخلاط الأربعة التي هي الدَم والبَلغَم والمِرَّتان، وكلها أجسامٌ أرضيةٌ فاسدةٌ، جوهراً هو أشرف منه، وهو النّفس التي هي جوهرةٌ روحانيّة، هي المُحركة لهذا الجسم، المدبرة له، ومنه أفعالُها وأقوالُها وعلومُها”.

– جميلٌ. سأقرأ عليك بدوري أسطرًا من “الأخلاق” لسبينوزا : “إنَّ النفسَ والجَسَدَ شيءٌ واحدٌ، تارةً نَتَصوره بصفة الفكر، وطورًا بصفة الامتداد، مما يَجعل نظامَ الأشياء أو ترابُطَها هو الأمر نفسهُ، سواءً أكانت الطبيعة متصورة على هذا النحو أو ذاك. يتوافق نظام أفعال الجسد وأهوائه مع نظام أفعال النفس وأهوائها”.

– ما أقربَ القوليْن على بُعد الأزمان وتنائي الديار!

– آهٍ لو يتسنى لي أن أصهر الأقاويل الفلسفية لتحرير تلك الربوع المُحتَلَّة.

نَظرا إلى بعضهما البعض في تحرُّقٍ. وضعا اليدَ في اليد، فتاهت الأجفانُ وارتعشت الآفاق. لا يدريان أما زالَ فيهما لمعةُ عقلٍ أم استحالا فورَةَ جسدٍ وكُبَّةَ نار موقدة. في دفء اليَديْن، تمازجت العناصر الأربعة، ذوبًا من أرضٍ ولهيبًا في السَّماء، لقاءٌ بين ترابٍ ونورٍ. تساميا بالروح كأنما يسبحان في الأثير. وامتدَّ إكسيرُ الزمان قانيًا، يسيل على تضاريس الجسد.

وبينما هما كذلك، إذ انفتح باب القاعة الكبرى، ودخل موظف المكتبة يحمل فانوسًا خفيفَ الضوء. سعى على عجلٍ إلى كتابِهِ، يعانق صفحاته ويهمُّ بإتمامها. سارا نَحوه بثباتٍ، فابتسم:

– مرحبًا رفيقَي الضَوء. “قررت إدارة المكتبة الجامعية إغلاق سائر قاعاتها…”، هذه خدعةٌ اخترعتها حتى أتخلص من مديري وزملائي. سنظل نقرأ حتى منتصف الليل. نطالِع ونَتَدَبر. لا يقهر الزمنَ إلا التدبر. ولا بأس بشيءٍ من حلوى رأس السنة. قد يُحرر كتابٌ أرضًا، قد يُعتِق روحًا أو يرحمُ جسدًا. كل سنةٍ وأنتم طيِّبون.