كتاب عمره 80 سنة

 

حوار الأفكار – العرب

ما معنى أن يُعاد طبع كتاب مرّت على طبعته الأولى أكثر من ثمانين سنة؟ وهل الحاجة الملحة تقتضي أن يعاد طبع كتاب بحثي منهجي بعد هذه الدورة الطويلة لأكثر من نصف قرن تغيرت فيه المفاهيم البحثية والعلمية والمصادر المعرفية؟

هذا ما يحدث في الأقل لكتاب الراحل عباس العزاوي “تاريخ اليزيدية وأصل عقيدتهم” المطبوع سنة 1935 والذي عكفت مكتبة النهضة العراقية على إعادة طباعته عام 2017 وهي ترى فيه بحثا أصيلا لم تتجاوزه الثمانون سنة بمتغيراتها العلمية والبحثية سوى نوعية الطبع الحديثة ليبقى هذا الكتاب مصدرا رئيسيا لدراسة واقع المكوّن الأيزيدي العراقي، بعد أن كان الكتاب نفسه قريبا من مصادر عربية وفارسية ليحيط بتاريخية الأيزيديين ومعتقداتهم وديانتهم الغامضة.

ومع أن هذا الكتاب معروف كمصدر قديم من مصادر الدراسات التاريخية عن الديانة الأيزيدية، إلا أنه مع قلة قليلة من المصادر استوفت منهجية البحث فيه، وعُدَّت المادة الثقافية فيه جديدة بزمنها ولا تزال جديدة وإنْ ظهرت العشرات من الدراسات والكتب في هذا الموضوع الشائك كثيرا، حينما بدأ التداول الإعلامي والأدبي والتوثيقي الواسع للأقليات والمكوّنات والديانات العراقية بعد 2003 بتغير منظومة البلاد السابقة التي كانت توصف بأنها منغلقة كليا إلى منظومة أكثر انفتاحا بدلالتها الدستورية المفترضة، فحظيت المكونات والأقليات والديانات الصغيرة باهتمام واسع النطاق محليا وعربيا وعالميا كالأيزيدية والشبك والبهائية وغيرها.

وهذا الاهتمام لم يكن وليد التغيير الحاصل في الدولة العراقية فحسب، لكن مجريات أحداث عميقة وكارثية استهدفت الكثير من هذه المكونات والأقليات والديانات لا سيما المكوّن الأيزيدي الذي نال الحصة الأكبر من جرائم داعش حينما تم احتلال سنجار وقتل الآلاف من الرجال والأطفال وسبي النساء وأسرهنّ كسبايا وبيعهنّ في أسواق النخاسة والرقيق والمتاجرة بهنّ ليسجل الأيزيدية في تاريخهم الطويل الغزو رقم 74 وهو من أكثر الغزوات ألما وفجائعية في عصر يُفترض أن تكون مقاييسه الإنسانية والحضارية تغيرت كثيرا في القرن الحادي والعشرين.

تفصلنا عن الطبعة الأولى أكثر من 80 سنة تغيرت فيها الكثير من المفاهيم وأسس البحوث العلمية والرؤى والمباحث الاجتماعية والتاريخية وطرائق التنقيب المعرفي وحفرياته، لكن يبقى مثل هذا الكتاب غنيا بمعلوماته البحثية المصدرية والميدانية والشفاهية، فهو كتاب إن كان نادرا في زمن تأليفه فهو نادر أيضا في هذا الوقت بسبب شحته، ورغم المعلومات المتواترة والتآليف الغزيرة عن هذه الطائفة الغامضة عبر أكثر من نصف قرن بعد تأليف هذا الكتاب فإنه احتفظ بنكهة فرادته وهو يطرق عالما فيه الكثير من الالتباس الديني الذي لم يُفهم بالطريقة الصحيحة، مثلما فيه تفصيلات كثيرة عن العقائد الأيزيدية والمدونات التاريخية التي اعتمدها الكاتب لتقريب الكثير منها إلى المتلقي العام الذي يجهل مثل تلك المدونات وأهميتها عبر الزمن، بدلا من التشويش العابر أو المقصود لبعض المؤلفات التي تناولت تاريخية هذا المكوّن وديانته التي هي سر اختلاف الباحثين عليها.

حرص المؤلف في هذا الكتاب على أن يستقل بمنهجيته البحثية ورؤيته الشخصية في معالجة موضوع شائك كهذا، لكنه شاء أن يستعرض الكثير من الآراء التي تبحث في ميدان الأيزيدية تاريخيا وجغرافيا ودينيا وأسطوريا وشعبيا، وهو أمر تطلب منه الوقوف عند المصادر العربية الأساسية وما تلاها من مصادر بحثية.

هذا كتاب نادر في أثره التاريخي عن الأصل الأيزيدي والمعتقد الديني والتاريخي لها، وقد عُدّ مصدرا مهما للباحثين لريادته في هذا الميدان، وبالرغم من بلوغ عمر هذا المؤلّف تقريبا 80 سنة، إلا أنه حافظ على وهجه التاريخي والأثري كونه رائدا في مداخلاته البحثية والمنهجية التي كان فيها الراحل العزاوي رجل بحث موضوعيا يعطي ويأخذ، ولا يقف عند رأي فيه التباس ومصدرية غير وافية.