إبراهيم الجبين: مشكلة “المواطنة” في فكر الإخوان المسلمين “1”


مشكلة “المواطنة” في فكر الإخوان المسلمين.. 
تحليل في عمق الوعي السياسي للجماعة “1”

إبراهيم الجبين- حوار الأفكار

 أول ما يواجه الحركات السياسية في ما يواجهها من معضلات يتوجب عليها العثور على إجابات لها، مشكلة “المواطنة” التي تأتي كسؤال حتمي بغض النظر عن طبيعة تلك الحركة السياسية أو اتجاهها. فموضوع “المواطنة” ليس فقط حقلاً هاماً من حقول علم السياسة والاجتماع، بل أنه هدف أعلى للعمل السياسي في المجتمعات كافة.

ووسط الأخذ والرد الذي يحيط بجميع مراحل التاريخ السياسي لجماعة الإخوان المسلمين بجذعها الأساسي في مصر، وبفروعها العربية والدولية، ينجح الإخوان في الهروب من سؤال “المواطنة” باستمرار، على اعتبار أن هناك أموراً أكثر أهمية وإلحاحا من تلك التفاصيل، سيما حين يكون وجود الجماعة بحد ذاته مهدداً كما يشيع قادتها منذ لحظة إعلان تأسيسها على يد حسن البنا وحتى لحظة كتابة هذه السطور.

الوطن والأمة

يربط الإخوان المواطنة بـ “التنمية”، وهو ربط قادم من فهمهم الخاص لمعنى “الوطن”. فهم يرون فيه “شراكة اقتصادية” أولاً. وهو فهم يختزل الكثير من مهام الوطن ومضامينه. 

“الوطن” بحد ذاته إشكال كبير في فكر الحركات الإسلامية، إذ لم يعرف العرب المسلمون في الماضي هذه التعبير كما نفهمه اليوم. ولك أن تتخيل كيف كان الإنسان ينظر إلى الفضاء الخاص بالدولة أو القبيلة أو الدين طيلة التاريخ الماضي، قبل أن يستخدم هذا التعبير لأول مرة المفكر المصري مصطفى كامل في القرن التاسع عشر.

كان كامل يتحدث عن مصر، كوطن جغرافي. ناقلاً فكرة نشأت في أوروبا. وقد ساهم في بلورة وتطوير هذا المصطلح في الوعي العربي والإسلامي استقلال مصر وحدها عن الدولة العثمانية التي حكمت العالمين العربي والإسلامي. وما عدا مصر، لم يكن أي عربي أو مسلم يعيش على مدى قرون إلا في دولة دينية حكمها الخلفاء ـ السلاطين الأتراك. فكان العرب والمسلمون “رعايا” لهؤلاء بالمعنى السوسيولوجي للكلمة، يمضون خلفهم ويفعلون ما يؤمرون به. لكن هذا سيبدأ بالتغيّر مع بدايات القرن العشرين.

حتى الدولة العثمانية التي كان لها تلك الطبيعة آنذاك، كانت قد بدأت تتغير، حين دخلت إليها السياسة من خلال التنظيمات السلطانية والخط الهمايوني الذي أقر تعديلات سياسية على حياة أولئك “الرعايا”. 

بدأ الناس يشعرون أنهم ينتمون إلى كيان سياسي مختلف عن ذلك المفهوم الذي عهدوه والذي رسّخه في أذهانهم رجال الدين والعلماء المسلمون الذين استندوا طويلا إلى وثيقة قديمة كتبت في القرن السابع الميلادي في الجزيرة العربية، يمكننا أن نعتبرها بحق أول دستور عربي عالمي رأى النور في العام ٦٢٣ للميلاد، في وثيقة من ٥٢ بنداً، وضعها الرسول محمد لأهل يثرب التي ستعرف بدءا من هذه اللحظة بـ “المدينة”، ويا لدلالة الكلمة، التي تعكس الرغبة في تمدين الوعي آنذاك.

بحث وثيقة المدينة بحث واسع ومثير. يهمنا منه هنا. البند الثاني من بنودها. والذي كان ينص على أن “المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس”. وفي الوقت ذاته يقول البند ٢٥ إن “يهود بنى عوف أمة، مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم”.

هنا نرى مفهوما جديداً واجهه الناس حينئذ، لما رأوا ما تعنيه كلمة “أمة”. لكن هذا كان قبل نشوء الدولة العربية الإسلامية بهياكلها الأولية. وبالتالي لم يكن ممكناً الحديث عن “أرض” لتلك الأمة يمكن أن تسمى وطناً يسكنه مواطنون.

وما فهمه الإسلاميون المعاصرون، سيما البنا ومفكري الإخوان المسلمين، أن اتجاه النبي حينها لترسيخ مفهوم “أمة” كرد فعل منه على معنى “قوم” الذي جمع الناس في زمن الجاهلية. فنقلو المعادلة العقلية من زمنها إلى زمننا الراهن مغفلين أي تطور للدلالات والكلمات والظروف السياسية والإنسانية المحيطة. 

في بدايات القرن العشرين شهد العالم عودة لكلمة “قوم” من خلال الفكر القومي الألماني وما أثر به على المدارس الفكرية في العالم وانتشار القومية في أصقاع الأرض، حتى في صميم الدولة الإسلامية العثمانية التي انتمى لها المسلمون. 

عاد التقابل من جديد إلى أذهان هؤلاء، ما بين “قوم” و “أمة”. فشنوا حربهم على القومية لأنهم رأوها ردة عن وثيقة المدينة ووعيها المتقدم. واعتبروا أن القومية حتماً عدو للإسلام، وهو وعي رافقهم وهم يشاهدون انهيار الدولة العثمانية ليس بسبب القومية التركية بل بسبب الحرب والصراعات العالمية والاقتصاد.

كان يمكن للفكر القومي أن يتحدث عن “وطن” لكن فكر “الأمة” لا يعرف الحدود. بل إن حدوده  ترسمها سنابك الخيل وحراب الفاتحين، وهذا ما لم يعد ممكنا في القرن العشرين، فلم يعد هناك أي فتوحات ولا فاتحون. لقد رسمت الحدود في المشرق وفقاً لسايكس بيكو وانتهى الأمر.

رعايا ما بعد انهيار الخلافة

رغم زوال كل أشكال الدولة الدينية التي حكمت مساحات شاسعة من العالم من اسطنبول، وزوال الخلافة معها، إلا أن كثيراً من المفكرين الإسلاميين بقوا يدينون بالولاء لتلك الدولة ولذلك الخليفة، أي أنهم استمروا رعايا لسلطة فنيت ولحاكم فرد صار شبحاً.

لقد رفضت عقولهم تصديق الحدث. واعتبروه كارثة حلت بالإسلام، ولا يخفى الجانب السيكولوجي الذي يصف تعلق المحكوم بالحاكم، وتزيينه لتلك العلاقة والولع بالتبعية له وإضفاء الصفات الجمالية والفضائل لذلك الزمن الذي كان ذلك الحاكم يأمر وينهى فيه ذلك المحكوم. علاوة على وجود أسباب جوهرية لا تسمح للمفكرين الإسلاميين بتصديق الحادث التاريخي الذي نتحدث عنه رغم ضخامته. فكان رفضه وعدم التعاطي معه وبناء حاجز  من الوعي المناقض له أفضل بالنسبة إليهم من التأقلم معه والمضي في مشروع جديد. أي مشروع “الدولة الوطنية”.

يقول حسن البنا إن “الإخوان المسلمين لا يؤمنون بالقومية، ولا بأشباهها، ولا يقولون فرعونية وعربية وسورية”. ويضيف في “رسالة دعوتنا” متحدثا عن الذين ينادون بالوطنية  “أما أوجه الخلاف بيننا وبينهم فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية. فكل بقعة فيها مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله وطن عندنا”. ولذلك كان مستحيلاً بالنسبة إليه الموافقة على طي سجل الخلافة، ونشوء ما سموها في ذلك الزمن “أوطاناً” عربية. فما هي مصر؟ وما هي سوريا ؟ وما هو العراق؟ وما هي المغرب؟ هذه بدع خلقها المستعمرون وكل ما بني على باطل فهو باطل، أي أن الهويات الوطنية التي تشكلت بناء على تلك التقسيمات باطلة هي أيضاً. وهنا مربط الفرس.