عبد الناصر محمد: قضية الشعب السوري حقوقية بامتياز

عبد الناصر محمد- حوار الأفكار

تتميز الثورة السورية عن سواها من الثورات بأنها «ثورة حقوقية»، انطلقت ابتداءً من أجل تحقيق حقوق الشعب السوري بالحرية والحياة الكريمة. ولم تكن ثورة مطالب معيشية أو احتياجات حياتية. ومن هذا المنطلق فإن ثورة الشعب السوري لا يمكن إخمادها ببعض الإصلاحات الاقتصادية، أو الترتيبات الإدارية والخدمية. وبهذا المعنى لا تزال الثورة السورية تمتلك عوامل بقائها ومسوغات وجودها، إلى أن يتمكن الشعب السوري من نيل حقوقه وتحقيق أهدافه التي ناضل من أجلها، وقدم التضحيات الجسيمة في سبيلها.

عمل النظام الأسدي وحلفاؤه- وبإقرار من المجتمع الدولي- على حرف الثورة عن جوهرها الحقوقي الحقيقي بالذهاب بها بعيداً في اتجاهين: الاتجاه العسكري، والاتجاه السياسي.

وفي الاتجاه العسكري فقد أجبر نظام الأسد الشعب السوري المسالم الوديع على المنازلة على غير رغبة منه ولا تخطيط مسبق ولا إعداد ولو بالحد الأدنى، حيث كان ممنوعاً على الشعب السوري حيازة «جعبة الصيد»، أرادها النظام منازلة عسكرية لأنه يعلم أنه قادر على تسخير ترسانة السلاح ضد الشعب الضعيف، والزج بالجيش في المواجهة مع الناس المطالبين بحقوقهم.

إذاً: «عسكرة الثورة» تعني بالضرورة جرّها للهزيمة المحتومة، لكن «حقوقية القضية» تعني حتمية انتصار الشعب الثائر على جلاديه، ومن هنا فإن أبغض شيء للنظام الحديث عن «حقوق الإنسان» و«القوانين الدولية» لأن ذلك يحمل مضامين ومفردات تزلزل كيانه مثل الحديث عن «جرائم الحرب» و«الجرائم ضد الإنسانية» و«المحاكم الدولية».

إن النظر إلى المشهد السوري بمنظور عسكري صرف تعني التسليم بنتائج المعركة ومنح الشرعية للمنتصر والانطلاق من الوقائع على الأرض وتجاهل حقوق الناس على ضخامتها والتغاضي عن الجرائم المرتكبة من طرف المنتصر.

وفي الحالة السورية لو تخيلنا أن النظام الأسدي انتصر على قوى الثورة السورية بحرب عسكرية «نظيفة» لما جاز مطلقاً تجاوز حقوق الشعب السوري المشروعة لأن الشعب أصلاً لم يخرج في ثورته ليخوض المعامع والوغى، ولا علاقة مطلقاً بين نتائج المعركة ومطالب الشعب السوري، بل يجب تحييد الشعوب أصلاً عن الصراعات المسلحة على افتراض أن هناك صراعاً مسلحاً في سورية.

فكيف وقد أطلق الشعب السوري «ثورة نظيفة» فقابلها النظام بإطلاق «معركة قذرة» قذرة في تخطيطها وإدارتها وأدواتها، استخدم فيها كل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً، علماً بأن استخدام الأسلحة التقليدية «غير المحظورة» دولياً ضد المدنيين غير مقبول ويعد «جريمة ضد الإنسانية» فكيف باستخدام الغاز الخانق ضد أطفال لجأوا إلى الأقبية هرباً من الصواريخ الفراغية والأخرى الارتجاجية والعنقودية والفوسفورية و«منظومة السكاكين» الطائفية، ليتسلل إليهم الغاز اللئيم ويقتلهم؟.

وعلى الرغم من أن استخدام السلاح المحظور دولياً ضد العسكريين يعد «جريمة حرب» فقد استخدمه النظام القاتل وحلفاؤه ضد المدنيين وعلى نطاق واسع. فكيف يحكم العالم الظالم للمجرم بالانتصار وللضحية بالهزيمة؟

صحيح أن المعركة العسكرية فرضت على الشعب السوري فرضاً، لكن الأصح من ذلك أننا لا نقبل بنتائجها. لأن هذا يعني أن منطق «حق القوة» هو الذي يحكم المجتمعات البشرية، بدلاً من منطق «قوة الحق» فتتحول المجموعة البشرية بذلك إلى غابة يسكنها الوحوش وليس مجتمعات إنسانية معيارها الأساسي «حقوق الإنسان».

صحيح أننا ندعم «قدسية معركة التحرير الشعبية» لكونها مواجه بين «الحق والباطل»، لكن الأصح من ذلك رفضنا أن تتحول «موازين القوى» على الأرض لصالح النظام إلى أوراق قوة سياسية لمصلحة القاتل وذلك عندما تحضر «استحقاقات السياسة». فكلما تقدم القاتل على الأرض ازداد قوة بالمنظور العسكري لكنه يزداد ضعفاً بالمنظور الحقوقي، لأنه لا يمكن أن يتقدم شبراً على الأرض إلا بارتكاب مزيد من الجرائم التي ينبغي أن تتحول إلى أوراق ضعف في ملفه الحقوقي الذي يزداد تضخماً إلى درجة لا يطيقها الضمير الجمعي الحي، إلا إذا تفسخّت الضمائر وشيعت إلى مثواها الأخير. والجرائم لا تسمى- بالمعيار الحقوقي- إلا اسماً واحداً حتى لو سميت في مكان آخر انتصاراً أو عيداً وطنياً.

إن الشعب السوري الحر لم يدخل مع العالم الظالم في مراهنة على النصر العسكري، ولم يدّع يوماً بأنه قادر على هزيمة الآلة الهمجية الروسية، وجحافل الشر الإيرانية، وفرق الموت الأسدية. لكن شعب سورية الصابر راهن ولايزال يراهن على حقوقه المشروعة غير القابلة للتنازل ولا المساومة ولا التجزئة.

إن زيادة القمع تعني- بالضرورة- مزيداً من التأكيد على حقوق الشعب السوري، وزيادة البطش تعني برهاناً أكيداً على إدانة الظالم وبراءة المظلوم. ومن التبست عليه الأمور في بداية انطلاق الثورة السورية فلا ينبغي أن تبقى ملتبسة بعد كل هذا الكم الهائل من الظلم الواقع على الشعب السوري. ولئن كان للشعب السوري مبرر واحد أو اثنان أو عشرة مبررات للثورة على هذا النظام المستبد فهو يمتلك اليوم آلاف المبررات لإكمال ثورته.

وإن العالم الذي أدان النظام على جرائمه في بواكير الثورة من العار عليه أن يسحب الإدانة ويمنح النظام اعترافاً بشرعيته ويكافئه بالتسلط من جديد على شعب تعمّقت جراحه واتسعت قراحه.

حين نسلّم للنظام القاتل وحلفائه والمجموعة الدولية بأن صراعنا مع العدو النظام القاتل هو صراع عسكري فسوف ننهمك بمطالبة «أصدقاء الشعب السوري» بتزويد الثوار بالسلاح لمواجهة قوات النظام وداعميه، وسوف يأتي الرد من الأصدقاء «المتزانخين» بأن تسليح الثوار ليست مسؤوليتنا ولسنا نحن الذين أطلقنا مشروع ثورتكم!. لكننا حين ندير قضيتنا على أساس حقوقي فسوف نطالب المجتمع الدولي بحماية المدنيين العزل من أهوال الحرب المدمرة، ولن يقول لنا أحد-عندئذ-: احموا أنفسكم لأن حماية المدنيين هي في صلب المسؤوليات الدولية.

ولئن كانت العسكرة هي أبرز ملامح المشهد السوري، فهذا لا يعني أن معركتنا مع النظام معركة عسكرية في التأصيل الدقيق للقضية، ولا يصح تجاهل أن قضية الشعب السوري هي قضية حقوقية بامتياز. ففي المواجهات العسكرية تحضر احتمالات الربح والخسارة، وخسارة الضعيف هي الاحتمال الأكبر. لا سيما وأن النظام عمد إلى استقدام جيوش الغزاة وجحافل البغاة من كل مكان مظلم، وبالمقابل فإن المواجهات الحقوقية ستفضي إلى نصر محتّم لأصحاب الحق وهزيمة مؤكدة للمجرمين. والثورة لم تنطلق من أجل الخسارة ولا الفشل، فزمن الهزائم قد مضى، وعهد الإخفاق والفشل ولّى وانقضى.

وفي الاتجاه السياسي فقد عمل المجتمع الدولي متمثلاً- هنا- بمنظمة الأمم المتحدة ومجموعة «أصدقاء سورية» وكذلك روسيا على الضفة الأخرى على صرف الثورة السورية عن جوهرها الأصلي وحرفها عن مسارها الحقيقي الحقوقي، وإشغالها بفواصل سياسية بين الفينة والأخرى، ما بين «سلسلة جنيفات» و«سلسلة أستانات» وسلال هنا وسلال هناك، وصولاً إلى مصطلحات جديدة في عالم السياسة كمصطلح «خفض التصعيد» ومصطلح «الّلاورقة» لم يسمع بها العالم إلا حين طالب الشعب السوري بحقوقه !.      

فمعركة الشعب السوري مع النظام القاتل وداعميه ليست معركة سياسية تنتهي بتقاسم السلطة مناصفة أو مثالثة أو مرابعة… فلم يطلق السوريون ثورة الكرامة والتاريخ من أجل أن الحصول على فتات المناصب وتراقيع المراكز.

ومن هنا فإن الكثيرين من النخب السورية الثائرة وقعوا في فخ مصطلح «المعارضة» كبديل عن مسمى الثورة، حيث تدل الكلمة الأولى على أن الأزمة في سورية هي أزمة مناصبية وأنها سجال بين الحكومة الشرعية وبين معارضة تجتهد في نزع الشرعية عنها أو تقاسمها للسلطة معها. بينما تدل الثانية على عملية تغيير جذري في بنية النظام المستبد ومنظومته الأمنية وذلك أقرب لتلبية حقوق الشعب السوري بالحرية والكرامة واختيار من يحكمه.

صحيح أنه من الواقعية بمكان أن تتعاطى قوى الثورة السورية مع استحقاقات «الحل السياسي» المعروض عليها في دكاكين السياسة، لكن الأصح من ذلك هو خوض معركة الحقوق في أمكنة أخرى ربما بعيداً عن «مجلس الأمن» الأمن المغلق بـ«الفيتو الروسي». وبعيداً عن مواعيد جنيف وأستانه وسوتشي.

فالواجب يقضي بخوض معركة الحقوق في فتحات مفيدة موجودة في جدار العالم الظالم بالتواصل المستمر مع «منظمات حقوق الإنسان» و«منظمات المجتمع المدني» و«عمومية الأمم المتحدة» والعمل على كسب «معركة الرأي العام» الشعبوي والنخبوي ووضع قضية الشعب السوري في صدارة الاهتمام العالمي. ووضعها في «عهدة الشعوب» لأن قضيتنا هي قضية شعب ولأن الشعوب أكثر أمانة وأمناً على حقوق الشعوب.

معركتنا- إذاً- مع النظام وحلفائه هي «معركة حقوقية» والحق لا يموت ولا يسقط بالتقادم. وما على الأحرار سوى خوض غمارها بجدية واقتدار حتى يتمكن الشعب الثائر من نيل حقوقه بالحرية والكرامة وتقرير شؤونه ومستقبله.

هي «معركة حقوقية» بكل المقاييس، تجلّى فيها حق الشعب السوري واضحاً لا غبار عليه، وظهر بالمقابل ظلم النظام بارزاً على مرأى العالم بأسره. فقد نخسر المعركة العسكرية لأننا لا نعد العالم بقهر أمواج بشرية حاقدة جاءتنا من ظلام التاريخ وظلمات الجغرافيا، معتدة بعتاد حربي محرم دولياً وغير محدود، يستهدف المدنيين العزل، ولا ندعي القدرة على هزيمة امبراطوريات متوحشة قائمة على مبدأ القتل والتدمير ولا شيء غير ذلك.

لو سلّم الشعب السوري بنتائج المعركة العسكرية فلن يتحصل على شيء من حقوقه بل سيفقد المزيد منها، ولو سلّم الشعب السوري بالحلول السياسية «الديمستورية» مثلاً فقد ينال جزءاً يسيراً من حقوقه سرعان ما يعود ليفقدها في أول جولة «حيونة» من الديكتاتور المعاد تصنيعه.

إذا أكمل النظام وحلفاؤه السيطرة على كامل الجغرافيا السورية وأطبقوا على كل الشعب السوري فسوف يعتبر أرباب المعايير العسكرية والسياسية ذلك انتصاراً مؤزراً. لكن الحقوقيين سيعتبرونها جريمة اكتملت أركانها وثبت أدلتها ويجب محاسبة مرتكبيها وتمكين الشعب السوري من نيل حقوقه في الحرية والكرامة.