تركية الأكثر تجذّراً في الشمال الغربي وحدود سوريا النهائية؟

حوار الأفكار – مايكل يونغ– مركز كارنيغي للشرق الأوسط

نيكولاس هاسلام هو رئيس قسم الشؤون السورية في شركة آدم سميث الدولية، وهي شركة عالمية تسعى إلى تحقيق تأثيرات ملموسة وإضفاء قيمة وإحداث تغيير دائم في مجال عملها، عن طريق النمو الاقتصادي والإصلاح الحكومي. وهو ينخرط منذ العام 2015 في دعم المعارضة السورية، وإدارة المساعدات التي تقدّمها أوروبا وأميركا الشمالية إلى المجالس، والشرطة السورية الحرة، والمجتمع المدني في محافظات حلب وإدلب ودرعا وريف دمشق. وقبل عمله في سورية، كان يعمل على شؤون نشر الاستقرار في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي. هاسلام هو خرّيج جامعة كامبريدج (بكالوريوس، 2005)، وجامعة جونز هوبكينز – كلية بول إيتش نيتز للدراسات الدولية المتقدّمة (ماجستير، 2007). أجرت ديوان مقابلة معه في منتصف حزيران/يونيو للوقوف على رأيه حول المرحلة المقبلة في سورية، ولا سيما في ما يتعلق بالمناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة والحوكمة المحلية فيها.

مايكل يونغ: هل تشعرون بأن المناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة والتي تتمتع بحكم ذاتي في سورية يمكن أن تتحوّل إلى واقع شبه دائم؟ وفي هذه الحالة، أين يُحتمَل أن تظهر هذه المناطق؟

نيكولاس هاسلام: يمكننا الافتراض، من دون تردّد، أن الأراضي التي لا تزال خاضعة إلى سيطرة المعارضة – والتي تشتمل على منطقة خفض التصعيد في الشمال الغربي ومنطقة خفض التصعيد في جنوب سورية – سوف تتعرّض لضغوط متصاعدة خلال الأشهر المقبلة. نظام الأسد عازِم على استعادة جميع الأراضي التي لا تزال تحت سيطرة المعارضة، وقد شنّ هجوماً لاستعادة السيطرة على أجزاء في جنوب البلاد.

في غضون ذلك، تصبح الحكومة التركية أكثر تجذّراً على الصعيد العسكري في الشمال الغربي، على ضوء إنشائها 12 مركز مراقبة، والتوصّل إلى اتفاق بشأن منبج وتل رفعت، وتشكيل الجبهة الوطنية للتحرير.

ما مصير المعارضة إذاً؟ في الشمال الغربي، قد نشهد على تثبيت الخطوط الأمامية بمؤازرة من تركيا، على الرغم من التساؤلات المطروحة حول ما إذا كان الأتراك سيسعون إلى الحفاظ على سيطرتهم في جنوب إدلب. من شأن مثل هذا الوضع أن يمنح درجة من الحكم الذاتي للشمال الغربي، أي نوع من اللامركزية بحكم الأمر الواقع في الإدارة وتأمين الخدمات، حيث تحافظ المعارضة على هيكليات السلطة الخاصة بها. يُعتبر جنوب سورية أكثر هشاشة وعرضةً لاستعادة السيطرة عليه وإعادة دمجه من جانب النظام، لكن الأمر قد يتطلّب، حتى في هذه الحالة، أكثر من تكتيكات النظام المعتادة، وهي القصف والاستسلام و”اتفاقات المصالحة”.

في هذه الأثناء، تحاول الولايات المتحدة إنقاذ الاتفاق وانتزاع ضمانات من روسيا تؤمّن استمرارية المؤسسات التابعة للمعارضة. لكن الحكم الذاتي غير قابل للاستدامةعلى المدى الطويل، ولا يمكن جمع السوريين من جديد تحت سقف واحد إلا عن طريق التوصل إلى حل سياسي في ما بينهم. وعلى الرغم من أن مفاوضات المسار الأول متعثّرة، ومن غير المرجّح على ما يبدو التوصل إلى اتفاق في جنيف على المدى القريب، ينبغي على المعارضة أن تبقي نصب أعينها مسألتي اللامركزية والإصلاح الدستوري. وقد يتيح التقدّم الذي أُحرز مؤخّراً بشأن اللجنة الدستورية في جنيف فرصةً لتحقيق ذلك، لكن من السابق لأوانه معرفة ذلك على وجه اليقين.

يونغ: تسيطر تركيا الآن على مساحة واسعة من الأراضي في شمال سورية، في ظل وجود عدد كبير من اللاجئين داخل هذه الأراضي وحولها. هل تتوقّعون أن تحاول تركيا استخدام هذه الأراضي للتأثير في النتائج السياسية في سورية؟

هاسلام: لدى تركيا مصلحة واضحة في الحفاظ على ملاذ آمن للحؤول دون تدفق موجات إضافية من اللاجئين إلى أراضيها، وإفساح المجال أمام اللاجئين الحاليين للعودة إلى سورية. وهي ترغب أيضاً في احتواء تأثير حزب الاتحاد الديمقراطي للأكراد السوريين، الذي تعتبره جزءاً من حزب العمال الكردستاني المعارِض للحكومة التركية. لذلك غالب الظن أن تركيا ستستخدم حضورها الميداني ورقةً ضاغطة في المفاوضات مع الولايات المتحدة حول الشمال الشرقي، وكذلك في المفاوضات مع النظام وروسيا حول إعادة الدمج البطيئة للمناطق المختلفة في سورية.

المسألة الأبرز بالنسبة إلى المعارضة هي التصوّر الذي وضعته تركيا للشمال الغربي داخل سورية ككل. فالحكومة التركية تعمل بصورة مطّردة على رسم معالم الحكومة المعارِضة بحسب أهدافها الخاصة. وفي أعقاب عملية “درع الفرات” التي نفّذتها تركيا داخل سورية، أصبحت جميع المجالس التمثيلية والشرطة مسؤولة فعلياً أمام تركيا، وباتت الدولة التركية هي التي تتولّى تأمين الخدمات مباشرةً في بعض الأماكن. ويبدو أن الأمور تسلك منحى مشابهاً في عفرين.

أما في محافظتَي غرب حلب وإدلب، فالنفوذ التركي أقل، لكن ثمة مؤشّرات بأن تركيا سوف تسعى إلى توسيع امتدادها عبر التلاعب بالمجموعات المسلحة، وقولبة المجالس المحلية ومجالس المحافظات، وتوفير الدعم لهيئات جديدة مثل الهيئة السياسية في محافظة إدلب. وهكذا يمكن أن يتبع الشمالُ الغربي الخاضع إلى السيطرة التركية، على افتراض أنه يتمتع بدرجة معيّنة من الحكم الذاتي، نموذجاً لامركزياً وفقاً للشروط التركية.

يونغ: هل تملك المعارضة مؤسسات تتيح لها إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها في المدى الطويل؟ وما هي أهمّ هذه المؤسسات؟

هاسلام: طوال فترة الحرب، تولّت مجالس المحافظات والمجالس المحلية، والشرطة السورية الحرة، ودوائر السجلات المدنية وسواها، ممارسة الحكم في الأراضي الخاضعة إلى سيطرة المعارضة – والتي باتت تقتصر الآن على محافظات حلب وإدلب ودرعا والقنيطرة. لقد أمّنت هذه الجهات للمواطنين السوريين العاديين النزر اليسير من الأمان والأمن وأساسيات الحكم، على الرغم من العوائق والأكلاف الباهظة التي تكبّدتها. والبارز هو أنها تشكّل أيضاً نموذجاً للمساءلة والشفافية واحترام حقوق الإنسان، وهو ما لم يكن موجوداً قبل الحرب. إنها تمثّل إذاً أسلوباً بديلاً في الحكم يتطلّع إليه ملايين السوريين. ولهذا السبب، يواظب النظام باستمرار على قصفها بقذائفه، باعتبار أنها تشكّل تهديداً لبقائه.

على الرغم من أن حدوث انتقال سياسي أو إصلاح شامل على المستوى الوطني لم يعد احتمالاً واقعياً، من المهم النظر في سبل الحفاظ على مكاسب المعارضة في المناطق السورية التي تتمتع بحكم ذاتي وكذلك في العملية السياسية برمتها. وتتمثّل أهمية الهيئات على غرار الشرطة السورية الحرة، في الفائدة التي تستمر خدماتها في منحها إلى المجتمعات المحلية، وفي الإصلاحات التي يمكن أن تساهم بها من أجل قيام دولة لامركزية.

على سبيل المثال، أحدثَ مفهوم الشرطة المجتمعية تحوّلاً في القيم والحوافز التي يقوم عليها عمل الشرطة في سورية. فمبدأ الإشراف المدني هو من مقوّمات المجالس المحلية ومجالس المحافظات. تمنح السجلات المدنية هوية رسمية للأشخاص المقيمين في مناطق المعارضة، وهي تحتاج إلى الاعتراف بها. علاوةً على ذلك، حاولت جميع هذه المؤسسات، بدعمٍ دولي وبما يتماشى مع بيان جنيف وقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2254، صون هيكليات الدولة وإصلاحها، كي يتناسب ما هو موجود في المناطق السورية الخاضعة إلى سيطرة المعارضة، مع الإطار القانوني والمؤسسي للدولة السورية. لقد وافق مجلس الشعب السوري في دمشق على القانون 107 (أو قانون الإدارة المحلية)، وتبنّته لاحقاً الحكومة السورية المؤقتة، أي الحكومة الوطنية التابعة للمعارضة. يلقى القانون أصداء جيدة لدى المعارضة، نظراً إلى حزمه في موضوع المساءلة المحلية، ويمكن أن يُفسح المجال أمام إرساء اللامركزية بما ينسجم مع طبيعة الدولة السورية. كذلك تعمل الشرطة السورية الحرة بطريقة تتماشى مع قانون خدمة عسكريي قوى الأمن الداخلي، وتتقيّد دوائر السجلات المدنية في مناطق المعارضة بقانون الأحوال المدنية. وفي حال تم التوصل إلى تسوية سياسية، سيساهم وجود مؤسسات مُصانة وخضعت للإصلاح في إعادة توحيد البلاد، مع حدّ أدنى من الانحراف عن القانون السوري.

يونغ: هل ستُبدي بلدان خارجية استعداداً لمؤازرة المناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة، وفي هذه الحالة، لكم من الوقت ستواصل ذلك؟

هاسلام: لا تزال معظم الحكومات الغربية، فضلاً عن تركيا بُعيد الانتخابات ودول الخليج، تدعم المعارضة سياسياً، وتُعارض نظام الرئيس بشار الأسد. لكن حجم الاندفاعة لمؤازرة الحكومة المعارِضة متفاوت، ولا سيما أن الدعم المادي للمعارضة يتضاءل عموماً. صحيحٌ أن معظم الحكومات الأوروبية التزمت بتقديم بعض التمويل، وبالطبع، يسلك التدخل التركي منحى تصاعدياً، بيد أن للحكومتَين الأميركية والبريطانية أعربتا عن نيّتهما سحب المساعدات الهادفة إلى إرساء الاستقرار في شمال غرب سورية.

الفترة التي سيستمر خلالها الدعم هي رهنٌ بمجموعة من الاعتبارات في العواصم الغربية كما في أنقرة، إذ يجب أن تستدعي مخاطر عدم الاستقرار والتطرّف واحتمالات تدفق موجات إضافية من اللاجئين، التزاماً متواصلاً. يُضاف إلى ذلك السؤال المتعلق باستدامة السياسة الغربية: لقد أنفقت الحكومات الغربية مئات ملايين الدولارات، وربما أكثر، على المعارضة في سورية خلال الأعوام الستة الماضية، إلا أننا نتلمّس تململاً لدى الحكومات تجاه المسألة السورية، مقروناً بتراجع استعدادها للمجازفة بهدف تحقيق مصالحها.

إذا أرادت الحكومات الغربية مؤازرة المعارضة، وهذا ما يجدر بها فعله يرأيي، ينبغي عليها القيام بخطوتَين اثنتين: أولاً، العمل من أجل ضمان صمود المجالس والشرطة السورية الحرة وغيرها بانتظار تسوية مشاكل الأراضي في سورية أو التوصل إلى تسوية سلمية، أو الأمرَين معاً. وثانياً، الحرص على أن يتم الاعتراف، خلال المفاوضات، بالإصلاحات التي أدخلتها المعارضة إلى الحكومة السورية، وعلى تعزيز هذه الإصلاحات في أي سياسة مستقبلية ودعم مادّي مخصّص لسورية. فمن شأن ذلك أن يحدّ من احتمال حدوث مزيد من التهميش والمعاناة في سورية، وأن يمنح الحكومات الغربية خيارات في حال احتاجت إلى إعادة الانخراط في البلاد. فضلاً عن ذلك، وفي بيئة تعاني أصلاً من الاضطرابات، سيعطي ذلك السوريين الفرصة الفضلى لرسم معالم حكومة المستقبل.

يونغ: هل تشكّل المناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة والتي تتمتع بحكم ذاتي حلاًّ محتملاً لمشكلة اللاجئين والتطهير المذهبي الذي يمارسه نظام الأسد في مناطق أخرى؟

هاسلام: تُعتبر عوامل مثل اللااستقرار، وموجات النازحين داخلياً، وسلوكيات المجموعات المسلحة، وتهديد التطرّف واقعاً معيوشاً في المناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة ومناطق النظام هلى حدٍّ سواء. إنها المحن التي تواجهها الحكومة المعارِضة، والسبب الذي يُكسب الحكومة أهميتها. لقد نجح خفض التصعيد في الحد من الهجمات الجوية غير أن النزاع على المستويات الأدنى مستمر.

من شأن المناطق التي تتمتع بحكم ذاتي، في حال ضُبِط الأمن فيها وتمت حمايتها من الهجمات الجوية، أن تؤمّن قدراً أكبر من الاستقرار للسوريين. فعددٌ كبير من النازحين داخلياً الذي قدِموا من مناطق سورية أعاد النظام بسط سيطرته عليها، وآخرها الغوطة، انتهى بهم المطاف في الشمال الغربي الذي يمكن أن يظلّ ملاذاً آمناً للأشخاص الذين يفرّون من العنف في مناطق أخرى. ومما لا شك فيه أن تركيا تأمل بأن يساهم تعزيز الاستقرار في شمال غرب سورية في عودة نحو ثلاثة ملايين لاجئ أو أكثر تستضيفهم على أراضيها.

لكن المناطق التي تتمتع بحكم ذاتي لا يمكن أن تشكّل حلاً دائماً، فهي لن تحول دون حدوث تطهير مذهبي على يد نظام الأسد ما لم يتم توفير شكل من أشكال الحماية الدولية؛ ولا تستطيع أن تقدّم حلاً سحرياً لتحدّي النزوح الداخلي؛ وبطبيعة الحال، لا يمكنها أن تحتضن في كنفها جميع السوريين الذين غادروا البلاد. فالسبيل الوحيد من أجل لملمة أجزاء البلاد من جديد، وبالتالي معالجة تلك المشاكل، هو التوصل إلى حل سياسي بين السوريين.