التحوّلات الاستراتيجية في العالم العربي (تقرير ندوة)

حوار الأفكار – مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية

نظّم مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية بتونس العاصمة بمقرّه المركزي ندوة درست التحولات الاستراتيجية في العالم العربي، حاضر فيها كلّ من الدكتور رفيق عبد السلام، رئيس المركز ووزير الخارجية الاسبق، والدكتور هشام مصطفى، نائب السفير الفلسطيني بتونس. تناولت المداخلات، يوم 22 جوان 2018، التغيرات الواقعة في العالم العربي أسبابا ونتائج، ورصدت اهم التحولات التي ساهمت في تخلّق المشهد الراهن السياسيو من اهمها الموقف من الربيع العربي والقضية الفلسطينية، وما انتجه من اصطفاف اقليمي وترتيب جديد للتحالفات، في عالم انتقل من القطبية الثنائيّة ثم القطبية الاحادية ومنها الى تعدد المحاور الدّولية.

رفيق عبد السلام رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية :

لفهم ما يجري يجب التوقف عند بعض التوجهات للمحددة للمشكل والوضع الاقليمي. فالعالم العربي ليس معزولا عما يجري في حواليه ، وما سمي بالشرق الاوسط وشمال افريقا ليس بمنأى عن الاحداث، بل فيه التدافع وخطوط الصراع . وما يجب التوقف عنده هو اننا ازاء وضع دولي بالغ التعقيد والتركيب. إذ كان التصور في نهاية تسعينات القرن الماضي يؤذن بنهاية القطبية الثنائية بين معسكرين والتحول الى أحادية القطبية والأمركة ونهاية التاريخ. وهي مقولات راجت كثيرا، ولكن تبين ان الامر اعقد مما تصور البعض، متجاوزا التبسيط الاول. فالقوى الناعمة والقوى الخشنة تتداخل، وبقدر تعدد خطوط الصراع تتعدد ايضا خطوط الالتقاء في واقع انتقلنا فيه من مرحلة القطبية الدولية الى اللاّقطبية، وصار الوضع عبارة عن مجرّات متعددة تسير في اتجاهات كثيرة. فبعض القوى التي كانت تتنافس صارت بينها نقاط التقاء، وهو ما حصل في الموضوع الكردي والرغبة انفصال شمال العراق عن الدولة المركزية. فقد التقى الايرانيون والاتراك على راي واحد وكان رايهم محددا في اسقاط الفكرة. وصار الصراع اليوم بين محاور دولية وليس مجرّد الكتلة الواحدة كما كان الامر سابقا. فقد عادت قوى تقليدية الى الساحة كان يعتقد انها انسحبت مثل روسيا، التي ظُن انها تحولت الى الضعف، ولكنها لم تقبل بوضعية القوة الاقليمية المحدودة بل ارادت ان تكون قوة دولية، ففرضت نزاعها في الشمال اوربي مع قوى اخرى، و ظهرت كذلك الصين و البرازيل والهند وايران وقوى اقليمية كثيرة صاعدة. والملمح الآخرفي المشهد هو عودة النزعة القومية، والذي كان يظن انه أمر لارجعة فيه، فصعدت قوى في اوربا تثير النزعات القومية القديمة. وبدا التراجع عما تم نقضه بعد الحرب الحرب العالمية الثانية وانتهى بالقفز على النزعات القومية الانكفائية التي اشعلت فتيل الحرب العالمية الاولى والثانية ،وانتهت ذروة النجاح الى صهر القوميات في كيان الاتحاد الاوربي هوية قاريّة. ولكن فكرة الانتماء القاري عادت الى التذبذب. فنشات حروب باردة في المستوى الاقتصادي توجتها امريكا بمحاولة التفصّي من بعض الاتفاقيات الدولية، كاتفاقية التجارة الحرة مع دول اوربية بنزعة حماسية. وصارت الحروب اقتصادية تم فيها فرض الضرائب على الصين واوربا. وصارت العودة الى الحرب الباردة تتمظهر في صراع مع روسيا، ومحاولة تطويق الصين في المضائق والبحار لتطفوَ بعض التوافقات الدولية ولكن الاصل هو الصراع جلاء وخفاء.

إزاء ما يجري، تعيش منطقتنا فراغا اقليميا هاما نتيجة انسحاب امريكي. وبعد سنة 2001 و2003 وحدث احتلال العراق، بدا انحسار امريكي في المنطقة عموما تم اثر مراجعة سياسة للمحافظين الجدد الذين ادخلوا الى الساحة مفاهيم خطرة، مثل تجاوز مفهوم السيادة للدول و الضربات الاستباقية للحفاظ على الامن القومي الامريكي. وانسحبت القوة العظمى من المنطقة في حقبة اوباما. و كان القرار في فترته ناتجا عن سببين: 1- تشخيص الوضع الدولي 2- تحديد الاولويات في التحديات الدولية الجديدة التي تفوق اهمية الشرق الاوسط. ومن هنا تم الالتفات الى الشرق الاقصى والصين خاصة، وكوريا وعودة روسيا كقوة دولية فاعلة والبرازيل. ثم ما عتّمت ان عادت، بعد حقبة اوباما، الى التموقع من جديد في المنطقة، في سوريا في مواجهة داعش، و في العراق لمواجهة القوى الارهابية. وصارت السياسة تدخليّة وكانها عودة الى سياسة المحافظين الجدد. وشهدت المنطقة عودة الاصطفاف والمحاور الجديدة. قبل سنة 2011 كان الفرز العربي منقسما الى فُسطاطين: معسكر الاعتدال ومعسكر الممانعة الذي تمثله ايران وسوريا والحركات الممانعة. ولكن الربيع العربي هو الذي غير الاصطفاف من جديد، وجاء حدثا طارئا حاولت فيه الاطرف الدولية مسايرة التغيرات. ووقع تنازع حول كيفيات التعامل مع الحدث: هل يكون بالاحتواء او بالمواجهة؟وهو ما قامت على درسه مراكز التفكير الغربية لان التغييرات فاجات حكومات غربية ايضا. لم يكن الزلزال العربي صنيعة مؤامرة بدليل ان القوى الدولية كانت تتهيا لتوريث الحكم في مصر وتونس وليبيا واليمن.. وانتصبت للمواجهة نواة اقليمية صلبة قادتها دول توجست من التغيير خيفة، لانه مس اسس النظام القديم العربي. ونشا محور الثورات المضادة لاسقاط تجارب الربيع العربي وبدات موجة الردة بداية من مصر، وتمدد الامر الى تونس وليبيا واليمن وسوريا. وتشكل المحور الاقليمي الشرس وصار العالم العربي، شعوبا وقبائل، بين رغبة جامحة في التغيير، وحكم تسلطي يريد فرض الجمود بدعوى فرض الاستقرار. ولكن منذ سنة 2013 ، تشكل المتغيّر الاخطر وهو محاولة تشكيل هوية الصراع في المنطقة على ضوء عملة فرز جديدة، فلم يعد الصراع عربيا اسرئيليا بل صارت اسرائيل هي الصديقة، وربما يرشحها البعض الى مرتبة الحليف في مقابل محور ايران وتركيا والحركات الاسلامية والفلسطينيين، في تشكيل خطر للهوية السياسية في المنطقة. وكل ما يقع هو في الحقيقة ليس الا عناوين مضللة للخطر الديمقراطي الذي اسفر عنه صبح الربيع العربي من انتخابات و ديمقراطية و فرصة مساءلة الشعوب للحكام. وحاليا، نحن نشهد اهتزازا للأسس التي قام عليها النظام الرسمي العربي. أما السياسة الدولية فثابتة المنهج في علاقتها بالمنطقة وترتكز على القواعد الثلاث : 1 – الاستقرار السياسي، وجوهره دعم للانظمة الاستبدادية 2- السيطرة على منابع النفط 3- الحفاظ على التفوق الاسرائيلي على المنطقة. أخيرا، يمكن القول باننا ازاء وضع قديم يتفكّك ويقاوم بشراسة في معاقله القديمة، ووضع جديد يتشكل بولادة عسيرة وقاسية، وهو ما يفسر حالة الاظطراب على الارض، و وعموما فان العالم العربي لا يملك خيارات كثيرة، ولا أحد يستطيع ان يتنبأ بدقة بما سيقع.

الدكتور هشام مصطفى :

يعيش العالم العربي وضعا صعبا. وما يميزه ان السّكاكين العربية صارت تُشحذ بايادي اجنبية والسلاح عربي والدماء عربية ايضا. فنحن ننشئ المذابح بيننا بايدينا وصارت الدماء رخيصة. سنويا، تنفق مليارات الدولارات لاطالة أمد الماساة في اليمن وسوريا والعراق، ولكن العرب لم ينتبهوا من من نومهم. وهذا ماجعل الرئيس الامريكي يستسهل الموقف ليفرض شروطه ويقول ان القدس ليست عربية وان نقل السفارة اليها امر محتوم. واذا ما تحدثنا عن السياسة الامريكية، فانه يجدر القول بنهاية عصر الاتفاقيات الدولية من دولة تلعب بالسلم والامن الدوليين. فهي تنكث تعهداتها، وهي في العمق تُساق بنظام ديني انقليكاني صهيوني يسيطر عليها، ويعتقد صانعوه بان اليهود يجب ارسالهم الى فلسطين لانه جاء وقت بعثهم الى المنطقة ، ويجب عليهم ان يكونون نصرانيين، ومن يريد ان لا يكون كذلك سوف يُقتل في فلسطين . ما يشرف به الشرفاء العرب ان مبادءناوقيمنا صارت هي المبادئ الدولية رغم مذابحهم. وطيلة 70 عاما عانى الشعب ويراد له ان يتبخر ولن يسمحوا له الا بالزيارة الدينية، و المنطقة لاهلها و لكن من يتحكم فيها هم الغير. صوتت امريكا للقرار 181 سنة 1948 لاقامة دولتين في فلسطين وتناسته، وصوتت ضد ضم القدس سنة 1967 ثم انقلبت على عقبيها. واعتقد ان المشكلة ليست في العالم العربي ولكن في امريكا ذاتها، لان الامريكان أرادوا ان ينقلوا مشاكلهم الينا. والدول تتناحر للسيطرة على المنطقة، واذا ما استطاع العرب ان يسيطروا على الامور سينجحون خاصة ان هنالك قوى جديدة في اوربا صارت تتحدث عن شراكة مع الدول العربية. و ولكن إذ ما لم تتكون قوى عربية تفكر للتطوير الاجتماعي والثقافي والبحث عن تشكيل عناصر القوة سنعود الى نقطة الصفر متسائلين عمن يكون الحق معه. فكيفية بناء الموقف يحتاج الى اصدقاء وحلفاء، وعدم وجود اصدقاء حقيقيين يعسر المهمة. أما ودونالد ترامب فانه يقول الكلام وعكسه في الوقت نفسه، يعتمد على الصين ثم يفرض عليها ضرائب و يعوض التراجع الاقتصادي بالحلول من المنطقة. استطعنا في القضية الفلسطينية انتزاع رفض غربي لمشروع ترامب، وصوتت 128 دولة مع القضية رغم الضعف العربي. اعتقد ان صفقة القرن تعيش مازقا حقيقيا بسبب ثبات الفلسطينين على مبادئهم قبل ارضهم. وعددنا 6.5 مليون بفلسطين التاريخية، وخارج فلسطين يوجد 6 مليون فلسطيني ايضا، ومشروع تهجير الفلسطيين لم ينجح كما ارادوا. وما عاشه اليهود من اظطهاد ثبّتوه على غيرهم و جدارن مراكز الاعتقال التي عاشوها في اوربا صاروا يفرضونها علينا. فهم لا يفهمون الا القتل والمعضلة انهم صاروا يساعَدون من دول عربية. من ناحية أخرى يوجد انقسام فلسطيني، فغزة مفصولة عن الضفة الغربية والقدس، والسياسات بين الفصائل متناقضة، وهو ما يطيل أمد الانقسام. توجد الاتفاقيات لانهائه ولكنها غير متحقق واقعيا. نحن نريد ان نحاور من يؤيدوننا وهم الاتجاه الحي في سلوكنا السياسي. و قلب المعركة بين العرب فيما بينهم هو جوهر الموضوع في الصراع و نقطة التحول. في مسيرات العودة، قتلت اسرئيل 135 و نزف اكثر من 5 الاف جريح برصاص “دُمدُم” الذي ينفجر في البدن ولا يوجد اي بيان امريكي يحتج على الموقف، وهو ما يبين التوافق في القتل وظلت شعارات حقوق الانسان جوفاء المظهر والجوهر. ولمواجهة الهزيمة الاعلامية، قررت اسرائيل سن ّعقوبة عشر سنوات سجنا لأي صحفي ينشر انتهاك اسرائيل للفلسطينين