د. سميرة مبيض: بين وجه وقناع

د. سميرة مبيض – حوار الأفكار
كما في الكثير من القضايا التي تطفو على السطح في المجتمع السوري بعد سنين الجمود الطويلة، نقف اليوم أمام ثنائية المثقف والآخر أو ما أطلق عليه الناشطون اسم (العادي) في إشارة الى أن الأول يخرج عما هو مألوف. يبدو الأمر كإحدى اللعنات التي حلت بالمجتمع السوري في حقبة نظام الأسد الممتدة لخمسة عقود والتي صنع فيها مثقف السلطة، الساعي الى تضليل الرأي العام أو اشغاله بغير ما هو فيه عوضاً عن الدور الأصيل لهذه الفئة، كفئة متيقظة مؤثرة بفكر المجتمع، تعتمد التحليل الموضوعي وربط العقلانية بالواقع لرصد مشاكل المجتمع وتسعى للدفع نحو إيجاد مخارج لها عبر التأثير بمختلف مجالات الفكر و التعليم وتمكين القيم الأساسية التي يؤدي تقويضها الى اختلال التوازن و انحراف مسار التقدم لحالة الجمود أو التقهقر.

باتت نقاط المقتل التي شكّلها النظام في المشهد السوري المترّدي واضحة، و كان الموقف من الثورة السورية، بالفكر و المبادئ التي انطلقت بها، نقطة فاصلة بين المؤمنين بإمكانيات الشعب السوري و قدرته على العودة لمسار تطور الشعوب و بين اولئك الجاهدين لإقناع أنفسهم و الآخرين بأن السوريين شعب عُطبت هويته و شُلَّت بوصلته، فبات لا يقوى على السير دون عصا السلطة.

لا بد ان تنميط صورة المثقفين و العلماء و الباحثين في عهد النظام قد فعل فعله و لنعترف أنه نجح في قطع الصلة بين هذه الفئة و غيرها في المجتمع و تشويه الصورة و حرف المهمة لعقود عديدة. فبات تداول هذا التنميط السلبي بطريقة ممنهجة من جهةً و عفوية متطبعة بالمحيط من جهات أُخرى، في اطار محاولاته لتنفير جيل شاب من اتخاذ العلم و الفكر و الثقافة بجدية و التزام و محاولة انتقاص و محو لأي تأثير يمكن لهؤلاء تشكيله عبر تيار فكري أو علمي يكسر حلقة التخلف والجهل التي تسمح لمستبد من البقاء و التحكم بملايين من البشر دون مقاومة تُذكر.

لكن احتكار المنابر السورية كُسر، والفضاء بات مفتوح والاصطفاء غير مقيد والفكر غير مصطنع و لا إمكانية لتطويقه و لو وُضِعَ لكل مواطن مخبر، و قد يكون انكشاف مثقف السلطة أحد أهم مكاسب الثورة السورية، و علو صوت الانتقاد خطوة انتصار لا يُهمل قدرُها وتخطو معها عودة أصوات أصحاب الرأي لمكانهم الطبيعي خارج القيد و داخل العقول عوضاً عن أصوات المضللين تحت عباءات مختلفة الألوان و لو أن الأمر لن يخلو من الكثير من الغوغائية كما في كل تحرك بعد جمود طال امده لحين استقرار مسار سليم.

فصاحب الرأي بالدرجة الأولى هو صاحب حس عال بالمسؤولية و الالتزام تجاه المجتمع و هو الدافع الأساسي لتوجهه نحو الرأي العام، و ذلك يُفشل تماماً محاولات رواسب مثقفي النظام لخنق هذه النهضة و الوقوف بوجه احياء منظومة سليمة مقابل منظومة بائدة من فسادها و حسب.

فالمثقف، ليس من طغت لديه الفصحى على العامية، بل هو من طغى لديه الفكر و الموضوعية على الحكم المتسرع و من طغى لديه المنجز على الشعارات و الاستمرارية على الفقاعات هو من يؤمن بأن البوصلة تشير للاتجاه الصحيح طالماً لا عامل مقحم يدخل في مجال تأثُّرِها و ذلك لا ينحصر بكتاب و فنانين بل بكل من يبلور فكرة و يصنع منها منجزاً مؤثراً في محيطه من فكر أو سياسة أو اقتصاد أو علوم أساسية أو تطبيقية الى آخر لائحة المؤثرات اليومية في حياة الانسان.

فها هي مهام جِسام تُلقى على عاتق من حمل هذه المسؤولية و ربما يكون من أهمها، إعادة بناء مفهوم الهوية السورية مرتكزاً على إرادة تجاوز سقوط سوريا تحت وطأة أسوأ النظم التي عرفتها البشرية لخمس عقود و مرتكزاً على إرادة النهوض بعد سبع سنوات حرب لم تترك بيتاً سوريا دون ان تطأ عتبته شراً و النهوض من فتنة اجتاحت النفوس دون استثناء و مرتكزاً على مصلحة مشتركة لكل سوري باستقرار و ازدهار اقتصادي و مجتمعي و حضري في وطنه.

المثقف هو من يعبر عن آرائه كتابة كي لا تتبعثر فتندثر بل تنتظم فتبقى، مخزون فكري انساني يُنتخب انتقائيا من حاجة كل زمان و مكان و ربما يكون توصيف الأديب الفرنسي أوكتاف ميربو لمهمة الأدباء و الكتَّاب يوافق هذه المرحلة الهوجاء، حيث كتب منذ ما يزيد عن قرن و ربع أن ‘’ الأعمال اليوم يجب ان تجد ملجأ لها في كتاب، ففي الكتاب وحده، متحررة من العوامل الطارئة السيئة و المتعددة التي تفنيها و تخنقها، تستطيع أن تجد أرضاً ملائمة لتنمو الأفكار التي تزرعها”.