ماذا تعرف عن “فرساي” التي أسهمت في تشكُّل الشرق الأوسط الحديث؟

حوار الأفكار- عربي بوست

هكذا بدأ ديفيد فرومكين، المؤرخ والقانوني الأميركي، كتابه الأشهر «سلام ما بعده سلام.. ولادة الشرق الأوسط 1914-1922» وعنوانه الأصلي «a Peace to End all Peaces: creating the Modern Middle East 1914-1922″، والذي يحكي فيه عن ولادة الشرق الأوسط الحديث في أثناء تداعيات الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، عندما خسر العثمانيون الحرب وبدأت الدول الشرق أوسطية في الظهور تباعاً، ووضع الحلفاء المنتصرون في الحرب خطوط الحدود والدماء التي لا تزال تجري حتى الآن.

سنحكي في هذه السلسلة التي يقدمها «عربي بوست» قصة نشأة الشرق الأوسط الحديث، بطريقة بانورامية شمولية.

ونتناول فيها قصصاً مثل الحرب والسلام، والحدود والدماء، ونشأة البلدان الجديدة بعد انفراط العقد العثماني المتداعي، وحكاية السلام الذي عقده حلفاء الحرب العالمية الأولى والذي تلا الحرب العالمية الأولى وقال عنه أحد قيادات الجنرال اللنبي قائد حملة فلسطين.

أعراس السلام المزيفة

أصبحت معاهدات باريس 1919، التي قيل إنها ستمنع تكرار الحرب العالمية، افتتاحية لسلسلة هائلة من الحروب الكبرى، بعضها لا يزال مشتعلاً في الشرق الأوسط حتى الآن.
وُقِّعت معاهدات للصلح، وأبرزها فرساي 1919 مع ألمانيا، ونويي مع بلغاريا، وسان جرمان مع النمسا، وتريانون مع المجر في العام نفسه 1919، ووقَّعت سيفر مع الدولة العثمانية 1920.

شاهد هذا الفيديو الذي يشرح لك نهاية الحرب الدموية، وبداية السلام الدموي!

الأربعة الكبار يوقِّعون على معاهدة السلام الدموية!

اجتمعت بريطانيا وأميركا وفرنسا وإيطاليا -أي حلفاء الحرب العالمية الأولى- في «مؤتمر باريس للسلام»؛ ليقرروا كيف يقسموا غنائم المنهزمين، وشروط السلام في أعقاب هدنة عام 1918، صاغ القرارات الكبرى كل من رئيس الولايات المتحدة وودرو ويلسون، ورئيس وزراء بريطانيا العظمى ديفيد لويد جورج، ورئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو، ورئيس وزراء إيطاليا فيتوريو ايمانويل أورلاندو، وصدَّق البقية عليها.

شارك في الاجتماع مندوبون عن أكثر من 32 دولة، وأسسوا «عصبة الأمم»، ووقَّعوا على 5 معاهدات مع المنهزمين، من ضمن ذلك معاهدة فرساي مع ألمانيا وتقسيم أملاك الدولة العثمانية، ومستعمرات خارج أوروبا، وتقسيم ألمانيا، وحدود الدول والكيانات الجديدة التي رسموها على الخرائط، وبالطبع تعويضات يدفعها المنهزمون في الحرب للمنتصرين فيها.

99 عاماً من معاهدة السلام التي أشعلت الحروب

قبل 99 عاماً بالضبط، أي في 28 يونيو/حزيران عام 1919، أُسدل الستار رسمياً على مجريات الحرب العالمية الأولى الهائلة.
وقَّع الحلفاء المنتصرون على معاهدة فرساي بعد 6 أشهر من مؤتمر باريس للسلام، ووقَّع كذلك مندوبو دول المحور الخاسرة في الحرب؛ أي الإمبراطورية النمساوية، والإمبراطورية النمساوية-المجرية، والدولة العثمانية، وبلغاريا، وبالطبع مندوبو ألمانيا، حيث تضمنت المعاهدة الاعتراف الألماني بمسؤولية الحرب، ويترتب على ألمانيا تعويض الأطراف المتضرّرة مالياً.

قمنا بترجمة هذا الفيديو الذي يشرح لك خلفيات المعاهدة:

تأسست «عصبة الأمم»

ونتج عن الاتفاقية تأسيس عصبة الأمم؛ للحيلوية دون وقوع صراع مسلّح بين الدول كالذي حدث في الحرب العالمية الأولى وتجنُّب الصراعات الكبرى.

خسرت ألمانيا بعض أراضيها وجيشها

أدت الاتفاقية إلى خسارة ألمانيا بعض أراضيها ومستعمراتها لصالح أطراف أخرى، ووُضعت القيود على الجيش الألماني بما يمنع زيادته على 100 ألف جندي، ومنع إنشاء قوة جوية، والتقيد بـ15 ألف جندي بَحرية، وعدد محدود من السفن، ومنع الغواصات الحربية تماماً، واتُّخذت إجراءات لضمان خلو الجيش من الكفاءات العسكرية المدربة.

تنازلت ألمانيا بموجب المعاهدة لبلجيكا عن مدينتي يوبين ومالميدي، وأعادت شمال لزفيج إلى الدنمارك، وأُجبرت على رد الألزاس واللورين لفرنسا. هذا إضافة إلى دفع  269 مليار مارك ألماني، تم تخفيضها إلى النصف تقريباً كتعويضات عن خسائر المنتصرين من الحرب.

شاهد بعض شروط معاهدة فرساي في هذا المقطع:

انتهت الدولة العثمانية الكبيرة

خسرت الدولة العثمانية أيضاً أراضي واسعة في أوروبا وآسيا، وانتهت كإمبراطورية كبرى حكمت مساحة هائلة من الأراضي الواقعة في قارات آسيا وأوروبا وإفريقيا.

أُخذت الأراضي العثمانية في أوروبا بالكامل ما عدا إسطنبول وأجزاء صغيرة خلفها في الجانب الأوروبي بمقتضى معاهدة سيفر 1920.
كانت شروط المعاهدة قاسية للغاية، فبدافع من غضب الحلفاء لهزيمتهم الكبيرة في معركة جاليبولي على يد العثمانيين في أحداث الحرب العالمية الأولى، اشترطوا التخلي عن جميع الأراضي العثمانية التي لا يتكلم سكانها باللغة التركية، وضمن ذلك فلسطين وشرق الأردن والعراق واليمن والتي خضعت للانتداب البريطاني، وسوريا ولبنان للانتداب الفرنسي، ووُضع مضيقا البوسفور والدردنيل تحت رقابة لجنة دولية.

واستولت إيطاليا على جزر ببحر إيجة، واليونان على منطقة إزمير، واعترفت تركيا بواقع جديد في مصر والسودان وقبرص، وبالحماية الفرنسية على تونس والمغرب، وتنازلت عن حقوقها في بلاد الشام والعراق.
لكن بسبب المقاومة التركية في الأناضول والحركة المعارضة الواسعة للاتفاقية، أُلغيت معاهدة سيفر خلال حرب الاستقلال التركية واستبدلتها الأطراف بمعاهدة لوزان التي وقعت عليها واعتمدتها سنة 1923 و1924، وتضمنت حدود تركيا الحالية تقريباً.

ويشرح لك الفيديو التالي الفارق بين معاهدة سيفر ثم معاهدة لوزان في الحدود والأراضي:

دول أخرى توسعت أو وُجدت!

يشرح لك هذا الفيديو في دقيقة واحدة من دون تعليق صوتي، كيف تغيرت حدود الدول الأوروبية والتركية بعد الحرب العالمية الأولى.

تحولت دولتان صغيرتان إلى دولتين كبيرتين

تضاعفت مساحة يوغوسلافيا التي كانت مملكة الصرب 3 مرات تقريباً، وأُضيف إليها الجبل الأسود ودلماشيا والبوسنة وسلافونيا، وذلك على حساب النمسا والمجر.

وتوسعت رومانيا كثيراً على حساب النمسا والمجر أيضاً، اللتين شُطرتا إلى نصفين وانفصلتا، وأُنقص عدد سكان النمسا إلى نصفها وكذلك المجر بموجب معاهدة تريانون.

ثم تقلصت مساحة بلغاريا بموجب معاهدة نويي، وانتُزعت منها تراقيا الغربية، التي استولت عليها من تركيا في بداية الحرب، وضُمت إلى اليونان.

وفشلت في النهاية!

العواقب كانت هائلة عندما فشلت المعاهدة؛ حيث خسرت فرنسا ضمانة الأنجلو-أميركية للحفاظ على حدودها مع ألمانيا، وغسلت الولايات المتحدة أيديها من المشاكل الأوروبية، باستثناء ديون الحرب، التي كانت لا تزال تأمل جمعها.

كان فشلاً دامياً..

ساد الإحساس بأن واشنطن لا يمكن الوثوق بها، ولم تتمكن الولايات المتحدة من استعادة زعامة العالم حتى عام 1941 عندما كانت الحرب العالمية الثانية على قدم وساق.

وبدلاً من الدخول في حقبة جديدة من القانون والدبلوماسية، غرق العالم في الفوضى، وكان فشل المعاهدة سبباً في اشتعال القومية الألمانية مجدداً واندلاع الحرب العالمية الثانية.