إبراهيم الجبين: مشكلة “المواطنة” في فكر الإخوان المسلمين ( 2 ) المواطن أم الخليفة؟

إبراهيم الجبين- حوار الأفكار

في مقال الأسبوع الماضي، من هذه السلسلة، رأينا كيف أن وطناً بلا حدود، سينتج بالضرورة وعياً بلا مواطنة، وهو الأمر الذي تعاني منه الحركات الإسلامية السياسية وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين. ولكن كيف يؤثر هذا على علاقة الإنسان بالإنسان داخل الوطن الواحد؟ 

إن الأمر ليبدو أوضح قليلاً، حين تنظر إليه من باب عالمية الإسلام، التي هي صفة كبرى من صفات الدين الإسلامي.  والتي استندت إليها أفكار حسن البنا ومن تبعه لاحقاً من المفكرين الإسلاميين، وأصبحوا ينادون باستعادة “الجامعة الإسلامية”. والتي هي في الحقيقة البديل الطوباوي الحالم، لما تحدثنا عنه في المقال السابق، والذي فقده المسلمون لكنهم بقوا أتباع ورعايا له. أعني “الخلافة”. 

يقول البنا إنه يجب العمل على إعادة وحدة الإمة وحتى يحصل هذا يجب أن يكون هناك خطوات أساسية تتجسد بالعمل على الوحدة الثقافية والفكرية والاقتصادية بين الشعوب الإسلامية كلها. وثانياً: تكوين الأحلاف والمعاهدات وعقد المجامع والمؤتمرات بين هذه البلاد. ثالثاً: تكوين عصبة الأمم الإسلامية.

رابعاً وأخيراً.. يقول البنا “حتى إذا استوثق ذلك للمسلمين كان عنه الإجماع على (الإمام) الذى هو واسطة العقد، ومجمع الشمل، ومهوى الأفئدة، وظلّ الله فى الأرض”. (ورد هذا بالحرف في كتاب رسائل حسن البنا – رسالة دعوتنا).

ولكن مهلاً.. أليس هذا بشكل أو بآخر مشروع استيلاد “خليفة” جديد بدلاً من “مواطن” جديد؟.

 لعنة رفض الحداثة

إن الدخول إلى فضاء الفكرة الإسلامية الواسعة الجامعة العامة، كان هو البوابة التي تم سحق فكرة المواطنة تحت أقدامها. وسحقت معها أيضا فكرة العلاقة مع الآخر، الأخر الشريك في الوطن (الذي لا يعترف الإسلاميون بحدوده). ولمن لا يتذكر اليوم أعيد سرد تلك القصة الشهيرة التي جرت في دمشق في النصف الأول من القرن العشرين ما بين الشيخ والأديب السوري الراحل علي الطنطاوي والسياسي السوري فارس الخوري (والطنطاوي لم يكن إخوانياً بالمعنى الحرفي للكلمة للأمانة، ولكنه شديد القريب من فكر الإخوان بحكم تأثير خاله محب الدين الخطيب فيه، والخطيب يعد الأب الروحي لحسن البنا والداعم الأكبر له في رعاية مشروعه في مصر).

وستنتاول الطنطاوي في هذه القصة في زمنين، أولاً حين وقف على المنبر، وألقى خطبة قال فيها  إن “آخر مسلم في آخر الأرض أقرب إليّ من فارس الخوري”. وأضاف إنه “يفضّل أن يصافح مسلما إندونيسياً، على مصافحة المسيحي فارس الخوري أو الدرزي عارف النكدي القاضي”.

وعندما انتقده الجميع فسّر موقفه بالقول “إننا كمسلمين لا يمكن أن نجعل الكافرين كالمسلمين، وأن ندعو بدعوة الجاهليين، وأن ندع كلام رب العالمين (إنما المؤمنون أخوة) فننكر أخوة الإيمان ونتمسك برابطة اللسان، فيكون أبو لهب وابو جهل أقرب إلينا من بلال وسلمان؟ كلا ولا كرامة”.

على أنه روى أنه صادف الخوري بعد هذا الكلام في منطقة الحلبوني فبادر إليه الخوري مصافحاً غير حاقد على هذا الموقف الذي بدر من الطنطاوي. 

الزمن الثاني حين كتب الطنطاوي بعدها في مجلة الرسالة في العدد ٧٤٠ بتاريخ ٨-٩-١٩٤٧. عنوانه “ما أعرفه عن فارس الخوري”. قائلا ً “وفارس الخوري واحد من المشيخة الأجلاء الذين تعتز بهم دمشق، والذين إن فاخرت إنكلترا بتشرشل، وعمله عمل الشباب وهو في سن الشيوخة، فإن كل واحد منهم تشرشل لنا، لا نفخر بأنه بقى شابا في عمر الشيوخ، بل بما جمع إلى ذلك من العلم والفضل، والثقافة والعرفان”.

إن هذا الوعي الذي يفرز الناس في عصر حديث، وفقاً لمعطيات عصر قديم، ويرى في “مواطن” تجمعك به هوية سيادية واحدة  مجرد نسخة عن “أبي جهل” هو وعي ينتج بالضرورة فكرة مشوهة عن المواطنة.  فالحدود التي قسمت العالم الإسلامي “مصطنعة”، والهويات الجديدة التي أنتجتها تلك الحدود “مصطنعة” أيضاً، وهكذا.

وربما كانت من مفارقات حياة المجتمعات العربية المعاصرة، ارتباط الحداثة في ذهن العرب المسلمين بالغزاة القادمين من الغرب عبر الاستعمار والجيوش الكولونيالية. التي جلبت معها مفاهيم جديدة فرضتها بالقوة على المجتمعات. كما فرضت معها العادات والتقاليد والأزياء الجديدة. فارتبطت فكرة الحداثة بلعنة الاحتلال. وكره الإسلاميون التحديث لأنه شيء من صنع الكفار، كما يقولون.

حارب الناس مسلمون ومسيحيون ومن مختلف الطوائف والمذاهب المحتل المستعمر،  ولكن بعضهم قبل بشيء مما جلبه ذلك المحتل، وغالبيتهم شعرت أنه لا يمكن القبول بأي شيء يتصل به. إن فكرة “الدولة” بمفهومها الحديث، كوحدة سياسية لا كدولة دينية كما عرفها العرب طيلة تاريخهم، فكرة غريبة على الإسلاميين، فهي أيضاً مثل الأدب الحديث ومثل السينما والموسيقى الأوركسترالية قادمة من الغرب، لقد رفضوا ذلك كله، وهم الذين كانوا يقولون في بدايات القرن العشرين  “كل ما يأتي من الغرب لا يسر القلب”. 

وهكذا تم الكفر بفكرة “الدولة” وكل ما يندرج تحتها من اعتبارات ومفاهيم، بما في ذلك “المواطنة”، و السياسة “نجاسة” كما عبر حرفياً الرئيس المصري الإخواني المعزول محمد مرسي.  يصبح العمل في المجتمع نوعا من الجهاد البارد، ضد كل  تلك المظاهر المرفوضة.

واستمر رفضهم يتسع، حتى تجاوز الأمر بهم رفض الآخر الذي ينتمى رلى دين مغاير، إلى رفض “الأمة” ككل، والاكتفاء بما سموه “الأسرة الإخوانية” كوحدة مصغرة تختلف عن بقية المسلمين، وتتوسع دوائرهاحتى تصل إلى التكوين الذي شرحه البنا، فهم “الفتية الذين آمنوا بربهم” كما يستعير البنا من القرآن الكريم، ويقصد نخبة الإخوان، الذين يعيشون في الواقع حياة أهل الكهف.

ليصل في تصوراته الخاصة عن المستقبل، مقاما عجيباً لم يسبقه إليه أحد، مفترضاً أن يكون المسلمون قد أصبحوا غداً جميعاً “إخوانا مسلمين” لهم إمام واحد هو “المرشد”.

إن هذه التصورات المعتلة بنيوياً، من شأنها أن تصيب الفكر الإخواني بالتشوش طيلة الوقت، فهو لا يدرك الزمن الحقيقي الذي يعيش فيه، بل يعيش بين برهتين، برهة ماضوية لن تعود، وبرهة مستقبلية مستحيلة علمياً وغير ممكنة الحدوث لم تأت بعد، يكد ويعمل من أجلها. 

 أما مشكلة أن يؤمن الإخوان المسلمون بهذا، فتتثمل بكونهم الأكثر قربا لما سميت بالحياة “المدنية”، من خلال تواجدهم في الحياة كتنظيم سياسي اجتماعي يتدخل في التعليم والتربية والاقتصاد وغيره، ولكن من بواباتهم يتفرع التطرف، ما داموا هم المفكرون وغيرهم الشعث المغبرين في ساحات الجهاد.

وتحت هذه القناعات لا يمكن أن تنشأ حالة “مواطنة” طبيعية، يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات. بل فقاعات فكرية “متطرفة” دائمة التفجر لا تلبث أن تهدأ حتى تنبثق من جديد. إذا لم تتم إعادة النظر في الاعتلالات الفكرية غير المقدسة والتي يمكن محوها وتطويرها وإحلال الفكر الحديث محلها، اليوم وغداً وفي كل حين.

إبراهيم الجبين: مشكلة “المواطنة” في فكر الإخوان المسلمين “1”