أزمة النخب العربية : الثقافة والتنمية

عرض كتالب من تأليف الدّكتور حسن مسكين : المنذر شريّط

يحتمل كتاب “أزمة النخب العربية: الثقافة والتنمية”؛ للدكتور “حسن مسكين” – قراءة مختلفة  ، تحلِّل مقولاتِه  ، وتقدِّم كاتبه الذي يعطي أهمية لقضايا التنمية والثقافة. يستهلُّ الأستاذ  ” كتابه بالحديث عن الإشكال الذي نعيشه في البلدان العربية والإسلامية، والذي يتجلَّى في التباين القائم بين الرصيد الثقافي الحضاري الذي نملكه، وبين إمكانية الإضافة إليه من إنتاج يدفع باتجاه الخَلْق والإبداع، بدل الاجترار والإنشاد الفارغ، مقارنة ببعض الشعوب التي حقَّقت نتائجَ عظيمةً في استثمار مخزونها المعرفي. فالمؤلِّف يرى أن التنمية في وطننا العربي بطيئةٌ إذا ما قورنت بالتنمية في أقطار العالم الأخرى، سواء من خلال معدَّل نمو الدخل الفردي، أم مؤشِّر الإنتاجية، أم معدل الدخل الوطني العام، أم عدد الأميين، وغيرها من المؤشرات التي توضح الإحصائيات أننا بعيدون كل البعد عن باقي دول العالم الأخرى.

في مفهوم الثقافة والتنمية

يعرِّف الدكتور “حسن مسكين” الثقافة بأنها ذلك ” النتاج الذي ينتظم جِمَاع السمات المميزة للأمة؛ من مادية وروحية وفكرية وفنية ووجدانية، وتشمل مجموعة من المعارف والقيم والالتزامات الأخلاقية المستقرة فيها، وطرائق التفكير، والإبداع الجمالي والفني والمعرفي والتقني، وسبل السلوك والتصرف والتغيير، وطراز الحياة، كما تشمل أخيرًا تطلعاتِ الإنسان للمُثُل العليا، ومحاولته إعادة النظر في منجزاته، والبحث الدائم عن مدلولات جديدة لحياته وقِيَمه ومستقبله، وإبداع كل ما يتفوق به على ذاته. فالثقافة هي ممتلكات الأمة حين الانخراط في عملية البناء الحضاري، لإثبات الذات في مسيرة النماء الإنسانية، المتسمة بسمة العلم النافع الخلاَّق، والمعرفةِ النيرة.وإذا كان هذا هو مفهومَ الثقافة بصفة عامة، فإن مفهوم التنمية عند المؤلِّف يستند إلى شموليتها، وقيامها على شرط الحرية والمعرفة، ودعمهما في عملية دائمة وجدلية بينها وبين كل المجالات التي تقوم عليها حياةُ الأمة واستمرارها منتجة ومُبدعة؛ فهي لم تعدْ مرتبطةً بمستوى الدخل الفردي أو بمستوى ارتفاع الناتج السنوي القومي فقط، بل بالمستوى المعرفي والثقافي، والصحي والاجتماعي والديمقراطي لأي أمة؛ لتحقيق مشاريعَ وتصورات وأفكار حرةٍ ومسؤولة، في ظل دعم قوي لمثقَّفيها، لمواصلة الإنجاز الذي يؤدي إلى تطوير شعوبها، وضمان مشاركتهم في بناء نهضة أمتهم؛ فالتطور الهائل في مجالات النظم المعلوماتية والتواصلية، ومجالات أخرى مرتبطةٍ بالسياسة والاقتصاد  أفرز مفهومًا جديدًا للتنمية يتجاوز مفهومَها السابق.  وبالتالي، يصعب على بلداننا العربية والإسلامية إنجازُ هذا التحدي، رغم إمكاناتها المادية والبشرية والطبيعية الكبيرة، ودعوات المفكرين العديدة في هذا الاتجاه، وبذلك فمفهوم التنمية البشرية الشاملة، قد حدد في مجالات ثلاثة، هي: تمتُّع الأفراد بصحة جيدة، وحياة مديدة ،انتشار المعرفة، الذي يقاس بمستوى التعليم بين الراشدين، وبمعدل الالتحاق بالتعليم الابتدائي والثانوي والعالي و مستوى المعيشة، الذي يقاس بمعدل الدخل الفردي.  ويرى الأستاذ “مسكين” أن الأمة العربية في حاجة إلى إعادة النظر  أولاً في مفاهيم اعتُبِرت نهائية ، بَنَتْ عليها تصورات خاطئة، انتهتْ إلى نتائجَ مضللة، سواء من ناحية التخبط في الرؤى والتصورات الأساسية قبل التفكير في أي إصلاح، أم مسألة الاستقلالية، أم الاستلاب الثقافي والحداثي، الذي يرى في الغرب المخلِّصَ الأمثل، والنموذجَ الأوحد في الاقتداء.

ويعتبر المجال السياسي أحدَ المداخل المهمة لبناء مشروع تنموي فعال، من خلال عملية إشراك جميع فعاليات المجتمع وفئاته وطبقاته في القرار السياسي؛ وبذلك فإن كل إهمال لهذه المسائل سينعكس سلبًا على مجالات عدة؛ منها السياسة الثقافية التي تعيش تخبطًا وضعفًا وهشاشة واضحةَ المعالم، ولتحقيق القفزة النوعية في مثل هذه المجالات، فإنه يجب القفز على التشبث بالماضي، وعدم النظر إلى الحاضر بعين النقد  والتهيؤ للمستقبل، بربط الثقافة بالسياسات المتَّبَعة في البلاد العربية، وابتعادها عن التدجين وتكريس الواقع، وإنتاج ثقافة الاستهلاك المستشرية في المجتمع العربي. إن الأزمة الحاصلة في العلاقة بين المثقف والسياسة ونخبها، تخلق توترًا وصراعًا نحن في غنى عنه، وفي ظل عدم وعيٍ سليم بدور كلٍّ منهما في المجتمع، فرغم مساهمة المثقَّف العربي الكبيرة في السياسة والتنظير لها، فإنه سرعان ما ابتعد عنها، وانزوى إلى ركن بعيد، مُؤْثِرًا السلامةَ والراحة.  ويعتبر الدكتور “حسن مسكين” أن الطريق إلى إعادة المياه إلى مجاريها، وتحقيق توافُقٍ وتكامُل حقيقي بينهما، يسمح بإنتاج معرفة خصبة تساهم فيها كلُّ الأطراف – يمر عبر البُعد عن النظرة الذاتية الضيقة للسياسيين، أو الانتهازية الواضحة أو المبطنة لكثير من المثقفين، وتغيير رؤيتهم وسلوكهم تجاه القضايا المصيرية للأمة.

إشكاليّة الإعلام العربي وتنمية التخلف

يعيش أغلب المشهد الإعلامي العربي تخلفًا واضحًا، وتنميطًا ممنهجًا لنماذجَ محدودة، وصورٍ معلومة تكتسح مختلفَ الوسائل الإعلامية التي خلقتْ أوهامًا لدى الشعوب، تشي بأنها أصبحتْ حرةً دون أن تعيَ المفارقات المحدثة من طرف القوة المتسارعة لوسائل الإعلام المتدفِّقة، بشعور الإنسان العربي بوهم الامتلاك والسلطة، والشعور بالتفرُّد والقوة، بينما هو في واقع الأمر غارقٌ في عبودية الصورة، ضعيف أمامها، تَقوده وتوجِّهه. يرى المؤلف  بأن صناع الصورة ومنمِّطي الثقافة والفن معلومون، غير مجهولين، إنهم أصحاب الشركات المتوحشة، وعَبَدة المال، رغم تلوُّن صورهم، واختلاف مواقعهم. ومن هنا؛ فإن تغييب الثقافة، وتكريس الرداءة، وأصوات التفاهة – كان على أيدي هؤلاء، وإن تهافُتَ فئات عريضة من المجتمع العربي على وسائل الإعلام (التي تتناسل يوميًّا كتناسل النمل في مملكته) – لا يَخدُم التنميةَ والتنوير، ويبقى آخرَ الأشياء المفكَّر فيها أمام هذا الانسياب المتدفِّق لفضائيات مختصة في شتى أنماط الأغاني والرقص (والتفاهة الفنية). كما أن الإعلام القائم على الإعلانات والإشهار، يبيع الأوهام والأحلام، ويَقلب الحقائقَ، ويصنع عالمًا مفعمًا بالسعادة الوهمية التي تصدقها فئاتٌ عريضة من المجتمعات العربية، خاصة الشباب، والهدف من وراء كل هذا هو الربح الكبير والسريع، بفضل الإشهار الذي يُعِيد تشكيل العالَم على نمط واحد، من سماته الأساسيةِ الرفاهيةُ والراحة، والسعادةُ والنجاح. ويرى المؤلف أن المتأمل في خطاب منظِّري العَوْلَمة والداعين إليها، يكشف مجموعة من المفارقات الغريبة، والتناقض الواضح بين التنظير والممارسة، فتنكشف معها مجموعةٌ من الأقنعة، وتتلاشى التصورات المبطَّنة تحت مسميات برَّاقة؛ كالحرية المطلقة، وتحديث الشعوب المتخلِّفة، ونشر الديمقراطية وحقوق الإنسان.

صراع المواقع والأيديولوجيات

لقد كان التوظيف المسرِف للأيديولوجيات للنُّخَب العربية المثقفة بكل توجهاتها اليمينية واليسارية والوسطية  سببًا في إخضاع شعوبها، وتَدْجِينها لتكون في كل المجالات تابعةً، مُسيَّرة بِاسم ما تعتبره هذه الاتجاهات سلطةَ النُّخْبة التي تملك الحقَّ في الزعامة والقيادة والتوجيه؛ من أجل إبعاد الشعوب عن المشاركة في بناء المجتمع وإصلاح أحواله، كل هذا أدَّى إلى اختفاءِ وتبخُّر الشعارات اللامعة، التي كانت تنادي بها هذه التيَّاراتُ المدَّعية للديمقراطية والحرية والعدالة؛ لأنها – بكل بساطة – بعيدةٌ عن الممارسة داخل تنظيماتها الحزبية  والجمعياتية وبرامجها السياسية.  ويعتبر الأستاذ “حسن مسكين” أن من المفارقات المميزة للمثقف العربي رغبتَه الملحَّةَ في التغيير، لكن ذلك يكون من منطق الوصاية لا المحاورة؛ من خلال فرض حقائقه الثابتة، وهو يَهدف إلى التأثير في العامة، وعينه على الخاصة في الوقت نفسه. ويقول بالانتماء إلى العامة، وفي ذاته الداخلية إحساسٌ بالفوقية والتعالي على العموم. إن المثقَّف منافس في ساحة السلطة، من خلال التأثير على اتجاهات العامة؛ من مثل السلطة السياسية التي يناهضها، ومن هنا يمكن الحديث عن مساوئ هيمنة الأيديولوجيا على مشاريع الثقافة والتنمية في العالم العربي؛ لأنها خلقتْ لديهم خطابًا مهزوزًا، يتوسل الحلول في الماضي، والمخرَج في السلف، يؤدِّي إلى إحداث خللٍ بِنْيَوي في هذا العقل بكل شرائحه، حتى لدى المثقفين الذين راهنوا على هذا المنحى، ورفعوه إلى مستوى التقديس. وما يمكن استنتاجه، هو أن هناك انفصامًا واضحًا بين ما يُصدِره المثقَّفون من خطابات، وبين ما يطرأ من تحوُّلات سريعة في واقعنا المجتمعي، الذي يكذب هذه الأفكارَ التي تشبَّث بها هؤلاء المثقَّفون بوصفها حقائقَ، بينما الوقائع تقول: إنها مجرد أحلام  وأوهام. لقد صار التقليد ثقافة شمِلتْ جُلَّ الميادين في المجتمع العربي والإسلامي، وتعطَّل باب الاجتهاد والإبداع، تحت ذرائعَ ومبرراتٍ واهية، والدعوةُ إلى محاربة هذا التقليد، وفتح باب الاجتهاد – لم تُثمِر نتائجَ هامَّة تنعكس على المجتمع، ولم تثمر فكرًا يؤمن بالتعدُّد والاختلاف،  والمبنيّ على الحوار والقابلية للرأي الآخر. ولتحقيق هذه الدعوة يجب الاعتماد على مقومات وشروط مهمة، منها: اعتماد المقاصد العليا للأمة في الشريعة والسياسة والفكر والثقافة، ونبْذ التعصب، والإيمان بالحوار الخلاَّق، واحترام الرأي المختلف، والإقناع بالحُجج، في حدود الجدال بالتي هي أحسن. وبذلك يتحدَّث المؤلف عن صعوبة التفكير في مشروع عربي في ظل غياب تحديدٍ دقيقٍ للأدوار، ومعرفةٍ عميقة بالحاجيات، وفي ظل فشل واضح في مد جسور التواصل الفعال؛ لأن الثقافة مسؤولية الجميع، بدءًا بالأفراد، والحكومات، والمؤسسات الرسمية، وهيئات المجتمع المدني، لكن دَوْر المثقفين أكبرُ؛ بحكم ما يتميزون به من تكوين معرفي، ورؤية عميقة لأحوال المجتمع ومتطلباته الكثيرة، لكن لا بد من التأكيد على ضرورة تحمُّل الحكومات العربية والإسلامية بمختلف قطاعاتها مسؤوليةَ تهيء المناخ الملائم الذي يَكفُل للمثقفين القيامَ بدَوْرهم الكامل في إنجاح مشاريع التنمية والثقافة، في جو من المسؤولية والحرية والدعم الكافي. ومن أسباب التنمية، يتحدث  الكاتب عن اللغة باعتبارها كيانًا وأساسَ وجودِ أيِّ أمة، من خلالها تتحدَّد هُوِيَّة وثقافة واستمرارية آمال الشعوب، وأزمةُ سوء فهم المسألة اللغوية في الوطن العربي مَرَدُّها أسبابٌ متعددة، منها: عدم إلمام الكثيرين لدينا بالجوانب العديدة لإشكالية اللغة، وقصور العَتَاد المعرفي لمعظم منظِّرينا اللُّغَويين، وغيرها من الأسباب التي خلقتْ هذه الأزمة. فالتاريخ يشهد بأن اللغة العربية كانت مستهدَفة بشكل كبير، إضافة إلى أنها تعيش لامبالاة المسؤولين في الحكومات العربية، الذين يُصِرُّون على مخاطبة شعوبهم بلغات أجنبية، وظهور صيحات متأجِّجة لدعاة اللهجات والتضحية بالرصيد اللغوي والمعرفي والحضاري الطويل للغة العربية، باعتبارها مجرد واسطة أو وعاء لنقل الأفكار لا غير. وفي هذا الإطار يقول : “إن التخبُّط في رسم سياسة لُغَوية واضحة في البلاد العربية، تساهم في تكريسه بعضُ النخب  بالتوازي مع حكوماتها؛ وبذلك يضاعف من الانعكاسات السلبية لهذا التوجه المعكوس، غير الواعي بخطورة تصوراته المعمِّقة للتخلف، بدل المساهمة في تحقيق شروط التنمية…”؛ (ص: 72 ).

البدائل الممكنة ثقافيًّا وتنمويًّا:

ومن المسائل التي يجب الوعي بها قبل التوجه نحو تبنِّي التنمية الحقيقية  هي:

– إدراك الساسة والمثقَّفين مدى جسامة المسؤولية المَنُوطة بهم.و ترك الخلافات السياسية والأيديولوجية، لصالح إقامة مشروع عربي شامل، يضمُّ كافَّة القُوَى الثقافية والسياسية والشعبية المؤمنة بالإصلاح والتغيير.

– خلق أرضية للحوار الهادف بين كافَّة المكونات؛ لتصحيح مسارها، وتوجيه كل اهتماماتها نحو بناء وحدة ثقافية حية.و خلق مناخ من الثقة المتبادلة بين القطاعات الحكومية، وصانعي القرار السياسي، والفئات المثقفة؛ للمساهمة في بناء صروح  تنموية تشمل كافة القطاعات.

– توجيه أنظار الحكومات إلى البعد الثقافي، كخيار استراتيجي أساسي في كل مشروع تنموي.

– إشراك وسائل الإعلام في أي مشروع ثقافي تنموي.

– تغيير كثير من المفاهيم المغلوطة عن الثقافة والتنمية والسياسة، بوصفها قطاعات متكاملة وليست متنافرة. و الإيمان بالديمقراطية الثقافية والسياسية، والاستناد إلى الثروات الطبيعية الآيلة للنضوب عاجلاً أم آجلاً.

– تكوين ساسة يؤمنون بدَوْر الثقافة في التنمية، ومثقفين يَسْعَون إلى ترشيد العمل السياسي، وتوجيهه نحو أهداف واضحة.

– إصلاح المؤسسات السياسية والإعلامية، وضمان مناخ من الحريات للمواطنين؛ للانخراط في التنمية الثقافية، والتقريب بين سياسات البلدان العربية في مجالات التعليم والتربية والتكوين والاقتصاد. و إصلاح الفساد بجميع أشكاله، وخلْق مناخ سياسي تَسُوده الديمقراطية والعدلُ وحقوق الإنسان.

وقد حدَّد الأستاذ “حسن مسكين” الأسبابَ الحقيقية، والمعوقاتِ الأساسية التي تَحُول دون قيام تنمية في البلدان العربية، فيما يلي:

– تميُّز سياسات التنمية بتوجُّه واضح نحو مشاريعَ استهلاكيةٍ ، والإنفاق العسكري غير المُجْدِي.

– اعتماد خطط التنمية على تبادُل السلع التجارية.

– عدم ظهور أي تكتلات اقتصادية عربية قادرة على منافسة الرأسمال الاحتكاري.

– القيام على بيع المواد الأولية، تبعًا لتقلُّبات السوق العالمية بالدرجة الأولى.

– الاعتماد على قوى بشرية غير وطنية وغير عربية في مجال الاقتصاد والتنمية.

– إنجاز معظم خطط التنمية بحماية قواعدَ عسكريةٍ أجنبية ذات أطماع استعمارية  لنهب الموراد.

إن الاعتراف بهذه الأوضاع المختلَّة في مجال التنمية والثقافة التي تسود أغلبَ البلدان العربية هو  رهن الدخول في مرحلة جديدة وتصحيحها، في محاولة لتجاوزها؛ وذلك باقتراح بدائلَ واقعيةٍ وممكنة. وفي ذلك يقول المؤلف: ” وهنا من الطبيعي أن يقف المثقَّف وقفة تأمل ومراجعة للذات، يقدِّم فيها حصيلة إنتاجه، ومواقفه وتصوُّراته، ويُجِيب عن أسئلة حاسمة، من أبرزها: لماذا لم تستطع تلك الأفكارُ والنظريات والمواقف أن تغير شيئًا في مجتمعه ؟ ولماذا تلاشت تلك الرؤى التي كان يبشر بها، ويصر على أنها قريبة التحقُّق؟ ولماذا فقد فاعليته في الإنتاج والتأثير والتغيير؟”؛ (ص: 108).  “أمَا آن للنخبة المثقَّفة أن تعود لتمارس دَوْرها في التوعية والمبادرة والتوجيه؟ أمَا آن لها أن تتخلى عن دور المتفرِّج، بعد أن استقلَّ معظم روَّادها، واكتفوا بلَعِب دَوْر المُشَاهِد ، أو المهزوم الذي أعلن استسلامَه الكامل من كل ما له عَلاقة بالفكر النقدي، والثقافة البناءة، والمشاركة الفعالة؟ أم أنه استكان للراحة الشاملة، فأعفى نفسه من مسؤولية اختياره طوعًا، ثم ما لبث أن تنازل عنها مجبرًا أم طوعًا؟”؛ (ص: 117).

خاتمة

لا يمكن تحقيقُ الاصلاح ، إلا بمحاولة تجاوز هذه الوضعية، والاهتمام بالتعليم والمعرفة والبحث العلمي؛ وذلك بإصلاح مؤسساتنا التعليمية والجامعية من خلال تغيير وإصلاح مناهج التعليم والتكوين، ودعم البحث العلمي، والقضاء على البيروقراطية داخل مؤسساتنا التعليمية، وخلق ثقافة الديمقراطية داخلها، والاهتمام بالمكتبات وبرامج التدريب، وتطوير المعرفة العلمية والتقنية الحديثة. إذ يقول المؤلف (ص: 131): “إذًن،  فلا مخرجَ من هذه الحالة الراهنة إلا بالأخذ بأسباب التقدم، والقطع مع السلوك المتردد، العاجز عن الإنجاز، والمكتفِي برد الفعل، والقابع في مكانه ينتظر استهلاك ما ينتجه الغير، إنْ في الثقافة أو العلم”.