النسخ بطلب الجمهور.. الديمقراطية التشريعية

د. محمد حبش

 

ربما كانت مسألة الديمقراطية في التشريع هي أكبر الإشكالات في جدل الديمقراطية والإسلام وقد اعتبرها بعضهم النقطة الفاصلة التي تميز بين الإسلام والكفر، فالإسلام هو اتباع لما أنزل الله، والديمقراطية اتباع لما يريده الشعب، فهل أجاز الرسول بالفعل الحوار مع الشريعة الموحى بها وأقر تعديلها بناء على طلب الجمهور أم لا، وهل النص الديني محل حوار ونقاش أم هو محل اتباع أصمّ؟

تتجه هذه الدراسة (في طرحها الجدلي) لإثبات أن الله ورسوله قد أقر باستمرار تعديل الأحكام ونسخها بناء على طلب الجمهور وحاجات الأمة، وأن النسخ ظاهرة حيوية وتتم عن طريق الكتاب والسنة والإجماع.

إنه لا حكم إلا لله! ولكن الله لا يعين رؤساء ولا خلفاء ولا وزراء، أنتم أعلم بأمور دنياكم.

إنه لا حكم إلا لله! ولكن الله تعالى وهبنا العقول وأخبرنا أن في اجتماعها واتحادها صواباً وبينة، وأن الخروج عن صف الجماعة مظنة الزلل، ولا تجتمع الأمة على ضلالة، والزم سواد الناس الأعظم.

في الواقع لا أعرف في العالم ديناً أو فلسفة أكثر قدرة على التطور والمرونة من هذه الشريعة الاسلامية، فقد أطلق الرسول الكريم رسالته العظيمة لإصلاح الناس، وبدأ التشريع مترافقاً مع التجديد والتطوير، ولا أعرف في التاريخ نبياً ديمقراطياً استجاب لمطالب الجمهور وأجرى باستمرار تعديلات في الشريعة أكثر من النبي الديمقراطي محمد صلى الله عليه وسلم.

وخلال حياته التشريعية القصيرة التي لم تزد على 23 سنة فإنه تم نسخ 21 آية من القرآن الكريم، وتوقف العمل بما فيها مع أنها باقية في نص القرآن الكريم ويقرؤها المسلمون، وفيها حدود وحلال وحرام، ولكن الحاجة التي أملت نزول النص فيها تغيرت في تلك الفترة القصيرة، ودار الحكم مع علته وجوداً وعدماً، وتم وقف العمل بهذه النصوص القرآنية الكريمة بحضرة الرسول الكريم وبأمره ومتابعته.

ومن المفيد ان نشير إلى بعض هذه التغييرات التشريعية المهمة التي تمت خلال حياة الرسول الكريم من خلال النسخ:

نسخ الآية التي كانت تقضي بحبس النساء الخاطئات في البيوت حتى الوفاة.

نسخ آية جواز الوصية للوارثين، والتحول إلى قاعدة: لا وصية لوارث.

نسخ الآية التي أمرت اعتداد المتوفى عنها زوجها لمدة سنة واستبدالها بالآية التي جعلتها130 يوماً.

نسخ الآية التي أمرت بدفع صدقة ملزمة عند الالتقاء بالرسول: يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة (المجادلة).

نسخ الإذن بالإفطار لمن لا يرغب بالصيام: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، وإعلان وجوب الصيام على كل قادر.

نسخ الإشادة بالخمر ومنافعه إلى التحريم المطلق: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس.

وهذه كلها أحكام قرآنية نزل بها الوحي ولا يزال المسلم يرتلها في صلاته، وقد تم تطبيقها زمناً ثم حصل تطور جوهري في واقع الأمة استدعى أن يتم تغيير الحكم لما هو مصلحة حقيقية للناس، وحيثما كانت المصلحة فثم وجه الله.

وتفاصيل هذا النسخ مذكورة في كل كتب التفسير والرواية تقريباً، ولا يوجد بين المفسرين حولها خلاف جدي.

وما قلناه في القرآن الكريم ينطبق أيضاً على السنة النبوية فقد تم نسخ نحو 48 حكماً حكم به الرسول الكريم، ولم يكن الرسول ليتردد في القول برجوعه من رأي إلى رأي، وكان يقول: إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين ثم أجد غيرها خيراً منها إلا فعلت الذي هو خير وكفرت عن يميني(1).

وفي الحديث بيان مرونة هذه الشريعة وقدرتها على الاستجابة للأحداث وتطور الأحوال، فمن المعلوم أن حلف اليمين من قبل النبي الكريم لا يكون إلا على ما هو يقين بلا ريب، ولكنه لا يتردد أبداً في ترك ما أقسم عليه إذا ظهر له في سواه وجه أكثر ملاءمة وعدالة.

ولا شك أن النسخ إنما يكون في الأوامر والنواهي من حلال وحرام، ولا يكون في الخبر ولا في الفضائل ولا في الاعتقاد، فهي حقائق ثابتة لا تتغير بتغير الأزمان.

والمسلمون متفقون بلا استثناء على نسخ الشرائع بعضها ببعض، فقد أشار القرآن الكريم إلى مواضع كثيرة نسخت فيها أحكام فرضت على الامم الأولى، ومنها الآية الكريمة:

وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (الأنعام 146)

وجاء البيان القرآني واضحاً بأن هذا التحريم كان بسبب غيّهم وتشدّدهم ولم يكن حكماً سرمدياً في كل زمان ومكان. وفي آية أخرى يشير القرآن الكريم إلى رسالة السيد المسيح بأنها جاءت لتغيير بعض الأحكام الشرعية المفروضة على بني إسرائيل:

وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50 آل عمران)

وفي آية أخرى:

وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (الأنعام 118)

وتكررت هذه النصوص في القرآن، وهي واضحة في نسخ أديان وكتب مقدسة جاء بها الأنبياء من الله، ولا يوجد فقهياً أي اعتراض على هذا النسخ وأجمع المفسرون ان من محاسن الشريعة ومن الأدلة الحيوية على تطورها في كل زمان ومكان، وقد بين القرآن الكريم النص الواضح بهذا الشأن بقوله:

لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (المائدة 48)

ويتحدث الفقهاء عادة عن الحكمة العظيمة التي اقتضت ان يتم تغيير الأحكام بتغير الأزمان، وأن التطور الفقهي والتشريعي بما يناسب الناس مطلوب كلما تطورت المجتمعات، وأن رسالات الأنبياء ينسخ بعضها بعضاً، ولكل منهم شرعة ومنهاج، ولكنهم لا يقبلون في الغالب الأمر نفسه في الشريعة الإسلامية بل يسود الاعتقاد بأن الأمة قد بلغت أخيراً سن الرشد في الرسالة الخاتمة ونزلت الشريعة تامة فلا تقبل أي تطوير أو تجديد، ويتعين العمل على ما مات عليه الرسول!

ولا أملك إلا الأسف في الواقع لهذا الموقف، وقناعتي أن الشريعة تكتمل باستمرار، وتتجدد باستمرار، وليس مجداً لأي قانون أو أي شريعة أن يتوقف عن التطور، فالحياة مستمرة والجديد كل يوم، والشريعة تملك الروح المتوثبة القادرة على الاجتهاد في كل جديد وتعديل الأحكام وفق مصلحة الأمة، وهو ما اتفق عليه الفقهاء بعبارة لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان.

إن الآية التي أشارت إلى اكتمال الدين: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (المائدة 3) إنما تتناول قضايا العبادات والغيب التي لا سبيل للعقل أن يبلغها، أما قواعد الدنيا من سياسات واقتصاد وحقوق فهي تتجدد باستمرار واكتمالها نقطة ضعف وليس نقطة قوة، ويحكمها الحديث الذهبي: أنتم أعلم بأمور دنياكم(2).

وربما كان أوضح مثال على حيوية الشريعة وإصرارها على التطور والتجدد هو ما نقرؤه في مسألة نسخ القبلة، فالقبلة أرسخ ثوابت الإسلام وهي المحور الذي يلتقي عليه المسلمون في كل مكان في الأرض، حتى سمي المسلمون أهلَ القبلة، وانتشر بين المذاهب الإسلامية جميعاً شعار: لا نكفر أحداً من أهل القبلة، ومع ذلك فإن هذا الأصل الراسخ تعرض للتغيير مرتين في حياة الرسول، حيث بدأ الرسول بالصلاة إلى الكعبة، ثم تحول إلى بيت المقدس ثلاثة عشر عاماً، ثم أمره الله أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام واستقرت القبلة في مكة المكرمة.

إن هذا الموقف الشجاع الذي يكرس مصلحة الأمة والإنسان فوق كل اعتبار لم يمرّ بدون نقد شديد من كهنة أهل الكتاب الذين رأوا أي تغيير في شعائر الدين مهما كان ضروريا للأمة عبثاً بالإيمان:

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (البقرة 142)

وفي أعقاب نسخ القبلة وما أشاعه اليهود من استهزاء بالإسلام نزلت ثلاثون آية في سورة البقرة تشرح حقيقة الروح المتطورة في الشريعة، التي تكرس الاهتمام بالمقاصد الكبرى للشريعة في كرامة الإنسان ومصالح الأمة العليا، وذلك بعد أن صار اليهود والنصارى يتهمون النبي بأنه لا يملك قبلة ولا يملك ديناً مستقلاً، وأن الإسلام كله مجرد هرطقة وانحراف عن النصرانية واليهودية، وبوصلة تائهة، وهكذا فقد حان الوقت لتظهر الرسالة الإسلامية في مكانها الطبيعي ديناً مستقلاً شاملاً عالمياً للناس له قبلته ونصه وأنبياؤه.

ومن الآيات التي نزلت لتوضيح الحاجة إلى التغيير كلما دعت مصلحة الأمة:

وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (النحل 101)

مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (البقرة 106)

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (البقرة 134)

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (البقرة 148)

وكانت الآيات واضحة في تعليل تغيير القبلة بانه ضرورة اجتماعية لقطع ارتباط الرسالة الجديدة عن الكهنة المحتكرين للدين العتيق:

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (البقرة 149)

وقد بدأ أمر النسخ مذهلاً لكثير من الفقهاء، وخاصة أنه يتم بصورة الاستجابة لمطالب الجمهور، ورآه بعضهم مناقضاً لنصوص القرآن الكريم نفسه:

قل أأنتم أعلم أم الله، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟

وقد أنكر أبو مسلم الأصفهاني والمعتزلة ظاهرة النسخ، واعتبروا أنها تستلزم العبث في الشريعة، والقصور في الخالق، بحيث أنه بدا له الأمر ولم يكن بادياً من قبل وهو يستلزم النقص في الخالق وهو محال، أو أنه علم شيئاً بعد أن كان يجهله، والواقع أن النسخ أمور يبديها لا أمور يبتديها، وهو كشف لا انكشاف، وإظهار لا ظهور، وإعلام لا علم، وإطلاع لا اطلاع، وإخبار لا خبر، وفي النهاية هو تغير في حال المخلوقين وليس تغيراً في حال الخالق.

وفي دلالة مباشرة فإن الحاجة التي طرأت لتغير حد الزنا على النساء من الحبس في البيوت إلى الجلد لم تكن أبداً بسبب تغير في الخالق وإنما بسبب تغير في واقع المجتمع وتوفر جهاز قضاء يمكن من خلاله نقل العقوبة من التصرف الأسري الذكوري إلى تصرف الدولة الحقوقي.

وهناك اليوم تيار غير قليل في الفكر الإسلامي الحديث ينكر النسخ، ويجتهد في إحياء رأي أبي مسلم الأصفهاني والمعتزلة الذين أنكروا النسخ وتأولوا الآيات القرآنية التي تتحدث عن النسخ على أنها وردت في نسخ اليهودية والمسيحية بالإسلام، ونسخ التوراة والإنجيل بالقرآن وليس نسخ القرآن بعضه بعضاً، ولا شك أنهم ينطلقون من هدف نبيل وهو استحالة أن يأمر الشرع بشيء ثم ينهى عنه، وأن هذا يستلزم النقص في كمال الله وعلمه، وأنه بدا له بعد أن لم يكن بادياً وعرف بعد أن يكن عارفاً!!‏

ومع أنني من جهة المبدأ كثير الولع بإنصاف الآراء الفقهية التي لم تنل إقرار الجمهور ولكنني أجد نفسي هنا متفقاً مع جمهور الفقهاء في إثبات النسخ عقلاً ونقلاً، وأجده أوضح الأدلة على تطور الشريعة وقدرتها على الاستجابة لحاجات الناس.

وهكذا فإن النسخ واحد من أوضح الأدلة على قدرة هذه الشريعة على التطور والاستجابة لكل جديد وتأمين مصالح الأمة.

وقد وقع نسخ القرآن بالقرآن ونسخ السنة بالقرآن، كما وقع نسخ السنّة بالسنّة ونسخ القرآن نفسه بالسنّة، وهو مذهب الجمهور، وتحفظ الشافعي على نسخ القرآن بالسنة، ولكن الجمهور أقر ذلك، وقد أعلن النبي الكريم بوضوح أنه لا يتردد في التحول من حكم إلى حكمٍ إذا رأى فيه مصلحة راجحة، واشتهرت في هذا المعنى أحاديث: كنت قد نهيتكم والآن آمركم، أو كنت قد أمرتكم والآن أنهاكم… وهي أحاديث شهيرة يعدل الرسول فيها توجيهاته بحسب حال الأمة.

فإذا كان النبي الكريم وهو مصدر التشريع يصدر عنه الحكم مراراً ثم يراجع فيه، ويقر عشرات المرات بأن غير ما قضى به كان أحكم، وفي سياق قريب من ذلك نذكر مسألة تحول القبلة مرتين ومسألة أسارى بدر وندمه على ما قضاه بشأنهم بعد عتب القرآن عليه، وإذنه للمتخلفين ثم مراجعة القرآن الكريم له، وإباحته لحوم الحمر الأهلية ثم نهيه عنها، وإباحته للمتعة ثم نهيه عنها، ومنعه من ادخار لحوم الأضاحي ثم إباحته لها، وفتواه بالمفارقة في مسألة الظهار ثم رجوعه عن ذلك وإقراره الكفارة بعد مجادلة المرأة بالحجة والبرهان، وفتواه بالحد على هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء ثم رجوعه عن ذلك، وتشريع الملاعنة في قاذف الزوجة خصوصاً، وإعداده الصلح مع غطفان وهوازن يوم حنين ثم اتباعه لرأي السعدين في الكف عن المصالحة، وقراره لزوم المدينة لمواجهة جيش أحد ثم تغيير رأيه فيما بعد وخروجه إلى جبل أحد، وهي مواقف تعد بالعشرات إن لم نقل بالمئات وكانت ترسم في النهاية استجابة واضحة لمطالب الناس والتزاماً بما ثبت برهانه ودليله ولو كان بخلاف ما سبق من الوحي كتاباً وسنة، سواء أكان ظهوراً لحقيقة علمية أو استجلاء رأي شعبي أو مصلحة عليا للأمة.

وسنأتي على عدد مفصل من الأمثلة على ذلك في الفصل اللاحق.

ولا أعتقد أن ثمة تعارضاً بين التعبير الأصولي (النسخ أو طروِّ النازل) وبين التعبير العصري الاستجابة للسياق الديمقراطي، بجامع أن كلاً من الأمرين في المآل هو عدول عن حكم شرعي مبرم إلى ما فيه مصلحة الأمة والشعب، وعدم صحة الاعتذار بالمقدس والمبرم في مواجهة مصالح الأمة الحقيقية.

ومن العجيب أن هذا التطور الهائل الذي طرأ على الرسالة من خلال نسخ 21 آية و48 حديثاً خلال عمر الإسلام البالغ 23 سنة في مجتمع لا يزيد أعضاؤه عن مائة ألف ومساحته عن نصف مليون كم مربع كلهم من أمة واحدة وشعب واحد وثقافة واحدة وطبائع واحدة، يطرح السؤال الكبير عن الحاجة الملحة للتجديد والتطوير بعد أن عبرنا أكثر من ستين ضعفاً في الزمان فمرّ أربعة عشر قرناً، وستين ضعفاً في المكان فأصبح العالم الإسلامي ينتشر في 60 مليون كم مربع بعد أن كان في أقل من مليون، وتجاوز المسلمون العدد الأول بأكثر من ألف ضعف، ودخلت شعوب وملل وأمم لا تحصى في دائرة الإيمان بالقرآن الكريم وإقامة شعائر الإسلام، ولا أشك أبداً أن لو كتب للرسول الكريم حياة طويلة لاستمر النسخ والتجديد كل يوم كما هو شأن الحياة ودفقها المستمر.

يبقى السؤال هنا مشرعاً: ما معنى أن نشيد بالنسخ مظهر تطور وتجدد وحياة في حين أنه يتعين علينا الجزم بأن باب النسخ قد أغلق بالكلية عند موت الرسول، وما فائدة هذه الإشادة المفتعلة بقدرة الشريعة على التطور مع التسليم بأن ذلك خاص فقط بعشرة أعوام مرت قبل ألف وأربعمائة سنة، في نماذج محددة لا تتجاوز أصابع اليدين؟

من وجهة نظري فإن مشروع تطوير الشريعة وتجددها لم يتوقف أبداً بموت الرسول وما كنا نعبر عنه بالنسخ تم تحقيقه بآليات أصولية بارعة تحظى باحترام كافة علماء الإسلام، الذين لم يقعدوا أبداً عن اقتراح الجديد والمفيد في الشريعة، تحت عناوين كبيرة وحكيمة: تقييد المطلق، تخصيص العام، تأويل الظاهر، تحقيق المناط، تنقيح المناط، تخريج المناط، الاستحسان والاستصلاح، إلى غير ذلك من عناوين كبيرة، أعتقد أن هذه المقالة تشير إليها ولا تستطيع تفصيل القول فيها.‏

دعنا نقل إنها إغراء لك أيها القارئ لدراسة علم أصول الفقه بعمق، واكتشاف القدرة الاجتهادية الحرة التي تحلى بها الفقهاء في عصر الصعود الحضاري في الإسلام، وآمل أن لا تصاب بالإحباط حين تكتشف أن هذه القدرة الاجتهادية الهائلة للأئمة في عصر المجد الفقهي قد تم منعها بضراوة في عصر الانحطاط الذي ورثنا كثيراً من تفاصيله، باختصار إذا أردنا أن يبقى الإسلام حياً فعلينا أن نأخذ من تراث الآباء الجذوة لا الرماد.‏

وأحب أن أضيف هنا موقفاً آخر لعدد من علماء الأصول، الذين تحدثوا بإسهاب عن النسخ، ونصوا أن النسخ يكون بالكتاب ويكون بالسنة ويكون بالإجماع.

وقد يبدو القول بالنسخ بالإجماع مستهجَناً، ولكنه في الواقع حصل مراراً في تاريخ الفقه الإسلامي وأشهر مسائل نسخ القرآن بالإجماع هو ما وقع في الميراث وبشكل خاص في ميراث الجد والأم، فقد تكرر من الصحابة الكرام لجوؤهم إلى الشورى واختيار وقف العمل بالنص القرآني بالإجماع لتحقيق العدالة.

ومع أن القول بنسخ القرآن بالإجماع غير مشهور ولكن لا بأس أن نذكر عدداً من الفقهاء أشاروا إليه اعتباراً أو إخباراً، ومنهم:

الحافظ ابن عادل الحنبلي في كتابه اللباب في علوم الكتاب ج 3 ص 242 وقد علل ذلك بأنهم علموا وجود دليل تقديراً، كما أورده ابن حزم في كتابه الإحكام في أصول الأحكام ج 4 ص 120، كما اورده السرخسي في أصوله وانتصر له ج2 ص 66، كما أورده الآمدي في أصول الأحكام في معرض نسخ الثلث للأم بالأخوين ج3 ص163

وانتصر له البزدوي في كشف الأسرار ج3 ص 175، ونقله الزركشي في البحر المحيط عن الحنابلة ج5 ص 287، ونقله عن السرخسي ايضا ابن الموقت الحنفي في التقرير والتحبير ج3 ص69، ونقله علاء الدين الصالحي في التحبير وعلله بأنه على تقدير وجود ناسخ لم يظهر لنا ج6 ص 363

ونقله امير بادشاه الحنفي عن أئمة الحنفية في تيسير التحرير ج3 ص209

ونقله الشوكاني في ارشاد الفحول عن أئمة الحنابلة على تقدير الناسخ ج 2 ص75

ونقله بدر الدين العيني عن أئمة الحنفية في كتابه البناية شرح الهداية ج 3 ص 445

وإضافة للأمثلة التاريخية في علم الميراث وما قام به الخلفاء من نسخ النص عن طريق إجماع الفقهاء، فإن الأمثلة اليوم كثيرة جداً، وإن كان فقهاؤنا لا يسمونها نسخاً وإنما يكتفون بأنها تأويل أو تخصيص أو تقييد، ولكنها في المآل وقف العمل بنصوص مباشرة في القرآن الكريم بناء على مصالح الأمة وفق إجماع الدول الإسلامية التي تعبر عن جماهير الفقهاء فيها، ومن هذه المسائل:

آيات ملك اليمين التي تكررت في القرآن أربع عشرة مرة، فقد انتهى إجماع الفقهاء والحقوقيين في البلاد الإسلامية إلى تأييد إلغاء الرق، ووقعت الدول الإسلامية كافة على اتفاقية منع الاتجار بالبشر ومقتضاها منع كل أشكال الرق والاستعباد، وآخر الموقعين كان موريتانيا عام 2014 وهذا من صور الإجماع الواضحة في العالم الإسلامي كله على نسخ هذا الحكم الذي ظل موجوداً في النص مع أن رسول الله حاربه بضراوة وقناعتي انه مات وليس في المدينة كلها عبدٌ ولا أَمَة.

الآيات التي تأمر بقتال من يجارونا من المشركين: قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطو الجزية عن يد وهم صاغرون.

فهذه الآيات ونظائرها تأمر بقتال الأمم المشركة لمجرد كفرها وشركها، وتعلق وقف القتال عنهم بدفعهم للجزية، ومقتضى ذلك وجوب قيام حالة الحرب مع كل دولة مشركة، ولكن الدول الإسلامية جميعاً بمن فيها من فقهاء وعلماء وحقوقيين أقروا بناء علاقات السلم وحسن الجوار مع الأمم الأخرى، وأصبح الإجماع متحققاً في تصديق الاتفاقيات التي تعقدها الدول الإسلامية مع الدول التي يسود فيها الشرك، وتتضمن هذه الاتفاقيات حسن الجوار والصلح الدائم والتبادل الدبلوماسي وهذا كله يعتبر إجماعاً نسخت به أو قيدت به أو خصصت به الآيات الآمرة بقتالهم ابتداء.

أحاديث التصوير وهي شديدة وصارمة في منع كل تصوير واعتباره مضاهاة لخلق الله والأحاديث في ذلك كثيرة ومتوافرة، ومنها: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، ومن صور صورة كلف يوم ا لقيامة ان ينفخ فيها الروح وليس بنافخ.

ولكن الفقهاء اليوم تجاوزوا ذلك كله، وقد كان التصوير في القرن الماضي من أشد المسائل المحرمة، ولأجل ذلك لا تجد في التاريخ الإسلامي صوراً أو تماثيل لأي من الصحابة أو الأعلام، ولكن الأمر اليوم بات في غاية الاختلاف، ومشاركة الفقهاء اليوم على اختلاف مشاربهم بالعمل الإعلامي تكرس واقعاً من الإجماع على إباحة التصوير، ووقف العمل بالنصوص الكثيرة التي تحرم التصاوير.

إن إحياء ثقافة الإجماع ناسخاً بات ضرورة تشريعية حاسمة، وهو في الواقع كان كذلك عبر التاريخ كله، وإن كان الفقهاء ينصحون بتعابير أكثر لطفاً وتأدباً قيتحدثون عن الإجماع بوصفه مخصصاً أو مقيّداً أو مؤولاً، ولكنهم في الواقع يمارسون النسخ بكل تفاصيله عبر قاعدة الزم سواد الناس الأعظم، ولا تجتمع أمتي على ضلالة وهي جوهر العملية الديمقراطية.