18 تجربة للفن والروح في “ثلاث حجرات ونصف”

علاء رشيدي- المدن

“إنها أول تجربة معرض مشترك تقام في الغاليري”، تقول نلسي مسعود، منظمة المعرض الجماعي لأبرز الفنانين التشكيليين الذين تعاونوا في السابق مع غاليري 392 رميل 393، وأطلقت عليه اسم “ثلاث حجرات ونصف”، وهي الحجرات الثلاث بأسلوب العمارة الفرنسية القديم والتي تشكل مساحة الغاليري.
يضم المعرض لوحات 18 فناناً وفنانة، يتوزعون على أربع جنسيات: لبنان، سورية، إيران، وأرمينيا. وقد قدم كل فنان وفنانة أكثر من عمل فني. اقتصرت المشاركات الفنية على اللوحات. بمشاركة مصورة فوتوغرافية واحدة، وجاء التنوع الأوسع بالمقترحات الجمالية التي يقدمها الفنانون. 

السَّهر، العُريّ، القرية

يشارك الفنان الإيراني علي رضا شوجيان بعمل يعتبر نموذجاً عن لوحاته التي تسعى إلى أن تعكس جماليات الجسد ووضعيات الأعضاء البشرية متلمساً نوعاً من الواقعية، بينت رغبة الفنان المستمرة في إيصال ما هو حسيّ لعَين المتلقي. تركز اللوحة تركز على وضعيات تتداخل فيها الأذرع والساقين بتقنية ألوان الباستيل، الإكريليك والرصاص. 
ومن بعد تطالعنا لوحة تجريدية كبيرة للفنان اللبناني بول مري بعنوان “القرية”، تشكل اللوحة عنوانها من خلال العلاقة بين الكتل اللونية التي تشغل مساحة سطحها، تالياً نشاهد لوحة “سماء بيروت” للفنان محمد بيري، وهي تتضمن أبراج مراقبة معدنية متعددة الطوابق التكعيبية، وبألوان متقشفة بين الأخضر الغامق والرماديات. فهل هي تورية؟ هل يحاول الفنان بلوحته أن ينتقد الواقع الإسمنتي؟ أم أنه يقدم جمالية حداثية حيث الأبراج التكعيبية هي جماليات العمارة الحديثة؟

تالياً، تحتوي لوحة السوري جوني سمعان بعنوان “Up”، أربعة موسيقيين يعزفون على آلاتهم، بحضور جمهور محتشد من حولهم، وفي أعلى اللوحة حيث يمكن تمييز جسد أنثوي عار، وهي محاولة في نقل عوالم متميزة من مكان للسهر والرقص والموسيقى، إن اختيار الخطوط والألوان توحي بالعوالم المشحونة بنشوة الطرب وتمايلات الإيقاع. هذه اللوحة يميزها الأسلوب التعبيري، والموضوعة المتعلقة بالموسيقى، يقول جوني سمعان: “اعمل على نقل مشهد من الحياة الثقافية في المدينة”. 

وقبل ختام الحجرة الأولى، تطالعنا لوحة بعنوان “تحدث إليّ” للفنان اللبناني بول شمالي، يصنفها في خان التشخيصية التجريدية التعبيرية والتي أنتجها في العام 2017، تتشكل الكتل فيها من زوايا حادة، وتتراكب المساحات اللونية بحتمية الأشكال الهندسية وخصوصاً المثلثات، يؤكد بول شمالي بأن لوحاته تستلهم من فن الغرافيك، والفوتوغراف، والعمارة، هذا المزيج يجعل من الاقتراح الجمالي للوحته متعةً بصرية لعين المتلقي.

أقنعة العُمر

أسلوب جديد تحمله إلينا الحجرة الثانية مع أعمال الفنانة شوكان إيان، وهي أربعة بورتريهات منفذة بتقنيات الفوتومونتاج على إكريليك، جميعها ترتدي الأقنعة التي تصر الفنانة على موضوعها تكررها على الدوام في أعمال البورتريه خاصتها. تشرح الفنانة: “كل كائن بشري يمتلك طبقات لا نهائية من الأقنعة، يراكمها على مدار حياته”، وهذي هي أربعة نماذج من أعمالها تقترح جماليات معاصرة، في إستعمال أكثر من تقنية غاية تحقيق الفكرة التي تعمل عليها الفنانة، وهي تلك العلاقة بين البورتريه والقناع، تشكلها بألوان أنيقة، ومنظور مباشر، يميز المتلقي أعمال هذه الفنانة الفوتوغرافية التي اختيرت من أفضل عشرة مصورين فوتوغرافين في مسابقة بنك بيبلوس في العام 2014.

“منزل القوة أو منزل السلطة” هو عنوان اللوحتين اللتين يشترك في تحقيقهما الفنان اللبناني مارك غصوب والفنانة الإيرانية نيجين فلاح، تقول القائمة على المعرض: “لقد نفذت هاتين اللوحتين خصيصاً للمعرض الحالي”، ولا تخطئ عين المتلقي الجهد المبذول في التعاون الثنائي بين الفنان والفنانة. يعمل مارك غصوب بتقنية البخ، أما نيجين فلاح فقد عملت على القسم الخاص بالرسم. منزل القوة أو منزل السلطة عرف كمكان تجتمع فيه شخصيات تناقش وتتخذ القرارات التي تتعلق بمستقبل البلاد. نجد في هذا العمل، لوحتين، الأولى تمثل اللحظة التي تعتلي فيها المصارعة الأنثى الحلبة وهي محاطة بالجمهور، وفي اللوحة الثانية نشهد النزال. 

يستلهم الفنان الإيراني بهروز روزبهاني موضوعاته من قضية المرأة في الشرق الأوسط، يجمع بين تقنية الطباعة على شاشة حريرية ورسم الإكريليك، يرسم الممثلة الإيرانية جولشيفتي فاراهاني التي عانت صعوبات كبيرة بعد مشاركتها في فيلم أميركي، لم ترتد فيه الحجاب حسب القوانين المفروضة في إيران، فمنعت من السفر، وصودر جواز سفرها. تجمعها اللوحة مع رمز أنثوي آخر من تاريخ إيران حسب وجهة نظر الفنان، ألا وهي الملكة فرح بهلوي. هكذا يدمج الفنان في لوحته جسد الممثلة فاراهاني، مع وجه الملكة فرح ديبا بهلوي وهي ترتدي تاجاً مذهباً ومرصعاً بكلمات بيت شعر يحققه الفنان بطريقة الخط العربي، كتب فيه: “مهما أصاب الوعاء الذهبي من سواد وقذارة، لن يخفي حكايات معدنه الأصلي الثمين”.

جماليات اللون في فوضى المدينة 

تشارك الفنانة السورية عزة أبو ربيعة بثلاث لوحات، لا تحمل المقدار ذاته من الحرفية والمهارة الفنية التي ميزت لوحاتها بتقنية الحفر. قالت الفنانة “إن اللوحات الثلاث التي تشارك فيها هي تجربة ترغب من خلالها التعرف على رأي الجمهور بالتقنيات التشكيلية الجديدة التي تنوي الشروع بها في تعاملها مع اللوحة”. لكن شعرية حالمة تسيطر على الأعمال الثلاثة، دون أن تبث تلك القدرة السابقة على إحداث تنويعات في المشاعر التي يبلغها المتلقي أمام أعمالها السابقة، كما يغيب عنصر السرد الحكائي في الأعمال الجديدة لصالح وضعيات شعرية حالمة كما في اللوحة الأكبر من بينها.

الفنان الموسيقي السوري محمد خياطة أيضاً كان قد حقق معرضاً فردياً مع غاليري الرميل، وهو يشارك بلوحة تمثل نموذجاً جيداً للتعرف على أعماله وأسلوبه بعنوان “العنود”، وكذلك هناك رباعية من لوحات حبر بقياس أصغر حجماً، تتمتع هذه الرباعية بالمميز من الخفة، والقدرة على السرد، فهي تعرض تنويعات لأشخاص في حياتهم اليومية إلا أن تعابيرهم، والجو المتقشف الزخرفة والألوان يبين المضمون الذي أراد الفنان إيصاله، فهو يقول: “أعمالي متأثرة بالترحال. لذلك رغبت العمل على موضوعات مثل الهجرة، الذاكرة، والهوية. أتمنى أن تصل أعمالي كتحية لمن أجبروا على الهجرة والترحال من الأمهات والعمال، هي أعمال من صلب حياتي اليومية التي أصبحت بعيداً عن الأهل تتطلب مزيداُ من الجهود، والأمل”.

أعمال الفوتوغراف الوحيدة في المعرض، تعود للفنانة اللبنانية غنى سباعي، وهي مجموعة صور لتفاصيل معمارية وتشكيلية لمدينة بيروت، تحاول فيها الفنانة أن تستنبط الجماليات اللونية والتشكيلية من الفوضى التي تعيشها المدينة اللبنانية.

وأخيراً، نذكر أعمال الفنان سيرج مانوكيان، لوحات ثلاث من القطع المتوسط، غنية بالتجريب اللوني، وبتكوينات الأشكال التي تتناوب بين الواقعية كما في لوحة عازف الغيتار، وبين الكائنات الغرائبية كما في لوحة ( Non Cogito)، التي تمتع المتلقي بطبقات العوالم التي تخلقها، دون أن تتخلى عن أسلوبية البساطة، دامجاً عدداً من من التقنيات كالرسم والكولاج، كما في لوحة قارئ الكتاب الجالس بين حيواناته من القطط التي تتنوع أشكالها وطريقة حضورها بين المبسط، الهزلي، والتقليدي. إن أعمال اسيرج بكثافة العناصر البصرية داخل اللوحة، وبراعة التنويع اللوني، تحمل على الدوام متعة سردية يستشعرها المتلقي من خلال اللحظة، المشهد، الحكاية التي اختار الفنان أن يحققها داخل اللوحة، على أمل التعرف على عدد أكبر من أعماله.

تجربة غاليري 392 الرميل 393 في “ثلاث حجرات ونصف”، تغيب عنها فكرة المفهوم Concept، الجامع لأعمال الفنانين المتعددة، لكنها تبقى تجربة تستحق التشجيع سبب ما تحققه من تنوع جمالي بصري، وتعدد في الأساليب الفنية والتقنيات التشكيلية. المعرض الحالي يحقق متعة للمتلقي بالتعرف والتأمل على أعمال فنانين وفنانات، يحثون الذهن والخيال في آليات التلقي، المقارنة، وتطوير الذائقة الجمالية.