دمشق تزرع إيقاع الحياة في حديقة الكتاب

نضال قوشحة – العرب اللندنية

في قلب العاصمة السورية دمشق، يختص حي الحلبوني، الممتد من محطة الحجاز والواصل لمبنى جامعة دمشق، بالعشرات من المكتبات التي يعود عمر البعض منها لعشرينات القرن الماضي كمكتبة النوري الشهيرة والمعرفة وغيرهما، كما تمتد على المئات من الأمتار العديد من مكتبات الطريق.

وكان للمدينة العديد من المعارض الدورية التي تقام عبر عدد من الفعاليات الرسمية والأهلية تشارك فيها مئات الدور من عشرات البلدان وتقدم فيها الآلاف من العناوين، لكن هذا النشاط، وبسبب الظروف الأمنية غير المستقرة في البلاد، شهد تراجعا كبيرا في عمليات النشر واستيراد الورق والكتب، وأغلقت بعض دور الطباعة أبوابها، وحجب إنتاج بعض الدور العربية الأخرى إما بسبب المنع وإما بسبب الغلاء، فشراء كتاب صار مكلفا وعبئا على المواطن العادي الذي يعاني أصلا من حالة ركود مالي، بسبب شح المداخيل المالية لعامة الناس، وتراجع مكانة الكتاب أمام متطلبات أخرى  أكثر إلحاحا، كالغذاء والدواء والتعليم والنقل والسكن وغيرها.

وأمام هذا الحال، ومع تراجع حضور الكتاب في حياة السوريين، خاصة مع وجود حالة التنافس الكبيرة التي فرضها وجود المكتبات الإلكترونية التي تقدم كما هائلا من الخيارات المجانية، صار وضع المكتبات في دمشق وسوريا عامة مأساويا. وتحولت بعض المكتبات لتقديم خدمات أخرى كخدمات تصوير المستندات والقرطاسية، ومكتبات أخرى تحولت لبيع الحلويات، وقسم آخر واكب العصر فصار محلا لبيع الجوالات، وأشهر مكتبة في قلب المدينة صارت مقهى نصف شعبي.

أهل الكتاب من سكان دمشق المعنيون بالقراءة، والذين مازالوا يهتمون به يقاومون هجر الدمشقي للكتاب، وظهرت خلال السنوات الماضية العديد من التجارب التي حاولت التغلب على هذا الأمر، فظهرت تجربة كانت تقوم على إعطاء الكتب التي تزيد عن حاجة الشخص والتي تشكل عبئا عليه، ليستفيد منها آخرون، واستطاعت هذه التجربة التي لم تستمر طويلا أن تحقق بعض الحضور في الوسط الثقافي الدمشقي حينها. وقامت مجموعة تجارية خاصة منذ سنوات في أحد المولات التجارية الكبيرة في منطقة راقية بدمشق بإقامة مكتبة توضع فيها الكتب ويقرأها الجميع.

ونشطت مجموعات من طلاب الجامعة في العديد من الكليات لتأسيس روابط تعنى بموضوع الكتاب، إحداها كانت ترشح مجموعة من الكتب على شبكات التواصل الاجتماعي، ليتم التصويت على شراء أحدها، ثم يتم تداول وجوده بين الجميع لكي تتم قراءته.

وحديث جدا قام تجمع أهلي، يسمى “إيقاع الحياة” ويهتم بالحياة الثقافية والفنية، من خلال إقامة العديد من الفعاليات في الرسم والموسيقى والغناء، بتأسيس ما يسمى “الحديقة التبادلية للكتاب”، وهو مشروع أقيم في إحدى حدائق مدينة دمشق (منطقة القصور) حيث وجدت فيه رفوف خاصة للاحتفاظ بالكتب، ويستطيع أي شخص أن يتفاعل مع هذه المكتبة من خلال إعارته لها كتبا منه، أو استعارته لكتب منها.

انطلق المشروع من فكرة “خذ كتابي، وأعطني كتابك”، والهدف وصول جميع الكتب لأكبر شريحة ممكنة من الناس، بغية تبادل المعرفة الثقافية والفكرية، وكذلك التغلب على الحواجز الموجودة التي تحول بين القارئ والكتاب، من غلاء ومنع وغيرهما. موفق مخول، وهو فنان تشكيلي مشرف على فريق “إيقاع الحياة” المتبني للفكرة يقول عنها “الهدف منها أن يعرف الجميع أن الثقافة ملك للكل، وبدلا من وضع الكتب على الرفوف المنزلية، فإن الأفضل أن تكون في أماكن تقدم فائدة أكبر ويكون الناس في حالة تفاعل حقيقي معها”.

ويضيف “من هذا المنطلق يمكن لأي شخص أن يأتي للحديقة التبادلية، ويضع كتابا فيها ويأخذ بدله كتابا آخر، وبهذا يتحقق الهدف الأبعد من وجود الكتاب كجامع للأفكار والمعلومات في الرف، ويبقى في حال توقد دائم بين يدي القراء”.

ويقول مخول “نهدف من خلال هذا المشروع إلى تكريس الحالة الثقافية والروحانية لجمهور القراء من خلال وجودهم في الأماكن العامة التي ساهمت لدى العديد من المبدعين في العالم وعبر العصور، بإيجاد حالات إبداعية هامة، فالعديد من الرسامين والروائيين والموسيقيين كانوا يعملون في الأماكن العامة، هو مشروع حضاري، أحببنا أن نعمل عليه لتجاوز الحالة الراهنة  وتكريس الحالة الحضارية التي يحتاجها الناس” .

ولاقت الفكرة الكثير من الاستحسان لدى طرحها على الجمهور، وبلغت صداها إلى تبني العديد من الجهات العامة السورية هذا المشروع والحديث عن إمكانية دعمه بالشكل الذي يوفر له عوامل ثبات ونجاح أكبر، خاصة مع وجود العديد من المؤشرات التي تؤكد أن الكتاب مازال يحظى بعدد هام من القراء، ولم يفقد دوره كما يشاع في نقل المعرفة.