بسام سفر : من هو الخال؟

بسام سفر – مجلة رؤية سورية ع 24 / تشرين الأول 2015م

Unbenannt

الخال ناشط سياسي، يساري، معتقل سابق، اعتقل مرات عديدة منذ نعومة أظفاره، عندما كان عمره أربعة عشر عاماً سجن في سجن المزه في الأشهر الأولى من عمر الانفصال، ومنذ ذلك الحين لم يغادر العمل السياسي، والنضال اليومي ضد القهر والقمع الذي مارسه النظام على الشعب السوري، أمضى في سجن تدمر سنوات طويلة، وفي سجن صيدنايا ( السجن العسكري الأول بدمشق) سنوات طويلة أيضا. شارك في لقاء دير الزور التحالفي في العام2001، وفي التجمع الوطني الديمقراطي، وإعلان دمشق، وهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الوطني الديمقراطي في سوريا. حوصر في مدينته دير الزور لأكثر من عام، وخرج منها حديثاً عن الحصار ونشاطه السياسي في بداية الثورة السورية بادرنا بالحديث التالي:

دير الزور مدينة هادئة نائمة على شط نهر الفرات الشرقي هويتها السياحية الجسر المعلق الذي دمر في الأشهر الأخيرة من الصراع المسلح الدائر بين المسلحين والنظام. حزن أبناء دير الزور على هذا المعلق الغالي على قلوبهم، والذي  يعتبر تحفة عالمية سياحية.

ناضلت المدينة ضد الاحتلال العثماني، ومن ثم ضد الاحتلال الفرنسي، وتعد حاضرة المنطقة الشرقية بعد مدينة حلب على كل الأصعدة الزراعية، الصناعية، الثقافية، النسائية، والسياسية، تراجعت فيها الحركة النسائية والسياسية بعد الاستقلال ، وظهور التيار الإسلامي السياسي الذي عمل على محاربة كل ما هو ديمقراطي بدعوى محاربة الغرب الاستعماري، وأبقى على الحركات الصوفية الذي أوجدها الاحتلال العثماني. إلا أن الحركة السياسية دبت فيها الروح والنشاط القومي العربي بعد نكبة فلسطين، وأصبحت القضية الفلسطينية محور نضالاتها وبرامجها السياسية، إلا أن سيطرة العسكر على السلطة في آذار عام 1963، وبدا الإبعاد والقمع وحضرت كل المسائل والقضايا المختلفة من عشائرية وريف ومدينة وابن مدينة وابن قرية، وهذا اضعف الحركة السياسية في المدينة.

في العام 2011 انتفض الشعب ضد القهر والقمع والإقصاء وشارك في هذه الانتفاضة أبناء الريف والمدينة وكل طبقات الشعب المتضررة من النظام مطالبة بالحرية والكرامة.

مطلع الألفية الجديدة سادت دعوات الإصلاح، كيف كانت ذلك؟!

**منذ عام 2000، روج ما يسمى ربيع دمشق وتخفيف القبضة الأمنية، وحصلت  لقاءات بين أطراف الحركة السياسية على اختلاف إيديولوجيتها، توافق الجميع  عليها، وكل من(منطلقه السياسي) لتحقيق الإصلاح، والعمل من اجل الديمقراطية ومحاربة الفساد وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتجلى ذلك بانتفاضة 2011 تموز، حيث رفعت رايات حمراء وخضراء وشارك الجميع دون استثناء في النزول إلى الشارع والتظاهر ضد القمع والفساد ولتحقيق الديمقراطية، إلا أن قوى التطرف الديني من جهة والأطراف الأخرى داخل النظام لم يرق لها هذا التوافق، وعمل كل من طرفه على إفشال انتفاضة هذا الشعب.

القوى الدينية دفعت باتجاه العسكرة، وقوى داخل النظام مولت بالسلاح هذه الأطراف من اجل إدخال الانتفاضة إلى مربع العمل العسكري والذي يعرف النظام انه هو الطرف الأقوى في هذا المجال.

واستطاع المتظاهرون الوصول إلى إحدى الساحات الرئيسية في المدينة (ساحة المدلجي)، وكان هناك على بعد أمتار قليلة ساحة أخرى يحتلها النظام.

في الساحة الأولى عقدت حوارات لقاءات وهتافات تبين توجهات المنتفضين، التي فيها(المتطرف الديني، المعتدل، الديمقراطي، اليساري، وبقية أحزاب المعارضة كل حسب تواجده)، وبقي هذا الوضع لشهرين كاملين، حتى بدأت قوى التطرف بحمل السلاح والاشتباك مع قوى النظام، وإبعاد كل ما هو ديمقراطي ويساري.

وجاء إعلانها تحرير بعض أحياء المدينة، وبدا النظام القتل بالجملة والاعتقال، وبدأ التهجير إلى خارج المدينة حيث نزح معظم السكان إلى مدينتي الرقة والحسكة، وبقي المسلحون في أربعة أحياء من المدينة، والنظام في حيين من المدينة( الجورة والقصور).

*مدينة دير الزور مرت بمراحل متقلبة قبل وصول” داعش، تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، هل يمكن أن توجز لنا هذه المراحل؟!

** سيطر الثوار على معظم محافظة دير الزور من البوكمال إلى حدود محافظة الرقة  وشكلت الهيئات الشرعية الإسلامية في القرى والمناطق والمدينة وجميعها من لون واحد (إسلامي).

واعتقد البعض أنها قوى إسلامية معتدلة، لكن بعد عدة شهور سيطرة النصرة على كافة الريف والمدينة بعد مبايعة من قبل ما عرف (بالجيش الحر)، إلى أن جاء تنظيم الدولة الإسلامية ليكتسح بقواته الريف والمدينة وتمت مبايعته من جميع الأطراف بالقوة والمال والسلاح.

*كيف وصلت” داعش” إلى حصار جزء من مدينة دير الزور ؟!

** استطاعت داعش بسط سيطرتها على منابع وحقول النفط في المحافظة وجميع المراكز الهامة فيها من مصانع وحقول غاز ومزارع، ولم يتبقى سوى جزء من المدينة والمطار تحت سيطرة النظام مع بقاء طريق دير الزور – دمشق ودير الزور – حلب مفتوحاً، وكان الجزء الذي سيطر عليه قد دعا إليه معظم سكان المدينة وافتتحت الجامعات والمدارس وبعض مؤسسات الدولة، محاكم، تربية، مالية، اتصالات، الهجرة، النفوس، وبقي الأطراف المتصارعون يتقاذفون الصواريخ والقذائف والشعب يعيش حياته العادية رغم بعض القتلى والموتى غير عابئين بما (يجري شكلاً) لأنه على ضوء تجربة كفرنبل القوى المتصارعة، إلى أن فرضت داعش الحصار على الجزء الذي  يوجد فيه النظام ومعظم أهالي المدينة في 1/12/2014، تحت عنوان هؤلاء كفار يجب معاقبتهم، وأغلقت جميع المنافذ المؤدية إلى المدينة

بدأت المحلات بالإغلاق إذ قطع عنها دخول المواد الغذائية والأدوية، وكل ما يمت  إلى استمرار الحياة بصلة، وسمحت داعش  بخروج بعض الأسر والمرضى، الذين سمح النظام بخروجهم بحجة كبار السن والمرضى.

* ماذا كان سلوك النظام وقواته بعد وصول”داعش” لحصار مدينة دير الزور ؟!

** مع تدخل النظام بدأت المأساة أكثر إذ طلب من أهالي المدينة الانخراط في الحشد الشعبي الذي يقوم به النظام، وطلب منهم التطوع في صفوفه من اجل فك الحصار وتحرير طريق تدمر – دير الزور، ورغبته بتطويع خمسمائة من أبناء المدينة، وألف متطوع لاسترداد القسم الثاني من المدينة. لم يستجيب لذلك سوى القليل.

وبدا محاولة باءت بالفشل في معركة ما يسمى جبال( ثروه)، وارتد النظام ليعقب المدينة وأبناءها من خلال ندوات يلقيها ضابط كبير يلقي فيها الكلام القاسي والعتب على أبناء المدينة وشبابها وخاصة من يجلس في المقاهي ويقف متفرجاً.

بدأت المأساة تكبر من خلال فقدان الكثير من المواد الغذائية وارتفاع أسعارها ودخول تجار الحرب اسم تجار وطنين يعملون لفك الحصار، ولعبوا دور واجهات لبعض المتنفذين في السلطة.

كيف توصف حال المدينة وأبنائها في ظل الحصار(الرجال، النساء، الأطفال)، وكيفية تعامل هذه الفئات مع حالة التميز الواضحة بين (زلم) النظام في كافة  المستويات، وما بين الإنسان العادي من أبناء الدير؟

** المدينة مدينة أشباح، وتشعر الموت يحوم فوقها، وعلى رؤوس أبنائها في كل لحظة، تفككت العلاقات الاجتماعية والأسرية، وانتشر الفساد والإفساد أكثر، ولاقى استجابة اكبر في صفوف النساء نتيجة الحاجة إلى لقمة الخبز.

 الكل يلعن داعش والنظام وزبانيته الذين انتشروا في كل مكان، النساء ينتظرون ساعات طويلة أمام الأفران للحصول على رغيف خبز، والرجال ينتظرون الساعات طويلة أمام بعض المؤسسات التي لا تفتح أبوابها إلا قليلً للحصول على بعض المواد التموينية، والأبناء يذهبون لتامين الحطب والغاز، وفي الوقت نفسه تؤمن الكثير من المواد التموينية إلى زلم النظام وأعوانه بطريقة سلسة (الحزب، الأمن، الجيش الوطني، المحافظة)، أما أبناء المدينة يعانون الأمرين في تامين ابسط الحاجيات كالخبز مثلاً.

ارتفعت أسعار المواد التموينية ارتفاعاً شديداً في أسواق دير الزور، ما هي أسباب هذا الارتفاع وهل يمكن أن تسمي لنا أسعار هذه المواد؟

**  ارتفعت أسعار المواد الغذائية والتموينية ارتفاعا لا يخطر على بال احد ولا يقبلها عقل وكأنها أسعار أنزلت من القمر أو من احد المجرات الفضائية إذ أصبح سعر علبة السردين 900 ليرة سورية، وربطة الخبز 7 رغيف 500 ليرة، وسعر كيلو العدس المجروش 2000 ليرة، وعلبة المر تديلا 900 ليرة، وكيلو السكر 4600 ليرة، وليتر الكاز 1250 ليرة، وسعر البيضة الواحدة 250 ليرة، وسعر علبة المربى 2800 ليرة، وعلبة الحلاوة 300غرام ب 1250 ليرة، وسعر كيلو الرز 1400ليرة، وسعر ليتر الزيت النباتي 1800 ليرة، وسعر كيلو البندورة 1200 ليرة، وسعر كيلو السيدة كوسا 1200 ليرة، وكيلو الجمعة ( بقلة) 400 ليرة، وسعر كيلو اللحمة الهبر 5000 ليرة، أما أسعار الدواء حدث ولا حرج أنها مفقودة من المدينة وان وجدت فأنها بأسعار خيالية.

المشافي لا تعمل إلا في حالة الإسعاف لأنه لا يوجد أطباء ولا يوجد كهرباء ولا يوجد ماء، وان وجد لا بد من استخدام الديزل الذي أصبح نادراً ومفقودا وبأسعار غالية جدا ليتر المازوت 1250 ليرة، وسعر البنزين 2000، ويهرب عبر النهر من داعش، ويهرب عبر الحواجز الذي يسيطر عليها النظام، ونتيجة للفساد وتضاف أسعار خيالية على كل سلعة تهرب أن كانت غذائية أو محروقات.

أن الأسباب التي أدت إلى ارتفاع الأسعار أسباب عديدة منها

جشع التجار واحتكار السلعة.

مشاركة المتنفذين من ضباط ومن هم في السلطة، وما يسمى بالتجار الوطنين حيث رفعوا الأسعار واحتكاروها، ويتم إنزالها بالقطارة للمواطنين حيث يبقى السوق خالي من السلعة إلا ما ندر.

وجود شركات وسيطة في النقل بالطائرة لا يعرف لمن تبعيتها ومن هو ورائها

أن تجار الدم  موجودين في داعش يعملون على تحصيل الأموال وكذلك موجودين في طرف النظام يعملون على ملئ جيوبهم وزيادة رصيدهم في البنوك.

المادة الأساسية الخبز كيف تؤمن هذه المادة للمدينة، وما هي سعر الربطة؟!

** من حسن حظ المدينة أن إنتاج السنة الأخيرة من القمح كان موجود ومخزن في العراء وفي المنطقة التي يسيطر عليها النظام، وهو معد للنقل خارج المحافظة وبدأت الاشتباكات ولم يستطع احد نقل هذه المادة الغالية على قلوب أهل المدينة، وركبت طاحونة على عجل لطحن هذا القمح الذي يقدر البعض بأنه يكفي لأربعة سنوات، وهذا المخزون يؤخذ منه لتموين قطعات الجيش والمدنين الموجودين في المدينة المحاصرة، فالجيش يأخذ حصته أولا، والبقية توزع على الأفران الستة الموجودة في الرقعة الجغرافية التي فيها النظام.

وقد استغل هذا الموضوع أبشع استغلال من قبل النظام إذا يعطل الأفران في أيام كثيرة لعدم وجود طحين وأحيانا لعدم وجود المحروقات وتبدأ أسعار السوق السوداء بالرواج عبر وسطاء أغلبيتهم محسوبين على النظام إذ يصل سعر ربطة الخبز 7 أرغفة 500 ليرة سورية.

 الأهالي تحت المطر وفي البرد الشديد، المواعيد مرسومة على أياديهم ساعات طويلة للحصول على ربطة واحدة، إذ يشاهد الصبايا والشباب يحملون البطانيات من الساعة الخامسة مساءً للنوم أمام الأفران ليحصلوا على ربطة الخبز في الساعة الخامسة صباحاً، وفي الوقت نفسه تصل هذه المادة إلى جميع أزلام النظام ومحاسبيه عبر المؤسسات التي يسيطر عليها النظام والجيش الوطني.

* المؤيدين للنظام هل كانوا يعانون ذات معاناة أهل المدينة؟

** الموالاة والمؤيدين معاناتهم قليلة جداً ولهم طرقهم الخاصة للحصول على المواد الغذائية، والخبز عبر أجهزة الأمن والشرطة والمحافظة والحزب، أما الأهالي فأنهم يعانون معاناة مريرة تفوق الوصف.

في الجهة المقابلة عند”داعش” دولة الخلافة الإسلامية”، هل لديك معلومات عن الحياة في مناطقها؟

** في الجهة المقابلة من النهر، وبالمنطقة التي يسيطر عليها داعش، وهي منطقة واسعة جدا الريف العربي، منطقة غنية بالبترول والغاز، وغنية كذلك في الزراعة والماء ومفتوحة على الحدود التركية والعراقية فيها الخضار والفواكه واللحوم والغاز والمحروقات وكل السلع التركية موجودة، والناس يزرعون ويحصدون ويبنون، ولكن لا يوجد فيها المال الكافي وخاصة من هم كانوا موظفين وأصحاب دخل محدود، وهذه المناطق تتعرض إلى القصف بالطائرات والمدفعية بين الحين والأخر.

ذكرت انه رغم الأوضاع المعيشية السيئة في المدينة بقي هناك الصاغة، والذين يعملون في تصريف العملة خصيصاً الدولار، لماذا بقي هؤلاء رغم الحصار؟

** في المنطقة التي تعيش الحصار(المدينة) أغلقت جميع المحلات التجارية والحوانيت وبقي الصاغة وهم يدركون بان أهالي المدينة لم يعد لديهم سوى مصوغاتهم وأثاث بيوتهم للبيع من اجل تغطية الكلفة الباهظة لأسعار المواد والغذائية التي يحتاجها الأهالي وكذلك بقي المصرف الوحيد ( التسليف) الذي يعمل على تحويل الأموال إلى دمشق ( رواتب عساكر وبعض النقود الذي يودعها الآخرين).

كيف يتم تامين المحروقات”بنزين، مازوت، كاز” لسكان المدينة؟

** المحروقات بكل أنواعها كانت تهرب عبر النهر إلى المدينة المحاصرة إلا انه هناك آبار نفط ثلاث في المنطقة التي يسيطر عليها النظام نصب عليها حراقات بدائية على طريقة داعش، بدأت بتمويل المدينة والجيش والمؤسسات إلا أن هذا لم يجدي بخفض أسعار النفط واحتكاره، إذ أصبح هناك جنرال للنفط، وأخر للدخان وأخر للمواد الغذائية وهكذا.

ما هي السبل لفك الحصار عن المدينة؟

** بعد احتلال داعش لمدينة تدمر ذهب الأمل بفك الحصار عن المدينة لأنه الطريق الوحيد الواصل إلى المدن الرئيسية حمص- دمشق، ولكن بالإمكان تخفيف أثار الحصار عن الأهالي  بشحن المزيد من المواد الغذائية عبر الطائرات والسماح للجمعيات الإنسانية بالعمل، والسماح للهلال الأحمر السوري والصليب الأحمر بنقل المواد الغذائية عبر الطائرات السورية، وكف يد ما يسمى بالتجار الوطنيين  وتكليف مؤسسات الدولة الخزن والتبريد، والمؤسسات الاستهلاكية بتوزيع المواد بأسعار معقولة.

كيف خرجت أنت، وعائلتك من المدينة المحاصرة؟

** خرجت أنا وعائلتي عبر طائرات الجيش السوري التي تأتي بمواد تموينية للجيش والأهالي بعد جهد جهيد، وبسب الوضع الصحي الذي يستوجب ذلك.

هل تصف لحظات المغادرة في الطائرة ومن سماء المدينة؟

** بكيت كثيراً على أوضاع شعبي المحاصر والذي يموت فيه الأطفال كل يوم لسوء التغذية ويموت فيه المرضى لعدم وجود أطباء والأدوية

بكيت بحرقة وألم لان مغادرة البيت والمدينة ونهر الفرات أصبحت أمنية للجميع لان الموت جوعاً اخذ يخيم على المدينة الصابرة.

بكيت بحرقة لان الجميع يعتقد أنهم عوقبوا بسب انتفاضتهم ضد الظلم والقهر والفساد.

شاهد أيضاً

هل يتحول لبنان إلى (معبر استثماري) في إعمار سوريا؟ هذا ما صدم الصينيين في بلاد الأَرز!

  عانى لبنان على مدار 6 سنوات من التداعيات الاقتصادية للحرب الأهلية السورية في الجوار. …