عبد الرزاق كنجو: عمر حمدي المهاجر‭ ‬إلى‭ ‬العالمية

202-281x3001-281x300-281x300-281x165

عبد الرزاق كنجو ـ مجلة رؤية سورية ع 25 / تشرين الثاني 2015م

كان من القلائل القادمين من الجزيرة الشمالية السورية الى العاصمة  دمشق,  ومن الذين يحلمون بالوقوف بصلابة تشكيلية تميزه عـمّـن سـواه , فاختار مشروعه المتعدّد الحلقات , في لوحات تحت اسم ( مالفا ) ليعطي للمرأة دوراً مهماً  وإبراز علاقتها بالرجل وبالمجتمع المحلي , بطريقة متحررة من القيود المعهودة .

انطلق من أرضية قروية متواضعة , خاصة بعد ان رفضت الجهات الأمنية  تعيينه كمعلم صف بعد تخرجه من معهد المعلمين , لكنه وقف على أعلى كعوب الأرجل وأثبت شخصه وفنه المتميّز من خلال عمله  الدؤوب طيلة النهار , حيث كان يعمل ليلاً في إخراج الصحف والمجلات بالعاصمة,  ليتمكن بذلك  من الإبداع المستمر,  ولتتصدر لوحاته جدران أكبر قاعات المعارض الفنيّة في دمشق وباقي المدن السوريّة .

لكنه في لحظة إحباط مؤلمة حمل لوحاته تحت إبطه  , ورماها في أقرب حاوية للقمامة , أشعل فيها النيران كما أشعل سيجارته منها إمعانا بكراهية الكون الذي يتواجد فيه , وعاد  راكباً على سطح البّـاص الى مدينة الحسكة في رحلة تستغرق أكثر من خمسة عشر ساعة من الزمن .

    وعندما رحل خارج القطر وجد الهواء الطلق الذي يناسب رئتيه واللوحة التي تسبح فيها  ريشته المتحررة .

أمّـا عن صفته « العالمية « التي يسعى اليها  فاعتقد بأنه كان يدور في فلك التجارب الفنيّة المتعدّدة . يأخذ من هنا .. ومن هناك, ويدمج بين مسالك المدارس واتجاهاتها ليكوّن لنفسه مدرسة فنية خاصة  به – إن جاز التعبير ــ .

 لكنه لم يتميز حتى الآن بما يضمن وصوله الى ذلك المقام . ولو عدنا الى رسوماته الصحفية قبل عشرين سنة لوجدناه يحاول تلمّس الكثير من المدارس والإتجاهات التجريدية البعيدة عن التعبير الذي أراد الوصول اليه فيما بعد .

 وبشكل إجمالي نستطيع القول: بأنّ الفنان  عمر حمدي فنان (شـقّ طريقه الطويل  منطلقاً من درب ضيّـق زلـق ) لكنه وصل بعدها  الى قمم الجبال العالية  .

قال مـرّةً ــ بغرور محبب ومقبول ــ يصف نفسه :

« أنا ببساطة  .. واحد من أهـمّ الملـوِّنين في هـذا العصـر .. أنا قادم من سـوريّة , وجذوري ممتدّة في الضّـوء .. سـأكون آخر من يمـوت .»

لم  يكن يعنيَ نفسه  فقط , ولكنه ــ كما أعـتـقِــدُ ــ كان يقصد بلاده السورية او العربية عموماً . وكان يريد أن يكـرّر ماقاله بعض العظماء من المبدعين العالميين …  لكنه بالحقيقة لم يوفّق بالتعبيرعمّا كان يقصده , مع احترامي وتشوقي لأفكاره .

فلا يوجد لون احمر ولون اصفر او لون أسود بشكل مجرّد ومنفصل لوحده ..  لأنّ الفنان عمر حمدي جعل من كل درجة كلّ  لون قاتم او فاتح عشرات بل مئات من الالوان  المستنبطة

وهذا ماأصبحنا نلحظه في فنون الطباعة وامكانية التلاعب بدرجات اللون او اللوحة نفسها  , والتي نستطيع تحويرها وأعادة اخراجها بلمسة  زر على لوحة المفاتيح في اجهزة الحواسيب المتطورة .

(( لذلك لابد لنا من تحليل اللوحة من خلال تجاور الالوان مع بعضها البعض في العمل الفني الواحد )) لانها أساسا تقوم بتغطية شيء وموضوع مرسوم الملامح

 وليست الالوان مرصوفة عند الفنان عمر حمدي  بلا موضوع محدد أوعنوان , حتى ولو كان منظراً طبيعياً صامتاً  يكون سـبـق أن  أعده بفكره  .. ( رسماً قبل ان يستره ويكسوسطح اللوحة  بالالوان المناسبة )  والتي تُـخرِج العمل في صورته النهائية  .

وهذا ماكنا نشاهده في لوحاته  من تنوع وتعدد الالوان واختلافها بين لوحة ولوحة , ذلك بحسب الموضوع الذي يطرحه في لوحته بمكان وزمان  .. وهي تختلف باختلاف الموضوع وتأثيره في المتلقي الذي هو اساس مايهدف الوصول إليه .

 اللوحة المختمرة عنده  تتجلى في أن تكون في الوطن وخارجه في آنٍ معاً ، لتصنَع عملاً فنياً، له قيمته الحضاريّة ,  تحتضن لوحاته الجديدة التأثير والإتجاه الانطباعي والتجريدي، لتخلق عالماً ساحراً من الألوان القوية المنفعلة، والصارخة بصوتٍ عالٍ ، فالحارّ يتجاور فيها مع البارد..  فتارة يشرد الأول في جسد الثاني، ويوشيه بإضاءات هادئة، وتارة أخرى، يتحاور اللّونان بقوة تثير المتلقي وتستفزه ,  كأن يُدخِـل الأسود على البرتقالي، أو الأبيض على الأسود والأزرق الداكن، أو الأصفر على الأبيض والأسود..  أو تتعارك الألوان الحارة والباردة فوق بياض اللوحة، لتقدّم لنا في النهاية، حالة انفعالية مفعمة بالقلق والثورة والتشنج .. والتجديد .

لقد وجد الفنان  عمر حمدي في سطح لوحته، متنفساً لما يعتمل داخله من أحاسيس وعواطف وهواجس وإرهاصات كثيرة ومتناقضة، مردّها  (حياته الشخصية الطافحة بالمعاناة والقلق والتوتر) المتعدد الأشكال والأسباب .

يقول عنه مواطنه الفنان عنايت عطار :

انه فعلا استطاع اعادة جريان الدم في الانطباعية التي ابتعد عنها  معظم الفنانين  وراحوا  بإتجاهات المدارس الفنيّة الأحدث  نحو السريالية التجريدية وغيرها  . .

 ولقد قال عنه الشاعر الفرنسي جاك بيار وهو يطّـلع على اعماله :

إنّ عمر حمدي  بكل بساطة يحيل الاشياء الى خزف وكريستال .

 وإنّ الجديد الجديد في اعماله  هو اضاءة الظلال,  بحيث اذا تمعنّا في الالوان الغامقة في اعماله نجد أنّهـأ تعطينا انعكاسات متوقّـدة كما الالوان الفاتحة ,, انه يحيل الارض الموات الى حدائق غناءة حتى  ولو افرغ  كلّ  حزنه فيها  – وله الكثير من هذا القبيل – فلابد ان يكون لحزنه توقد الروح .

ولقد أنصفه الزميل أديب مخزوم عندما قال :

إن مرحلة عمر حمدي ــ مالفا الأولى ــ هي  أهم المراحل في حياته الفنية,  ذلك لارتباطها بعناصر بيئته الأولى  ، ولأنها تركت تأثيرات واضحة على العديد من فناني محافظته ــ الحسكة ــ  ، وهي تؤكد موهبته المبكرة والنادرة في الرسم والتلوين معاً ، أما أعماله التي قدمها في بلاد الاغتراب فلم تكن الّا  صدىً  لما هو مكرّس ومطروح ومألوف في عواصم الفن الكبرى ، وبالتالي فهي تطرح اشكاليات والتباسات لا تنتهي .

… أما عن وصف عمر حمدي نفسه  بالعالمي فيطرح هذا اشكالية كبرى لم يتم التوافق عليها بعد .

 وإنّ  وجود لوحاته في متاحف النمسا وغيرها لا يكفي، لانه أصبح يحمل الجنسية ــ الثانية ــ النمساوية , واعماله معروضة بجانب أعمال الفنانين النمساويين المعاصرين ، وهؤلاء ليسوا عالميين ، لأنهم ( تابعين ) لمدرسة باريس ، وليسوا هم ( المتبوعين ) ..

 عمر حمدي فنان كبير  ومعروف على الساحة الفنيّة العالمية  .

ولازلـنـا  ننتـظــر أن ينصفه النقاد بعد رحيله ونشر معظم لوحاته المنتشرة في أشهر المتاحف العالمية والمقتنيات الخاصة . وقد يكون لـه ذِكـرٌ مستقبليّ  في تاريخ الفن الحديث  وقد يتم  تصنيفه بالفنان العالمي كما كان يطمح , وكما كان يحدُث من تصنيفات لكبار المبدعين .. ولكن بعد رحيلهم  وبعد فوات الأوان .

‏لقطة الشاشة ٢٠١٥-١١-٠٨ في ٢‎.٠٦‎.٢٩ م

شاهد أيضاً

هل يتحول لبنان إلى (معبر استثماري) في إعمار سوريا؟ هذا ما صدم الصينيين في بلاد الأَرز!

  عانى لبنان على مدار 6 سنوات من التداعيات الاقتصادية للحرب الأهلية السورية في الجوار. …