الناقد عبدالرزاق عكاشية لـ “رؤية سورية” :الثورات‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬تبدأ‭ ‬بعد

فاتن حمودي ـ مجلة رؤية سورية ع 25 / تنشرين الثاني 2015م

Unbenannt

يبدو أن هواجس الفنان عبد الرزاق عكاشة تجاه المعطيات الثقافية والفنية الجديدة وما يحيطها من تبدلات على جميع المستويات في الساحة التشكيلية , لم تستطع أن تمحو هويته وانتماءه، رغم استقراره في باريس منذ أكثر من عشرين عاما ، إلا أنه مايزال محتفظا بشمس مصر  التي تسكن لوحاته، ولم تستطع سحب باريس الداكنة أن تغطي على  إلتزامه بالمشهد الثقافي  العربي والذي جعله إلى جانب الرسم،  باحثا وناقدا وكاتبا،   حيث أصبح الشاهد والمشاهد على تنامي الحركة الفنية، التي  هيأتها له إقامته في باريس وجولاته على منصات المدن المختلفة، وقد لقب بصائد الجوائز، و هاهو يعترف اليوم بأن ثورة الكرامة والعدل لم تأتِ بعد في عالم الربيع العربي.

يتحدث عكاشة عن اللوحة، و يعتبرها فعلا وجوديا عفويا ، لا يحتاج إلى التتنظير، وعلى عفويتها فهي تشير إلى مشروع ثقافي وجمالي، وليس زخرفيا أو تزينيا أو تسويقيا، فاللوحة تأتي  من اللاوعي الجمعي و تحمل أسطورتها من ذاكرة القرية والمدينة معا،و يشكل فيها اللون  حساسية تشارف حدود الموسيقى والشعر .

يتابع عكاشة، اللوحة لاتحتاج إلى تنظير حتى لانرهقها أو نجردها من عفويتها، العمل يفصح عن نفسه، ولأن اللوحة مشروع ثقافي، تواصلي فإن اللغة  المكتوبة تمثل أداة تواصل، فقيمة ما أكتبه يقع في تواصله مع التجربة ومع سياق تاريخ الفن.،بذلك يشكل العمل الفني  ذاكرة مكان،» فاللوحة  تشبهني وتفصح وحدها عن مكنوناتها»…

اسكتشات وهموم

عرفت بالإسكتشات، وخاصة إسكتشات الأحد،  فما الذي يدفعك  لهذا النوع من الرسم، كيف تراه، وبالتالي ما الذي يميزه عن اللوحة؟

هناك اسكتشات يتراوح رسمها بين العشرين ثانية و3 دقائق باقصى تقدير، فهناك اجسام ووجوه تجذبك فى ثانية تتأملها وتحللها نفسيا ثم تخوض بسرعة فى وضع خطوطك لرسمها وتحديد هويتها، و هناك وجوه سهلة من خط واحد تشعر أمامها انك اخرجت ما في داخلك حول هذا الوجه،  وهناك وجوه  تحملُ من الوجع والتعب والحب والالم الكثير، تظل تضع فيها الخطوط والظلال ولا تنتهى، لأن  هموم الخطوط  تكون بحجم هموم المرسوم فلابد لك  من أن تنتهي منها لتحيط بنور هذه الوجوه.

هي اسكتشات سريعه لكنها تمثل سرعة و صدق اللحظة،  وهناك  فرق كبير بينها وبين اللوحة التى تغلف في  احيان كثيرة بزيف الالون وجماليات الصنع والبعد الجمالي،  وأنا أعمل على كتاب كامل يحمل عنوان»الف اسكتش و اكثر» بهذا المعنى فإن لوحة الزيت هى سفر فى اللون، أما اما الاسكتش هو سفر فى البشر

متى يتحوّل الاسكتش إلى لوحة إذا؟

أرى الاسكتش لوحة منتهية، و لها خصوصية مختلفة عن لوحة الزيت، التى تتزين كل ليلة بألوان جديدة فعمر انتاجها يكون بهدوء شديد، لوحة الزيت هى لوحة من عصر الصبر، أما الاسكتش فيكون رسم الاسكتش

البيت الأول:

قلت الطفولة قبعة الرأس  وعبّرت أكثر من مرة عن انزياحك للمهمشين، ، ماقصة الوجوه والقرية وذاك القطار؟مارأيك أن نعود معا إلى ينابيعك الأولى في قريتك ، لنرى ضوء اللوحة وظلالها؟

المبدع الصادق من وجهة نظرى هو من ياخذ من طفولتة خبيز شبابة ومأكل عشائة الحر، ومما لاشك فيه، فإن للطفولة  سحرها  الذي نحمله معنا على شكل ذكريات وصور،  من الشارع والحارة، والبيت الأول ، الجد الجدة، وكل ما حولك يثري خزّان البصيرة الحي، 

لا أزال أذكر»عرب الرمل قريتي في المنوفية»،  كرم جدى  ومصطبة الحكايات حيث  يتجمع عليها  البسطاء القادمين من القرى الاخرى وقت الظهيرة، كل منهم يروي حكايته عن البيع والشراء ، وما صادفه في رحلة الكفاح اليومية، بيت جدي كان مفتوحا على قيم الكرم وصورة الرجولة ، في هذا البيت المفتوح أمام أهل القرية، الموائد والشاي وقهوة التحية في صباحات القرية ومساءاتها عشت .

هذه الصورة بقيت في ذاكرتي، كرم جدى وقوة شخصية جدتى امنه ام السباع ، ورائحة اجسام الطيبين البسطاء، كل هذا شكل ذاكرة طفولتي، بل جبلتني على كل هذه القيم والصور ، وعطرت ألواني، التي شربت من رائحة أجسامهم وعرق كفاحهم في رحلة العمل لتحصيل قوت يومهم،  لهذا انا منحاز لهؤلاء البسطاء هم من يعطرون يومنا برائحة كفاحهم،.

يتابع عكاشة : لايزال يرنّ في ذاكرتي، نبرة صوت البائعين في الإعلان عن بضائعهم، تصوري كل واحد صوت ونبرة، فتلونت أذني بطبقات أصواتهم، فتلوّن نصي الروائي والتشكيلي معا..ولايزال صوت القطار يصفر في ذاكرتي رغم مساحات البعد.

وحول انعكاس  طفولته على فنه، يقول:

حين بدات  ارسم من مخزون الذاكرة والوجدان، سرعان ما حضرت صور الطفولة والشباب من مكاني الأول في مصر، حضرت صورة أخرى، وهي صورة الموظفين والعسكر، والحالمين والطلبة، وهم يستقلون القطار متوجهين إلى أعمالهم، فرسمت لوحة قطار «المستعجلة»، من هذه الطفوله كان صدمتي الثانىة  مع بسطاء من درجة اخرى هم الموظفون والعساكر والحالمون والطلبة

فى قطار بسيط اسمة المستعجلة، قطار يبدو أن يمشي لكنه لايتحرك، هذا القطار رمز للزمن ، يشبه الناس  وهم يتحركون في الفجر على ضوء خافت، أردت أن أوقف الزمن عند تلك اللحظة، أردت أن أجمّد اللحظة من خلال هذا القطار، وكأنها لحظة خالدة تدين القهر والتعتيرالمرسوم على أجسادهم وهم يسعون لرزقهم متجهين نحو القاهرة، كانت عيونى  تحتفظ بالصور ولم أكن ادري ألقي بهم  على رصيف لوحاتى، تصوري رغم أنني في باريس إلا أن الماضي يحضر بقوة في لوحاتي وكأنني لم أغادره أبدا.

نحت بريشتي جدران قريتي وقطارها ووجوه أهلها الطيبين تلك الوجوه التى توجت بـ 19 جائزة عالمية كان آخرها جائزة «أكيودى» للآداب والفن والسلام ، وجائزتي الأكبر الوصول إلى الناس .

المدن والذاكرة

وماذا تقول عن السفر وما شكلته المدن من بعد ثقافي أنعكس على نتاجك الإبداعي ..؟

جئت إلى باريس في سنّ العطش، كنت في بداية العشرينات من عمري، و أعتبرتلك المرحلة عمر التكوين والتشكيل الثقافي  والأكاديمي الذي منحني مساحة من التعرف على المدارس الفنية والفنانين ومناخات أخرى على أرصفة المدن .

كنت متعطشا لكل شيء، أن أتعلم، أفهم، أعشق، أحب في حارات باريس، فلاح يريد ن يسرق قبلة فى حى «رى موفتار» شارع الثقافة خلف السوربون، كنت أرى أعمال فان كوخ، حقول قمحه في لوحاته،و التي دفعتني حينها للسؤال، هل حقول قمحه أجمل من حقل عمتي إحسان عكاشة، المرأة التي ساهم حقلها في تعلمي الرسم، وكأن بذرة الفن   الأولى  بدأت من ذاك الحقل، وهو ما جعلني أرى حين اصبحت في باريس أعمالهم الفنية ، ولفتني أنهم يستدعون الشمس إلى اللوحة لنشر الضوء، أما أنا فكانت الشمس تسكنني ، وتكفيني كي أوزّع الضوء العمرَ كلّه، تصوري أن نحمل شموسنا معنا، نحن القادمين من بلاد الشمس والتعب والتعتير .

المهمشون واللون

وحول فئة المهمشين  والوجوه التي ترجمتها في لوحاتك ماذا تقول:

في لوحاتي شدتني الفئة المهمشة في المجتمع، فالفنان الذي يعيش معزولا في كوخ، أو فوق أحدى سطح إحى  العمارات يصبح مهزوما، الفنان بلاقضية  وموقف لن يقف أمامه التاريخ،  الإبداع يأتي متماسك  الحلقات ليربط  الفنان بين ماضيه وحاضره في وحدة متجانسة، وبالتأكيد فإن عزلة الفنان التشكيلي عن المجتمع قد  تدفعه  في صراع أكيد بين ذاتيته والعيش في وطن لا يشاركه إحساسه التشكيلي، فأن تمسك ذات الفنان  فيك دون أن تنزاح عن سكة قطار الهوية ، معادلة تجعل الآخر يشاركك إحساسك التشكيلي. ويخفف من الأمية البصرية.أنا أرى الحداثة في ربط الصور وإعادة إنتاجها كنهر النيل المسكون فينا، أراها بعيدا عن المباهاة والتعالي بين الفن وعامة الشعب، وهنا أستحضر صورة الفلاح  وهو يجلس في  قطار الصباح أخذتها معي فرسمته في الأمكنة والشوارع.

كيف كان تعاملك مع تقنيات اللون؟

تعاملت برسوماتي مع نقنيات لونية  بالزيت والأكرليك التي تبرز  اللغة البصرية التصويرية فيما وظفت  الظلال العريضة بالألوان الطبيعية لتنسجم  وتتناغم مع  خرائط مترو فرنسا أو القطار في مصر أو في أحد مشاهد العائلات المصرية وهم يستمتعون بالاسترخاء في فترة بعد الظهر بعد صلاة الجمعة أو وهم يستمعون إلى أنغام الموسيقى الشعبية، لأصور  مشاهد تعكس صورة الحنين إلى الوطن..

أغمضي عينيك وتخيلي، فنان مثلي  يقضي ستة أشهر في حدائق باريس، أنام وأرسم  على الرصيف، حتى نالت موهبتي الاهتمام ، لتتوالى بعدها معارضي في أكثر صالات الفن العالمية.

وماذا عن باريس؟

في باريس حملت معي حنان امى ودموع ابى لحظة الوداع ، حليب عمتى احسان وطعام جدتى، كلّ هذا  يغلف رحلتى بعشقهم  الذي هو مسار دهشتى، الذى اخذنى من يدى سلب ارادتى وجعلنى اخرج مابداخلى، وهنا أستحضر   الفنان كوربية رائد الانطباعية،  الذى تحدى ملك فرنسا ورسم اهل قريتة ارنان فى سويسرا، كوربيه الذى رسم الضباب ولم يستدعى ضوءا مزيفا، كوربية صديق بودلير ، جعلني أقرأ أزهار الشر، فاضاف لى عشق التمرد وشعرية اللون أيضا، وهو ما جعلني أكتشف امل دنقل وصلاح عبد لصبور فى لون كوربية  واشعار بودلير ، فاصبحت شاعرية اللون  عندي حتمية اصبح لونى مسكونا بإنسانية وشمس وطني.

كيف انعكست رؤيتك  ونتاجك الفني على هذه الفترة الزمنية المسماة بالربيع العربي وخاصة أن لديك كتاب ا»لثورة فى العقل التشكيلى العالمى» ؟

الموقف الإنساني هو بحد ذاته ثورة في وجه الطغاة وسارقي العدالة، حين رسمت البسطاء،

تربيت على تمرد بودلير واختلاف كوربية، ومسكون باصالة اهلى

فكان لابد ان اقّدم ثورتى المختلفة،   ففكرت فى المبدعين الطليعين فى العالم، أو  مايسمون «بالافجارد»، والذين سبق إبداعهم الثورات الكبرى في العالم، بمعنى الذين حملوا نبوءة ورؤيا ،

رفضت أن أكتب عن الفنانين الذين أرادوا فقط تسجيل ماحدث، وبدأت أعيد قراءة ما نشرته من مقالات،وتوقفت عند الفنانين المبشرين بالتغيير المسكونين بجنون الحلم المستقبلى وبدات

ارصد تجاربهم من كوربية الى اليوم، وقد قسمت الكتاب إلى تجارب عالمية، وعربية، كان للجانب المصري فيه حيّز مهم.

لو أردت الحديث عن مصر فإن فساد حسني مبارك لم يكن بحاجة إلى نبوءة تبشر بالثورة، لأنه مفضوح، كنا فقط بحاجة إلى وعي للقفز على هذه اللحظة وتهشيمها،

رسمى للفلاحين والبسطاء كان اختلاف لانى ارسم من همشهم فجور النظام وطيغيانه،

واسافر باحلامهم واقدمهم فى قاعات العرض العالمية، طالما النظام حرمهم حتى من ابسط حقوق الانسانية

وهل ترى مستقبل الثورات العربية، بصورة  قاتمة؟

لا ارى صورة قاتمة او مضيئة، ارى العدل، والعدل لم يأتِ بعد، طوفان العدل يحمل معه الكثير من التخبطات على أرض المشهد حتى تصفو الصورة، وأركز على فكرة العدل التي تتوق ثورتنا لها، حتى اللصوص لصوص الاوطان فى لحظة سوف يلجأون الى العدل

من اجل حماية ماسرقو، فالعدل قادم برغبة الله ورغبة البسطاء

لو لم يتدخل العدل، ويسود، فسوف تضيع حبات زرع الوطن وتقتل سنابل القمح  فى الحقول. من هنا  أرى بأن الثورات  العربية لم تحدث بعد، ما نراه رغم فداحة الدم ليس أكثر من مقدمات لثورات العدل، لأن تأسيس الأنظمة الحقيقية يعني إيصال صوت العدل إلى الناس على أرض أوطانهم.

فالبشر يقومون بالثورات ويسلمون الدور للعدالة، وهذا ليس يوتوبيا، بل طريق صعب تمشي نحوه الشعوب العربية المقهورة..

شاهد أيضاً

تهجير جديد يطرق أبواب حي القدم جنوب دمشق … وتفاصيله ..!؟

  كشفت مصادر خاصّة من حي القدم جنوبي العاصمة دمشق، عن التوصل لاتفاق مبدئي مع …