عبد الرحمن بدوي فيلسوف مصر في القرن العشرين

Unbenannt

باسل الحمصي – مجلة رؤية سورية ع 31/ ايار 2016م

أحد أبرز الفلاسفة المصريين في القرن العشرين و أغزرهم إنتاجا، ألف 150 كتابا، ويعتبر أول فيلسوف وجودي مصري، حيث تأثر بهايدجر.

حياته

ولد عبد الرحمن بقرية شرباص في دمياط، وكان والده عمدة القرية، وكان تسلسله الخامس عشر من بين 21 شقيقا وشقيقة. و أنهى شهادته الابتدائية في 1929 من مدرسة فارسكور ثم شهادته في الكفاءة عام 1932 من المدرسة السعيدية في الجيزة. و في عام 1934 أنهى دراسة البكالوريا حيث حصل على الترتيب الثاني على مستوى مصر، من مدرسة السعيدية، و هي مدرسة إشتهرت بأنها مدرسة أبناء الأثرياء والوجهاء. إلتحق بعدها بجامعة القاهرة، كلية الآداب، قسم الفلسفة، سنة 1934، و تم إبتعاثه إلى ألمانيا والنمسا أثناء دراسته، و عاد عام 1937 إلى القاهرة، ليحصل في مايو 1938 على الليسانس في الفلسفة بدرجة امتياز.

بعد إنهائه الدراسة تم تعيينه في الجامعة كمعيد و لينهي بعد ذلك دراسة الماجستير ثم الدكتوراه عام 1944 من جامعة القاهرة، و التي كانت تسمى جامعة الملك فؤاد في ذلك الوقت. عنوان رسالة الدكتوراة الخاصة به كان: “الزمان الوجودي” وقد علق عليها طه حسين أثناء مناقشته لها في 29 مايو 1944 قائلا: “أشاهد فيلسوفا مصريا للمرة الأولى”. و ناقش بها بدوي مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية والزمان الوجودي.

 عمله الجامعي

عين بعد حصوله على الدكتوراه مدرسا بقسم الفلسفة بكلية الاداب جامعة فؤاد فيابريل 1945 ثم صار أستاذا مساعدا في نفس القسم والكلية في يوليو سنة 1949. ترك جامعة القاهرة (فؤاد) في 19 سبتمبر 1950، ليقوم بإنشاء قسم الفلسفة في كلية الآداب في جامعة عين شمس، جامعة إبراهيم باشا سابقا، وفي يناير 1959 أصبحأستاذ كرسى. عمل مستشارا ثقافيا ومدير البعثة التعليمية في بيرن في سويسرامارس 1956 – نوفمبر 1958

غادر إلى فرنسا 1962 بعد أن جردت ثورة 23 يوليو عائلته من أملاكها. عمل كأستاذ زائر في العديد من الجامعات، (19471949) في الجامعات اللبنانية، (فبراير 1967– مايو 1967) في معهد الدراسات الاسلامية في كلية الاداب، السوربون، بجامعة باريس، (1967 – 1973) في بالجامعة الليبية في بنغازى، ليبيا، (19731974) في كلية “الالهيات والعلوم الاسلامية” بجامعة طهران، طهران و (سبتمبر سنة 19741982) أستاذا للفلسفة المعاصرة والمنطق والاخلاق والتصوف في كلية الاداب،جامعة الكويت، الكويت. وأستقر في نهاية الأمر في باريس.

 مشاركاته السياسية

كان عضوا في حزب مصر الفتاة (19381940) ثم عضوا في اللجنة العليا للحزب الوطنى الجديد (19441952)، و تم إختياره مع 50 شخصية، كعضو في لجنة الدستور التى كلفت في يناير 1953 لكتابة دستور جديد، والذي تم الإنتهاء منه فياغسطس 1954 لكن الدستور أهمل وإستبدل بدستور سنة 1956.

مذكراته

في عام 2000 نشر مذكراته في كتاب ضخم من جزئين، وصل عدد صفخاته إلى 768 صفحة، لدى المؤسسة العربية للدراسات والنشر. وكان لنشر الكتاب صدى ضخم لدى الكثير من المثقفين المصرين وذلك لأن بدوي هاجم الكثير ممن أعتبرهم المثقفين العرب رموزا للفكر. كما هاجم بقوة النظام المصري و حكم جمال عبد الناصر موجها إنتقادات شتى. وعلق على حجم المشاركة في تشييع جنازة عبد الناصر بأن هذا “أمر عادي ولا يمت بصلة إلى وجود علاقة حب بين المصريين وعبد الناصر”، مشيرا إلى أن “هذه هي طبيعة شعب هوايته المشي في الجنازات”. كما أتهم رموزا سياسية منهاسعد زغلول بالعمالة للبريطانيين، وطه حسين بالعمالة للأجهزة الأمنية، وأعتبر الطلاب جواسيس على بعضهم البعض، مشيرا إلى أن قيام عبد الناصر بتأميم قناة السويس كان سعيا وراء الشهرة.

 أعماله

له ما يقرب من 200 كتاب حسب محمود أمين العالم بينما قال أحد ناشريه إن كتبه التي نشرها تجاوزت 150 كتابا منذ كتابه الأول عن نيتشه الذي صدر عام 1939. وهو الأمر الذي يؤكده ابن أخيه محسن بدوي حيث يقول في موقعه الإلكتروني: بلغت أعمال الدكتور عبد الرحمن بدوى سواء المنشورة أو غير المنشورة نحو 150 كتاباً منها أعمال منشورة بالفرنسية والإسبانية والألمانية والإنجليزية فضلا عن العربية.

 وفاته

توفي في مستشفى معهد ناصر في القاهرة صباح الخميس 25 يوليو 2002 عن عمر يقارب 85 سنة. حيث كان قد عاد من فرنسا إلى مصر قبل وفاته بأربعة أشهر بسبب إصابته بوعكة صحية حادة, إذ سقط مغشيًا عليه في أحد شوارع باريس وأتصل طبيب فرنسي بالقنصلية المصرية بأن أمامه شخصًا مريضآ يقول إنه فيلسوف مصري يطلب مساعدتهم.

حوار مع بدوي ما يزال يثير الجدل

بدوي الذي نشر 120 كتاباً وخاض عشرات المعارك:
الغرب عنصري وسارتر تافه وناصر أحمق وأركون دجال والعقاد هامشي

كتب نبيل شرف الدين: في مستهل مذكراته التي فجرت معارك بالجملة، قال الفقيد الكبير د. عبد الرحمن بدوي : “بالصدفة اتيت الي هذا العالم،‏ وبالصدفة سأغادر هذا العالم”، وكأنه يتنبأ بنهايته التي “صادفت” سلسلة من الظروف المتناقضة كالاحتفالات بثورة يوليو التي ناصبها بدوي العداء، وداخل مستشفى يحمل اسم “ناصر” الذي نعته بدوي بالأحمق والأخرق والغشوم والجاهل والمستبد. 
في أيامه الأخيرة 

مات بدوي وحيداً في القاهرة بعد شهور من عودته إليها من باريس حيث أقام نحو أربعين عاماً في غرفة لم يبدلها بفندق شهير يقع في قلب الحي اللاتيني هو فندق لوتيسيا، الذي سكن فيه أستاذه طه حسين حتى عام 1948.

وعلى مدار هذه العقود الأربعة من الغربة، افتقرت الساحة الثقافية العربية اخباره وتفاصيل حياته الشخصية، وذلك الامر يعود ايضا الى عزوفه عن إجراء الحوارات الصحافية، أو المقابلات المتلفزة لأنه كان يرفض “الصخب الاعلامي” على حد تعبيره، فهو يحب العمل في هدوء وتركيز ودأب علمي جاد، قائلاً لكل من يريد إجراء حوار معه إن في كتبه التي تجاوزت 120 كتاباً كل ما لديه، وإنه لو استجد جديد فسوف يكتبه في كتاب، أو يصدر بياناً حوله، ويروي أحد الإعلاميين المصريين المشهورين مقابلة له جرت مع بدوي قبل عشر سنوات، حين سأله عن إصراره على رفض أي مشاركة إعلامية أجاب قائلاً : “إن التافهين وحدهم الذين يمكنهم التعايش مع الصخب، ولذلك لا يستمتع بالموسيقى الصاخبة سوى الصبية الصغار، الذين لا تشغلهم مسائل فكرية أو فلسفية”، على حد تعبيره.

وعاش بدوي طيلة حياته أعزب، ولم يشأ ان يتزوج ويؤسس اسرة او ينجب اطفالا، مكتفيا بهموم الفكر، لكن تلميذه د. فؤاد زكريا أكد أنه عاش في مطلع حياته قصة حب مع فتاة ألمانية لم يقدر لها أن تستمر، ومن بعدها لم يسمع عن أي علاقة خاصة لبدوي، الذي نقل عنه إنه لم يفكر قط في الارتباط بفتاة مصرية أو عربية، وإنه لو قدر له الزواج أو الارتباط فلن يتزوج سوى امرأة أوروبية، وتحديداً ألمانية، كما روى د. فؤاد زكريا.

دبلوماسية التفاهة

وغني عن القول إن بدوي أحد ابرز مفكري وفلاسفة العرب القلائل في العصر الحديث بدون شك، وهو صاحب المؤلفات الفكرية والاسلامية المهمة التي تزيد على مائة وعشرين كتابا في مجالات متعددة، وهو الرجل الذي حقق نبوءة الدكتور طه حسين.. حيث تنبأ طه حسين بان بدوي سيصبح اول فيلسوف عربي بكل ما تعنيه الكلمة. هذا ما يخص المسلمات، اما القضايا المقترنة باسم الدكتورعبدالرحمن بدوي فكثيرة وشائكة، فالرجل على مدار تاريخه كثير الخصوم والخصومات، آراؤه في الواقع العربي ورموزه الفكرية والثقافية قد تصدم البعض، لكنها آراء واضحة وصارمة. وكان بدوي شديد الاعتداد بذاته بصورة فسرها البعض على انها غرور، وهو الوصف الذي نعته به محمد أركون وفؤاد زكريا وغيرهما ممن اعتبروه يعاني من “تضخم في الذات” على نحو واضح.

ولعل أبرز ما اثارته كتابات بدوي في أيامه الاخيرة فيدور حول أمرين، الاول: المؤلفات الاسلامية العميقة التي انبرى لها د. بدوي بعد سنوات من الدفاع عن الوجودية.

أما الثاني فقد تمثل في ما نشره الدكتور عبدالرحمن بدوي في مجلدين كبيرين حول سيرته الذاتية وتقييمه لرموز الثقافة والفكر في العالم العربي. وقد اثارت جدلاً واسعاً في اوساط المثقفين والمهتمين بتطور حركة الفكر والادب والفلسفة في مصر والوطن العربي.

وبدوي الذي عمل في الخمسينات مديرا للبعثة التعليمية المصرية في سويسرا ومستشارا ثقافيا للسفارة المصرية في برن، يرى بشكل عام ومطلق إن الجهل والتفاهة والتملق والابتذال مؤهلات أساسية لرجال السلك الديبلوماسي العربي، ويقول: “لو اردت ذكر ما عرفته من شواهد على جهلهم المطبق وانعدام الحياء والخجل عندهم فسأحتاج الى مجلد كامل يندى له الجبين”.

رصاص بدوي

وفي مذكراته أطلق بدوي رصاصه في كافة الاتجاهات، ووجه نقداً شديدة القسوة بحق عدد من كبار الرموز الفكرية والسياسية العالمية والعربية والمصرية، فوصف الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بأنه تافه، وقال عنه في مذكراته : “إنني منذ قراءتي له لم اشعر حياله بأي تقدير من الناحية الفلسفية وعددته مجرد اديب وباحث نفساني، يستند الى مذهب الظاهريات، ولم اعتبره ابداً فيلسوفا وجوديا، ساهم بأي مساهمة تذكر في تكوين المذهب الوجودي”.

لكن ذلك النقد على قسوته يعد اخف وطأة مما قاله في حق الامام الشيخ محمد عبده الذي وصفه قائلاً : “كانت علاقته باللورد كرومر علاقة التابع بالمتبوع والذليل بالجبار والمطيع الخاضع بالآمر المستكبر”.

أما الفيلسوف زكي نجيب محمود فوصف مقالاته بالسطحية وبأن مستواها لا يزيد على مستوى طالب في المرحلة الاعدادية، وأنه لا يستحق كل هذه الحفاوة.

ورغم انضمامه في مطلع شبابه لحزب “مصر الفتاة”، غير إن بدوي يصف زعيمه احمد حسين بالمأجور قائلا: انه اعترف امام خمسة عشر قياديا في الحزب انه تلقى عرضا من المخابرات البريطانية للتعاون معها وانه تقاضى منهم بالفعل مبلغ 200 جنيه كدفعة اولى. ثم يذكر بدوي ظروف انضمامه الى “الحزب الوطني” واستقالته بعد ثمانية اعوام اعتراضا على تيبس عناصره وتجمدهم.

أما رأيه في الكاتب الكبير عباس العقاد فقد عبر عنه بدوي قائلاً إن : “العقاد رجل هامشي، عاش ومات دون ان يشعر به احد في دنيا الادب او الفكر، ومن الخطأ الاعتقاد بانه كان يعرف مناهج البحث الاكاديمية مثل غيره من الدارسين في الجامعات لانه اولا واخيرا لم يكن اكثر من قارىء”.

أما معركة جامعة السوربون، فقد شن بدوي هجوماً ضاريا على هذه الجامعة وخصوصا قسم الدراسات العربية والاسلامية بها والذي يراه ضحلا وتافهاً، ونصح الطلاب العرب الوافدين لفرنسا بعدم الدراسة في هذه الجامعة، لأنهم يهدرون وقتهم، وكان الاولى بهم ان يتابعوا دراساتهم وابحاثهم في بلادهم.

وواصل بدوي نقده القاسي لجامعة السوربون، معتبراً إنه بعد جيل المستشرق الفرنسي الكبير ماسينيون، لا يوجد بين اساتذة السوربون الآن ما يمكن ان يعلم شيئا ذا بال” على حد وصفه.

الاتجاه للإسلام

وفي سنواته الأخيرة اتجه بدوي للكتابة الاسلامية، حيث قدم مجموعة كتب مهمة. منها “دفاع عن القرآن ضد منتقديه” و”دفاع عن حياة محمد ضد الطاعنين فيها”، وحول سر هذا التحول من الوجودية الى الاسلاميات، قال بدوي فيما نقله عنه د. سعيد اللاوندي في كتابه الهام عنه : “إنني أناضل منذ بداية حياتي الفكرية على جبهتين، جبهة الفلسفة العامة بما فيها الفلسفة الوجودية، وجبهة الفكر الاسلامي، وليس ثمة تناقض بينهما على الاقل في مجال البحث وتاريخ الأفكار”.

وكان أعداء بدوي قد اشاعوا انه “لم يغرق حتى اذنيه في الكتابات الاسلامية إلا بعد ان شعر بفشل تقديم الفكر الغربي الى ابناء العربية من خلال ترجماته العديدة”، لكن اللاوندي الذي كتب ما يمكن وصفه بسيرته الذاتية اعتبر إن عبدالرحمن البدوي على الرغم من ولعه السالف بالفلسفة الوجودية لم يكن ابدا بعيدا عن بؤرة الدين، فاطروحته العلمية التي حصل بها على درجة الدكتوراه تحت اشراف الدكتور طه حسين تضم مراجعها اسماء كبار الوجوديين المؤمنين امثال غابرييل مارسيل وياسبرز وكيركيغارد، اي ان بدوي محسوب على الشق الوجودي الايماني وليس الالحادي، ومن ثم تأتي بحوثه الاسلامية متوافقة مع ميوله وضميره وفكره.معارك فكريةمن المعارك الفكرية التي خاضها بدوي مع المفكر محمد اركون، وعباس العقاد، وجامعة السوربون، وعبدالله نعمان، وحتى تلميذه الدكتور فؤاد زكريا وآخرين.

وفي معرض دفاعه عن الاسلام وهجومه على الغرب، كتب بدوي إن : “الغرب فيما يتعلق بالاسلام يكيل ليس بمكيالين فقط، ولكن بعشرة مكاييل او ربما بمائة مكيال، فهو اكثر عنصرية ووحشية مع الاسلام مما يمكن ان نتصور، واذا اراد احد الدليل، فعليه بالذهاب الى المكتبات التي تحيط بنا ليجد عشرات الكتب التي تقطر سما على الاسلام والمسلمين” على حد قول بدوي في مذكراته.

ناصر الأحمق

ولعل أقسى انتقادات لجمال عبد الناصر وردت على لسان عبد الرحمن بدوي، الذي وصف ناصر “بالاحمق الاخرق المندفع الجاهل الاهوج المستبد الغشوم”، وإن تأميم القناة وبناء السد العالي والتصدي للعدوان الثلاثي وعدوان 1967 ومساندة الثورات العربية مجرد مغامرات دخلها عبد الناصر لتحقيق مجد شخصي على حساب مستقبل مصر وامنها واقتصادها.

وساق بدوي عشرات القصص عن التعذيب في السجون والمعتقلات معتبرا انها تفوق اهوال ما حدث حتى في حرب 1967، غير إن الناصريين اعتبروا هجومه على عبد الناصر وثورة يوليو بأنها ثأر شخصي، لأنها صادرت أراضي عائلته الإقطاعية في محافظة دمياط شمال مصر.

وعندما سئل د. بدوي العام الماضي عن تلاميذه في مصر قال: انهم اسوا من عرفت من التلاميذ، لكنه بعد عودته الى مصر استثنى انيس منصور من احكامه القاسية، وله قصة طريفة مع مجلة “المجلة” التي تصدر في لندن، حين اشترط قبل سنوات أن يتقاضى مبلغ 350 جنيهاً استرلينياً قبل الموافقة على اجراء حوار للمجلة، كما اشترط ان يقبض الفلوس قبل اجراء الحديث، وبعد ان قبضها كتب ايصالاً بتسلمه لها، وخلال 5 ساعات مدة الحديث اخرج النقود وقذف بها في وجه محاوره طالباً منه ان يخرج لانه “لن يشتريه بهذه القروش” على حد قوله، ثم بعد تدخل صديق وافق على الاستمرار في الحديث، وفي آخر الساعات الخمس طلب من محاوره الايصال الذي كتبه ثم اخذه، وألقى في وجهه بالنقود قائلاً له ولصديقه : “مش عاوز اشوف خلقتكم تاني”.

يبقى في النهاية القول بأن بدوي الذي كتب ذات يوم عن “شخصيات قلقة في الإسلام”، لم يكن أقل قلقاً من هؤلاء، إذ عاش حياة طويلة عريضة مفعمة بالمتناقضات والابداعات والعطاء، فقد كان كبيراً في حياته ومماته ومعاركه.

اللقاء الأخير مع د.عبدالرحمن بدوي

كل من تربطه صلة بفيلسوف مصر الراحل عبدالرحمن بدوي أو يسمع به‏,‏ يعرف أن روحه من طبيعة قتالية‏,‏ ولا يتردد في إشعال الحرائق‏,‏ وإعلان الحروب في أي مكان أو زمان‏,‏ واذكر أن المرة الأخيرة التي التقيته فيها قبل اسابيع علي سرير المرض بمعهد ناصر انطلق كعادته في اطلاق احكام هنا وهناك غير عابيء بما قد تثيره من غبار‏.‏
وأشهد أن ذاكرته كانت حاضرة بقوة علي الرغم من الهزال الشديد الذي تمكن من جسده‏,‏ فأضعف قواه إلي حد أنه كان يعجز تماما عن الحركة‏,‏ وبرغم ذلك لم يكن يكف عن محاولات قضاء حوائجه البسيطة بنفسه‏..‏ و كان إذا رأي الشخص المكلف بمساعدته في ابتلاع أدوية وتنظيف جسمه وثيابه كان يصرخ طالبا إليه أن يترك حجرته فورا ولا يهدأ إلا إذا غاب ـ بالفعل ـ عن ناظريه‏.‏

وتفسير ذلك ـ حسبما يقول شقيقه د‏.‏ ثروت بدوي ـ أنه كان قد اعتاد طوال حياته أن يتولي أموره الشخصية بنفسه‏,‏ ولذلك كان يكره أن يساعده أحد‏,‏ لأن معني المساعدة هو أنه ضعيف وبحاجة إلي الآخر‏,‏ وهذا مالم يكن يطيقه أو يتحمله‏,‏ ولهذا السبب كنا ندخل عليها في مرضه الأخير لنجد الدماء تسيل من وجهه‏,‏ من جراء إصراره علي أن يحلق لحيته بيده المرتعشة‏.‏
وعندما دخل عليه استاذنا محمود أمين العالم‏,‏ هاشا باشا‏,‏ متعجلا شفاءه لم تتغير ملامح الدكتور بدوي الصارمة‏,‏ وظلت القسوة مرسومة علي وجهه وكأنها محفورة فيه‏,‏ وعندما تحدث معه‏,‏ لم يذكر إلا أنه قبل عشرات السنين أخذ منه كتابا للنقد ولم يعطه أجره‏,‏ فضحك محمود أمين العالم في مودة بالغة وقال له‏:‏ كيف اعطيك أجرك والكتاب لم تسمح الظروف بنشره في ذلك الوقت‏,‏ ثم انك قد نشرته ربما طبعتين بعد ذلك‏,‏ قال ذلك وهو يمد يده بحنو بالغ علي كتفيه النحيل‏.‏

وعندما جاء دوري‏,‏ وجدته ينظر إلي في غضب وقال‏:‏ أما أنت فلن اسمح لك بالتحدث معي إلا بعد أن افتشك بنفسي‏!‏ لأنك تخفي أجهزة تسجيل صحفية في طيات ملابسك‏!‏ وفهمت أن الدكتور بدوي لايزال يذكر الحديث الذي دار بيننا في منتصف الثمانينيات في باريس‏,‏ عندما منعني من التسجيل‏,‏ وبرغم ذلك وجده حرفيا منشورا علي صفحات الأهرام الدولي‏,‏ ناسيا أنني كنت أجتهد في حفظ ما يقول‏,‏ كما كنت اكتب خلسة بعضا من استطراداته‏.‏

ضحكت ملء شدقي‏,‏ وخلعت الجاكيت واتجهت نحوه ادور بكل جسمي قائلا‏:‏ ها أنذا يا دكتور بدوي أمامك‏,‏ ففتش ما شئت‏,‏ فوالله إني لم أكن قد اخفيت تسجيلا في السابق حتي أخفيه اليوم‏!‏ وفي صعوبة بالغة رفع د‏.‏ بدوي يده المرتعشة نحوي فاقتربت بجسمي منه حتي يطمئن ويهدأ بالا‏!‏

ومما أذكره في هذا اللقاء الأخير مع فيلسوفنا الراحل أنه أسهب في حديثه عن آخر ما خطته يداه‏,‏ وذكر أنها مسودات لنحو‏26‏ كتابا هي خلاصة ترجمات من الأدب الألماني في العصر الرومانتيكي‏.‏
وقال شقيقه د‏.‏ ثروت إن المكتب الثقافي المصري في باريس كلف أحد موظيفه بجمع جميع متعلقات الدكتور بدوي وحوائجه الشخصية المتوضعة إلي جانب أوراقه الخاصة وبعض المسودات الكتابية ومنها هذه الترجمات التي يذكرها د‏.‏ بدوي‏.‏

وما دمنا في مقام الحديث عن اللقاء الأخير مع الدكتور بدوي‏,‏ فلابد أن أذكر بامتنان موقفا انسانيا رائعا لاستاذنا محمود أمين العالم‏,‏ فقد اتفق أن تأتي احدي القنوات التليفزيونية لاجراء حوار مع الدكتور بدوي‏,‏ لكنه رفض بشدة‏,‏ وهاج وماج لبعض الوقت خصوصا عندما طلبوا إليه أن يترك حجرته لكي يتم التصوير في إحدي القاعات الفسيحة بالمستشفي‏.‏
وعاند الدكتور بدوي كعادته‏,‏ ورفض أن يبرح مكانه‏,‏ فسقط في يد منتجي البرنامج‏,‏ ولجأوا إلي حيلة غير بريئة فطلبوا من إلي أحد الممرضين أن يخبر د‏.‏ بدوي بأن عليه أن يمتطي الكرس المتحرك فورا لأنهم بحاجة إلي عمل بعض التحاليل العاجلة خارج حجرته‏..‏ ثم إذا انطلت هذه الخدعة عليه قادوه صاغرا إلي قاعة التصوير ليتم التسجيل‏..‏ وكان محمود أمين العالم يتابع هذه المحاولات في قلق‏,‏ وعيناه لا تهبطان من فوق وجه استاذه بدوي‏..‏ وفجأة انتابته موجة عارمة من الغضب وصرخ محتجا‏:‏ ماذا تفعلون يا سادة؟ أنكم تكذبون علي استاذي بدوي‏.‏ فذلك أمر لا يليق بمفكر في حجم وقامة عبدالرحمن بدوي‏.‏ وأضاف‏:‏ إما ان تقولوا له الحقيقة‏,‏ وإما أن تتركوه لحاله‏.‏

ثم اتجه محمود أمين العالم دون أن يفارقه غيظه نحو الباب معترضا علي سوء معاملة أستاذه بدوي‏.‏ وللإنصاف كان د‏.‏ بدوي يتابع الحديث كطفل‏,‏ يسمع صراخا‏,‏ وهمسات هنا ويشاهد أشخاصا يتحركون في عصبية هناك لكنه لم يأبه بذلك‏.‏ وأغلب الظن أنه كان مشغولا بأوجاعه التي هزمته وألزمته الفراش‏.‏ وهكذا‏,‏ بعد أن كان هناك شخص واحد‏(‏ هو د‏.‏ بدوي‏)‏ غاضبا‏,‏ اصبح هناك شخصان‏,‏ وكان علي أشقاء د‏.‏ بدوي الحاضرين أن يبذلوا جهدا مضاعفا لتهدئة د‏.‏ بدوي والاعتذار لمحمود أمين العالم‏.‏

وبعد مرور بعض الوقت أنس د‏.‏ بدوي لضيوفه ومر اللقاء بسلام‏,‏ وقبل أن اهم بالانصراف ملت علي الفيلسوف الراحل وقلت‏:‏ أمازلت يا دكتور بدوي غاضبا‏(‏ ناقما‏)‏ علي عبدالناصر‏,‏ مع أنك تقيم في معهد يحمل اسمه‏..‏ أقصد معهد ناصر؟ فصوب الرجل نحوي نظراته القاسية وكأنه يقول لي‏:‏ لم يكن هناك مثلي في غيرته علي الثورة التي انتظرتها طويلا‏,‏ لكن شغفي بها‏,‏ لم يمنعني من الاختلاف مع بعض الممارسات التي قامت بها باسم الشعب والديمقراطية‏.‏ شددت برفق علي يد الفيلسوف الراحل‏,‏ وتسمرت للحظات أمام جسده النحيل أتفرس في ملامحه بينما يلح علي خاطري يقين بأنني قد لا ألقاه بعد اليوم‏.‏

شاهد أيضاً

تهجير جديد يطرق أبواب حي القدم جنوب دمشق … وتفاصيله ..!؟

  كشفت مصادر خاصّة من حي القدم جنوبي العاصمة دمشق، عن التوصل لاتفاق مبدئي مع …