علاء الدين زيّات: قراءة في المجال الحيوي المدني لرواية “قبل الميلاد”

علاء الدين زيّات – حوار الأفكار

يختص فن الرواية بمراياه الواسعة، وباستخدام السرد كبانوراما لا تكتفي بعرض الصورة ببعدين فقط، بل تصر أن تكون بأبعاد ثلاثة، هذا ما يفعله. عنصر الزمن الذي يكون مركزياً في هذا النوع من الكتابة الإبداعية.

سأتناول في مقالتي هذه عناصر الرؤية المدنية في هذا العمل الروائي.. ولابد من القول أولاً:

إن العملية الإبداعية ذاتها، وفي مكونها التصويري (السرد والحكاية والبيئة) وفي مكونها الاستشرافي (الرؤية والمقولات والأثر الفعال)، تشكل حالة مدنية أساساً، وربما وحدها الرواية من يقدر على عكس المثلث المدني الاجتماعي على نحو قابل للتفاعل والتصديق والنفي أيضاً. وحتماً يعرف القارئ ان هذا المثلث يضم (الفرد والجماعة والدولة)

في العلاقات المتبادلة لهذا المثلث القلق، نكتشف مسارات البلدان، بين سعيها للضبط أكثر، للقمع وللحصار، ولخنق المبادرات أو صعودها الى فضاءات جديدة من الحرية، اذ يتصارع هؤلاء الأخوة الأشقياء فيما بينهم على الهواء والمساحة والنفوذ، وتقدر فقط بيئة قانونية محتواها الحرية ومقصدها العدل أن تجعل صراعهم منتجاً، وحتماً بالمقابل المعاكس سيكون لصراعهم بعده الكارثي، نحن نعيش تجلياته بكل وضوح.

في “قبل الميلاد” وفي لزومياتها المرتبة أبجدياً، علينا أن نتذكر أيضاً: أن اللغة ذاتها أحد أعظم المؤسسات المدنية، بل هي بداية مغادرة التوحش نحو التمدن، سنجد ونحن ننتقل مع محمود الوهب في روايته حرفاً حرفاً، ذلك التشابك متعدد الابعاد بين فرد ومجتمع ودولة، ربما العنصر الأخير الذي بقي تحت دائرة الشك وحسمه، هو سقوط بطلنا حين انتهت زيارته للسيد الجليل، وسقوط  برنامج الإصلاح معه.

حول نماذج الرواية من زاوية مدنية:

حظيت قبل الميلاد بنماذج ثلاث مطابقة لما اوردناه:

١-الفرد في وحدته وفرادته، في نموذجه غير المنسوخ، في أحلامه الصغيرة الإنسانية والأنانية، في بساطته وفساده..  فنحن أمام خالد ومخالفة البناء، وشعبان النسر مراقب التموين النزيه وحامد المكلوم الخاضع للابتزاز، ومياسة النقية، وهيام العفوية المحبة للحياة والشيخ موفق البدري المتنور.. أما على الجانب المهتز القلق فقد وجدنا عبد الفتاح المتناقض، وصبحي الطير المتصيد ونضال مسافر المنهار..

وعلى المقابل نجد الثالث الأسود، إذ كان هناك الغضنفر، والرمرام، والسيد الجليل، ومرتضى البارودي، والشيخ فريد..

هي بمجملها شخصيات مألوفة في مجتمع لم ينتج من توازنات السلطة والمال والدين غير الأزمات

٢-على الجانب المجتمعي وهو العنصر الثاني من مثلثنا المدني كان هناك انتقال مستمر بين فردية المشكلة والمعاناة، إلى انعكاسها على مدى واسع وعريض لتنال بعدها العام..

خالد والغرفة المزالة من البلدية في “ب” وأحياء العشوائيات لدى حامد في هاء وحزام الفقر في “دال” وخراب بنية المدينة في المقطع الطويل “ح” عن سينما فؤاد وقبلها حديقة المقصف العمالي، فصل وتنكيل بموظفين لسوء الأمانة أمام انهيار اخلاقي لمدير التموين والمحافظ، وسقوط المثل لدى نضال مسافر بسبب الاغراء وشراكة المال والسلطة والسياسة لدى مرتضى البارودي.

٣-اما العنصر الثالث وهو الدولة الذي بقي مثار تشكك منذ همسة الرجل الافتراضي الأول ولغاية اقتناء نسخة من كتاب الكواكبي. لكل شخص معادٍ للديكتاتورية فقد بقيت تتأرجح بين النقد العميق للبنية والتردد في التغيير.. وأخيراً كما شاهدنا انهيار أي مشروع للإصلاح.

ظهرت الدولة قزماً أمام السلطة في أداء الشرطة في مخفر الجميلية، وفي كتابات عصام عن اعتقاله والتنكيل به، وفي سلوك الغضنفر والرمرام إلخ ولم يكن لهمام حامل إرث جده الوطني أي حصانة. لقد كان مذعوراً من مجرد استدعائه لأحد أفرع الأمن.. هو توحش كبير يقصي أي فرصة للتفاعل ويقوم كلياً على النفي، تتحدث مذكرات عصام عن عينة بسيطة من وحشية السلطة، واحتكارها للفعل دون باقي عناصر المجتمع، ويقول أبو الليل: إنهم لا يوفرون أحداً، والرمرام يعصف باقتصاد البلاد كلها، والغضنفر رجل الخمسات المرتشي القديم، يصبح سيد المدينة!

عبر تفاعل هذه العناصر الثلاثة وضع الكاتب نصب عينه دوماً إضاءة البعد الخطر لخنق مبادرة الناس، واستغلالهم عبر ماكينة السلطة كلقمة عيش وأمن وشرطة واستغلال نفوذ..

في بحث الإطار المدني للرواية لابد من تسجيل بعض الافكار الإضافية:

١-ذاكرة المدينة وهي ذاكرة الكاتب أيضاً وتحولاتها الكبرى في العقدين الأخيرين ورصد مجموعة كبيرة من هذه الظواهر (الترام -قويق -سينما فؤاد -المقصف -المباني الأثرية) وهذا بعد مديني تعددت حالات عرضه كهاجس يختص بالذاكرة الاجتماعية للمكان

٢-بالمقابل نجد أحياء المخالفات والصفيح وانعدام الخدمات يعكس الطابع اللاإنساني لنمو المدينة وخضوعها الكلي لسياسات عرض وطلب ترتبط بجشع المتنفذين والجهاز الاداري

٣-تقديم نماذج حزبية مختلفة تراوحت بين حماسة الشعار والانتهازية في إدانة واضحة لما أنتج من مؤسسات حزبية والتركيز حتما بموجب السرد ينال بعض أحزاب الجبهة وكوادرها..

٤-عرض لعدد من جوانب العمل المدني. الاعتصام لمنع تغيير المقصف، نشاط هيام، والاستقلالية عن الأهل نقاشات الملتقى الخ، وهي تعكس تجارب واقعية حية..

٥-ظواهر مدنية مهمة أخرى ظهرت كهجرة الريف للمدينة، البسطات، كرمو موزع الدخان الشاب المسحوق والعنيف، وشريك المؤسسة الأمنية، قدمها الكاتب بحيادية وواقعية تامة.

٦-تزاوج السلطة مع رجال الدين، والنظرة التقليدية النصية (القعقاع -مدير الاوقاف -الشيخ فريد)

٧-على جانب اجتماعي مديني شكلت الفقرات أو الفصول “م، ن، س، و،هاء” أما المقاطع الخاصة بعلاقة همام بهيام، فقد ركزت على الانسان ككائن فرد في بنيته النفسية والعاطفية نقول:

شكلت سرداً طويلاً، ومع ذلك لم تساعد الإطالة على الاقناع اللازم حول شرعية الحب، وقدريته بل قدمت الإطار الاجتماعي المدني الذي هو أقرب للوجودية، واعتقد بأنها نظرة أبعد من واقعنا العام.

في الختام يجب ان نتذكر أن همام لا يحترف العمل السياسي الحزبي، هو وطني من آل عاصم الصخرة، وهذا الموقف اتخذه بقناعة تامة، فهو يشعر بالمسؤولية، والاشتغال بالرأي العام والانحياز الكلي للحق والخير والعدالة والمحبة..  وفي ذلك تعبير حقيقي عن قيم مدنية تشكل اليوم قاعدة الانطلاق الكبرى للرفع المجتمعي ، وسيتاح لها بمزيد من الالتصاق بقضايا الناس وعيش حياتهم ان تخلق العتبات المناسبة لإفراز أحزاب حقيقية، لا تبيع المواقف، ولا تشتري الولاءات، ولا تقصر البلاد على مقاس حزبها، ثم تقسر الحزب على مقاس قيادتها، وتقسر الأخيرة على مقاس  رئيسها .

ربما بقيت مشكلة همام الأخيرة أنه لم يكتشف الأداة لفعل لذلك واستهلك أغلب النص في تشكك بين برنامج الاصلاح وبرنامج التغيير، والسبب العميق لذلك أن حواره الداخلي مدخل الرواية الأساس استهلك من روحه وعمله طاقة كبيرة شغلته عن أداة التغيير الأهم، وهم الناس، كان يعتقد ان ما هو مطلوب هو نقل المهم، وليس الانتقال معهم لعالم مختلف..

فهل يكتشف أدواته المعرفية مستقبلاً، على الروائي أن يجيبنا، ربما في نص قادم.