رزق العبي: وسط جحيم الحرب.. كيف نحمي أطفال سوريا نفسياً واجتماعياً

رزق العبي -مجلة رؤية سورية ع 43/ أيار 2017م

أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أن العام الفائت هو العام الأسوأ لأطفال سوريا، والذي شهد مقتل أكبر عدد من الأطفال بالمقارنة بأي عام آخر منذ بداية الحرب.

وقالت المنظمة إن “562 طفلاً على الأقل قتلوا خلال العام الماضي، من بينهم 255 قتلوا في مدارسهم أو بالقرب منها، بزيادة بلغت 20 في المئة عن عدد الذين قتلوا خلال 2015.”

ويشمل هذا العدد أولئك الذين جرى التحقق رسميا من مقتلهم، وهو ما يعني أن عدد الضحايا قد يكون أعلى بكثير. كما تعتقد اليونيسف أن أكثر من 850 طفلا جُندوا للقتال.

ويصل هذا العدد إلى ضعف ما كان عليه عام 2015، وفقا للتقرير الصادر عن المنظمة. ووجد المجندون أنفسهم على خط المواجهة، أو استخدموا في تنفيذ أحكام الإعدام، أو كانتحاريين، أو حراس للسجون.

وقال المدير الإقليمي لليونيسيف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خيرت كابالاري، الذي يزور سوريا حاليا: “عمق المعاناة لم يسبق له مثيل”.

وأضاف: “ملايين الأطفال في سوريا يتعرضون للهجوم بشكل يومي، وانقلبت حياتهم رأسا على عقب.”

ولكن من بقي حيّاً، يبدو أنهم يعيشون أوضاعاً صعبة، يأتي الحرمان والخوف في مقدمتها، حيث بات الطفل السوري داخل البلاد محروماً من حقه في التعليم، وحقه في اللعب، والفرح، وملاحقته لقتله بشتى أنواع الأسلحة.

الاهتمام النفسي بالطفل:

تزايد الكوارث والأزمات يستدعي بناء برامج المساندة النفسية لدعم ضحايا الكوارث والأزمات، خاصة الأطفال منهم، لما لهذه الفئة الكثير من الخصائص التي تجعلهم أكثر عرضة من الفئات الأخرى للأزمات النفسية، ما يستوجب الاهتمام بهم، ومنحهم المزيد من الرعاية، وتوجيه ذويهم نحو معاملة أفضل لهم في ظل الظروف الصعبة. وتعتبر سورية بـ “ثورتها اليتيمة” التي دخلت عامها الخامس، من أكثر البلدان تعرضا للأزمات، قسوة وتشريداً وعنفا، وبالتالي يتوجب علينا تدعيم الأطفال نفسياً ليتمكنوا من أن ينتموا لمستقبل سليم معافى فيما بعد. آباء وأمهات: أبناؤنا أصبحوا أكثر ميلاً للعنف! يشعر السيد أبو أدهم بقلق شديد على مستقبل أطفاله، فهو يسكن في منطقة تتعرض للقصف منذ بدء الثورة، يقول : “قرأت في كتاب منذ أيام أن أطفال الحروب يميلون مستقبلاً للعنف والأطفال الذين تعرضوا لانتهاكات الحرب في لبنان وفلسطين والعراق.. بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال قصف منازلهم، أو هدمها، أو اعتقال، أو قتل ذويهم، أو بشكل غير مباشر من خلال مشاهدتهم لانتهاكات الحرب من خلال التلفاز، غالباً يكثر لديهم ميلاً شديداً للعنف، وتغير عام

في المزاج وفقدان للشهية، والشعور بعدم الاستقرار، واضطرابات النوم والقلق والكأبة والحزن والخوف، وعدم المبادرة والتردد، وتشتت الذهن وضعف الذاكرة والتذكر خاصة تلك الأمور المتعلقة بالدراسة والمدرسة، وتظهر لديهم أيضا مشاعر القلق والخوف ومشكلة التبول اللاإرادي، ويشكون بعضهم من الاعتلال الجسمي الشديد وهم بأمس الحاجة لمن يتعامل معهم أن يراعي تلك الخصوصية لأطفال الحروب”.

تقول أم سعيد: “طفلي منذ سنوات تغيرت حتى ألعابه فاستبدل البابا نويل بمسدس بلاستيك، ويمارس لعبة الشرطي والحرامي مع أطفال الجيران، هذا التغير سببه ما تشهده سوريا من حروب، والطفل أكثر الناس تأثرا”. شعور الطفل بالطفل يؤثر على سلوكه! يرجع علماء التربية وعلم النفس، شدة تأثر الطفل في الأزمات، لعدم اكتمال نضج الأطفال نفسياً واجتماعياً، ويقول أحمد السيد، أستاذ في علم النفس: “إذا كانت ظروف الكوارث فوق طاقة الكبار فهي بشكل مضاعف فوق طاقة تحمل الصغار، وفي هذه الجزء نقدم ظروف الأطفال في ظل الكوارث والأزمات وانعكاساتها النفسية والمعرفية والسلوكية على ذات الطفل وآليات التدخل السريع للحد منها والدور الذي يقع على الأسرة والمؤسسات التطوعية وقت الكارثة”.

مضيفا: “تشكل ظروف الكوارث والأحداث الصادمة اهتزازاً للثقة بالنفس وبالأخرين، فشعور الطفل بالخطر الذي يهدد حياته، والخوف والقلق المتزايد الذي يؤثر في سلوكه ومزاجه يكون لديه العديد من ردود الفعل الحادة على الصعيد النفسي والاجتماعي، مثيرة بذلك أزمة وصدمة نفسية للطفل، تجعله يصبح ضحية الخوف الشديد والكوابيس والكآبة وغيرها من الاضطرابات الانفعالية وهم في أمس الحاجة لتقديم المساندة النفسية ليس من الأهل فقط أو من الاختصاصين النفسيين إنما أيضاً من المتطوعين وفرق الطوارئ والأطباء اللذين يتواجدون باستمرار في مواقع الأحداث فتلك المعلومات في غاية الأهمية أن ندركها جميعاً لتتوج جهودنا المهنية والوطنية بالنجاح والتميز”.

ستة قواعد لمساعدة ذوي الأطفال أيضاً! إن دور الناشطين والمتطوعين والمتخصصين لن يكون جدياً، من دون مساعدة ذوي الأطفال وتوعيتهم بمخاطر الصدمات على شخصيات أبنائهم، ومدهم بآليات التعامل السليمة مع الأطفال في ظل الأزمات. ويرى مختصون أن على المتطوعين في فرق الكوارث وإدارة الأزمات، توعية الأهل بدورهم خلال الأزمات مع الأطفال، وإمداد الأهل بمجموعة اعتبارات وإرشادات تساعد المتطوعين في عملهم مع الأطفال للمساندة النفسية من صدمات الكوارث، حيث أن هناك مجموعة من الاعتبارات والسلوكيات يجب على الأهل أخذها بعين الاعتبار عند التعامل مع الطفل وذلك

لتكون مساندة نفسية ناجحة مع أطفالهم وسنوردها فيما يلي: * ملاحظة سلوك الطفل الطارئ: يتم ذلك عبر متابعة الأهل لسلوك الطفل وهي أول خطوة مهمة في عملية الدعم النفسي، فإن طرأ على الطفل سلوك غريب لم يتعودوا عليه فيجب أخده بعين الاعتبار وتفهمه وعرض الأهل تلك الملاحظات على الاختصاصيين. * الحوار: على الأهل إتاحة الفرصة للطفل للتحدث عن مشاكله واحتياجاته وهذا يخفف من معاناة الأطفال، لذلك يجب عدم ترك الطفل يغوص في أحزانه وحيداً. وتشجيع الطفل بالتحدث عن تجاربه فور حصولها وبعد حصولها وخاصة إذا لاحظت أنه ينطوي على نفسه من غير عادته. مع ملاحظة عدم إرغام الطفل على التحدث عما يزعجه أذا كان رافضاً الحديث، وفي تلك الأثناء علينا تشجيعه أن يعبر بالرسم أو وصف ما حدث من خلال دور يجب أن يقوم به عادة أثناء اللعب. *المرونة: على الأهل أن يؤمنوا بأن الطفل قادراً على خلق جو أفضل، أما بأنفسهم وأما بالتعاون مع الأخريين ويكفي الأطفال أن يبدي الكبار استعداداً لأن يقاوموا الظروف القائمة ويوفروا لهم ظروفاً أفضل. * الوضوح والتفهم: علينا ألا نكتفي الاستماع إلى الطفل وطمأنته حياناً، ومن الأهمية أن نعطيه الفرصة للإفصاح عن شعوره بالألم والحزن والغضب، أيضاً علينا أن لا ندعه يحس بالخجل إذا أو أظهر حزنه، فالحزن ليس دليلاً على الضعف. * التعامل مع نوبات الغضب: كثيرا ما يخاف الأطفال إرشادات الكبار وكثيراً أيضاً ما يتصرفون بعدوانية زائدة، لانعدام الفرص للتعبير عن أنفسهم بأشكال أخرى، فالأطفال في أمس الحاجة إلى الفعاليات والنشاطات التي تشكل متنفساً لطاقاتهم وتشعرهم بأنهم قادرون على الحكم وقيادة أنفسهم وقادرون على السيطرة على محيطهم، وأحياناً يفضل أن نترك الطفل يعبر عن مشاعر الغضب دون أن ندعه يحس أنه يقترف ذنباً يستدعي الخجل أو الندم ويمكن بعدها التحدث معه حول سبب هذا الغضب. * التعامل مع انزواء الطفل: علينا أن نحث الطفل المنطوي على نفسه، على المشاركة في نشاطات مختلفة، وندربه كما ندرب الصغير على المشي، وعلينا ألا نفاجأ من وتيرة التحسن في حالة الطفل مهما كانت بطيئة، كما لا ننسى أن الطفل له رغبته في التعاون معنا إلا أنه لا يستطيع تنفيذ هذه الرغبة؛ لذلك علينا اتباع الطرق مثل أن نحكي للطفل حكايات الحيوانات الخجولة والتي تسترجع ثقتها بنفسها تدريجيا وأن نوفر للطفل فرص النجاح في علاقته ولعبه مع الأطفال الأخريين، بحيث يبدي الجميع سرورهم وفرحتهم لنجاحه, ونطلب منه القيام بتمثيل دور شخصية خرافية تكون منطوية على نفسها، وخائفة في البداية ومن ثم تتحول إلى شخصية جريئة وشجاعة ومشاركة. تعزيز دور الإرشاد النفسي: الناس الذين يقطنون منطقة الكارثة أو الحروب، وتضرر أهاليهم من أحداثها هم أكثر الأشخاص

تعرضاً للصدمات، وهم بحاجة للمساندة النفسية في الحين واللحظة، وهذه المساندة تتم من خلال مستويات ثلاثة: 1- تدريب الأهالي عن طريق ورش العمل على ما يلي: – تماسك الأسرة مع بعضها وشد أزر أي فرد ينهار أمام الأزمة. – الاستغراق بأنشطة مختلفة لعزل الأسرة عن الأزمات الخارجية (اشتراك العائلة في صنع الألعاب، الاشتراك في الغناء..) – تهيئة عوامل مساعدة تخفف واقع الأزمة مثل الإضاءة الخافتة التدفئة، المكوث بعيداً عن النوافذ والأبواب والجدران الخارجية، توفر حقيبة إسعافات أولية. – تهيئة مكان أمن في المنازل بعيداً عن أماكن الخطر. 2- تقديم الإرشاد النفسي للأطفال الذين تعرضوا للصدمة: الكوارث نتاجها مؤلم للبشرية أجمعها عنيفة في أحدثها، للكبار والصغار، الكبار قد يكونوا مهيئين وناضجين لتحمل تلك الضغوط، أما الصغار فهي قاسية على ذواتهم، فوق تحمل طاقاتهم النفسية، لذلك تقديم المساندة النفسية للأطفال من أهم المسؤوليات الملقاة على عاتق المؤسسات والشباب المتطوعين وفرق الطوارئ والأزمات، من أجل مساندة متضرري الكوارث والأزمات وهذا يتحقق عبر الآليات التالية: – عبر الزيارات المنزلية، وعبر لقاءات دورية مع الأهالي داخل المؤسسة. – تدريب المرشدين والمتطوعين في المؤسسات على كيفية استعمال طرق التفريغ النفسي للصدمة عن طريق الدراما واللعب والحوار المناسب لشخصية الطفل وطبيعة المرحلة العمرية ومستواه العقلي والانفعالي. – تدريب المربين والمربيات في رياض الأطفال والمدارس وتدريب أولياء الأمور والأمهات بالإسعافات الأولية للصدمة أو آليات التعامل مع الطفل وقت الأزمات وأهمها احتضان الطفل وتهدئة روعه وتأمين نفسه من الخطر. – متابعة الأطفال الذين تعرضوا لمواقف صادمة عنيفة ومساعدتهم من خلال تحويلهم لمؤسسات الصحة النفسية لمتابعة علاجهم من الصدمة بشكل علمي مهني. 3- الأشخاص الذين تعرضوا لإصابة أو إعاقة جسدية: العمل النفسي مع الأطفال الذين تعرضوا لإعاقة أو فقدوا أحد أعضاء الجسد في غاية الأهمية ونستطيع مساعدتهم كمؤسسات بما يلي: – التأهيل النفسي للمصابين لتقبل الإصابة والتعايش معها. – تأهيل ذوي المصابين من أجل التعامل الجيد مع أبنائهم. – تزويد المصابين بالوسائل المساعدة التي تساعدهم على أداء احتياجاتهم ومهامهم اليومية. – المساعدة في دمج المصابين الذين حدثت لهم إعاقة جسدية أثناء الكارثة في الأسرة والمدرسة عن طريق زيارات المساندة وتهيئة الظروف في الأسرة والمدرسة

 

شاهد أيضاً

هل يتحول لبنان إلى (معبر استثماري) في إعمار سوريا؟ هذا ما صدم الصينيين في بلاد الأَرز!

  عانى لبنان على مدار 6 سنوات من التداعيات الاقتصادية للحرب الأهلية السورية في الجوار. …