باسل الحمصي: غوستاف لوبون و أنثروبولوجيا الشعوب

 باسل الحمصي -مجلة رؤية سورية ع 43/ أيار 2017م

ولد الطبيب غوستاف لوبون في مقاطعة نوجيه لوروتروفي فرنسا عام 1841، درس الطب ومن ثم توجه للانتربولوجيا وعكف على دارسات علم النفس وخاصة الاجتماعي، وكان اسم لوبون لوحده كافياً لتجد الصالون الثقافي الأسبوعي المخصص له يعُج بالشخصيات المرموقة والمؤثرة في المجتمع. ولم يقتصر نشاط غوستاف لوبون على هذا المجال فحسب بل له إنتاج غزير أيضاً في علم الآثار والأنتربولوجيا. وتجدُر الإشارة إلى أن أبرز مؤلفات لوبون تُرجمت إلى العربية من قبل عادل زعيتر ونذكر منها: روح الثورات والثورة الفرنسية، فلسفة التاريخ، اليهود في تاريخ الحضارات، الآراء والمعتقدات، حضارة العرب، السُنن النفسية لتطور الأمم، كما ورد في مقال للدكتورة هنادي الشوا.

دور الأخلاق

يُركز لوبون في دراساته على دور المبادئ والأخلاق في بناء الحضارة في حين لا يعُطي أهمية كبُرى لأشكال الحكومات والنُظم السياسية. ولكن بالمقابل فإن صيروة المبادئ حسب لوبون تشترط تطورها حتى تصبح جزءاً من الأخلاق نفسها، والحضارة ترجع في النهاية إلى عدد محدود من المبادئ التي يجُمع عليها الأفراد. ومن أكثر المبادئ تأثيراً في الحضارة المبادئ الدينية، لأن أعظم الحوادث التي مرَت على البشرية عبر التاريخ كان منشأها الاعتقاد الديني.

أما عن نظرته لمزاج الشعوب النفسي والعقلي، فيرى لوبون أن هذا الأخير لا يتكون فحسب من أفراد المجتمع الأحياء فقط ، بل على العكس الأموات يمُثلون الدور الأعظم في حياة الشعوب لأنهم هم الذين أسسوا عوامل سيرها اللاشعوري. وهذا ما أعجب فرويد وجعله يُشيد به. ويفسر لوبون بناء على هذه الرؤية الحروب بين الأمم في التاريخ بسبب اختلاف أمزجة الشعوب النفسية والعقلية، فلكل أمة فلسفتها الخاصة في تفسير الوجود والأسئلة المتعلقة به. ولهذا يرى لوبون أن الشعوب المتخلفة يمتاز أفرادها بالتشابه في طريقة التكفير وتفسير الوجود، أما الأمم التي ترتقي سلم الحضارة فنلاحظ فيها ازدياد الفروق بين الأفراد. إن هذه الفروق بلا أدنى شك تُعد من آثار الحضارة والتطور.

غوستاف لوبون مع العرب

لعل أبرز تعريف لغوستاف لوبون يمكن أن تعثر عليه حينما تبحث عنه هو الجملة التالية: غوستاف لوبون المؤرخ الذي لم يسر على خُطى معظم مؤرخي أوربا. فلماذا لم يلتزم لوبون بنهج سابقيه؟ ومن يطلع على مؤلفات لوبون وبقراءة سريعة يكتشف نزعته العلمية المحايدة للطروحات العرقية والعنصرية المُسبقة غير المبنية على مشاهدات واقعية والتي كانت سائدة آنذك في فرنسا وفي مقدمتها نظريات أرنست رينان. لذلك لم يكن هُمه فعلاً أن يسير على نهجٍ مخالف بقدر ما كان شغوفاً باكتشاف أسرار الحضارات العظيمة التي أثرت في البشرية. ومن أجل ذلك قام لوبون بجولاته ليرى ويكتشف بنفسه فكان له بالفعل نظرته الإستثنائية للحضارات العربية الإسلامية. حيث زار لوبون بين عامي 1882 -1884 كل من: المغرب والجزائر وتونس ولبنان ومصر وسوريا وبغداد وتركيا، و تعرف من خلال زياراته على أوجه هذه الحضارة وإسهاماتها على العالم الغربي وتأثيرها فيه إلى حد الإقرار في كتابه الشهير حضارة العرب بأن المسلمين هم الذين مَدَنوا أوروبا وليس العكس. ولهذا فأبرز ما اهتم به هو البحث عن أسباب انحطاط هذه الحضارة العظيمة.

اعتبر المحايدون غوستاف لوبون عالماً ومؤرخاً يستحق كل تقدير وثناء ومنهم الكاتبة الأميركية أليس وايدنر والبروفيسور سيرج موسكوفتشي وآخرين. بينما عزف الكثيرون عن متابعة أعماله واتهموه بمحاباة العرب والمسلمين، واللافت أن غالبيتهم كانوا من المتعصبين ضد العرب. ونذكر هنا أهم الانتقادات التي وُجهت له ما إزاء ما عبر عنه صراحة ً في كتابه حضارة العرب، حيث أعرب لوبون في كتابه عن أسفه لعدم تمكن الغافقي من الوصول إلى فرنسا وفتح أوروبا ويرى في ذلك سبباً لتأخر نهضة أوربا قروناً إضافية. وعلى الرغم من ذلك لم يسلم لوبون من بعض العرب والمسلمين أنفسهم، حيث لم تُرق أعماله لكثيرين وتعرضت بعضها للانتقادات ومردها الاختلاف بين النظرة اللاهوتية لهؤلاء والنظرة الواقعية التي تميز به لوبون.

قارئ الحضارات

امتاز لوبون بغزارة نتاجه العلمي ولذلك وكان من أبرز مؤلفاته “حضارة العرب” و “وسيكولوجية الجماهير”، فيما يخص كتاب حضارة العرب، أشاد لوبون بأبرز الخصائص التي تميز بها العربي والمُسلِم من مروءة وشجاعة وغيرة وإكرام الضيف وإغاثة الملهوف، ورأى لوبون أن سر انتشار الإسلام يكمن في وضوحه كما يكمن سر قوته في توحيده وما أمر به من عدل ومساواة وتهذيب للنفس. ولهذا يرى أن العرب وإن تواروا عن ساحة التاريخ فإن حضارتهم وديانتهم ولغتهم وفنونهم ستبقى حية ً. ولم يكتفِ لوبون عند هذا الحد في ذكر فضل العرب على الغرب بل ذهب في كتابه إلى إجراء مقارنة بين المزاج النفسي العربي والمزاج النفسي اليهودي مُنحازا ً للأول ومُنتقداً الثاني أشد الانتقاد.وفي وصف بنُية العرب الجسدية يقول : إنهم مربوعوا القامة ذوو تكوين حسن وهم سفع أي سُمر وجباههم عريضة عالية وحواجبهم سود منفصلة وعينهم كُحلٌ وأفواههم جميلة وأسنانهم منضدة.

سيكولوجيا الجماهير

كتاب سيكولوجيا الجماهير يُعتبر من أهم الكُتب في القرن العشرين ومن بين من أشادوا به سيغموند فرويد نفسه الذي وعلى الرغم من تحفظاته أشاد بأهمية هذا المؤلف في كتابه اللاشعور الجمعي والأنا ، واعتبر أن اهتمام لوبون بدور اللاشعور على الحياة النفسية للأفراد يجعل نظريته النفسيةتكاد تقتربمن نظرية فرويد.

ركزَ لوبون في كتاب سيكولوجية الجماهير على علم نفس الجماعات، واسترسل في شرح أفكاره الخاصة بأثر الجماعة على الفرد، حيث اعتبر أن القرارات التي تتخذها مجموعة من الأفراد الذين يُصنفون كأذكياء لا تختلف كثيراً عن القرارات التي تتخذها مجموعة أخرى أقل ذكاءاً أو حتى تلك التي تتميز بالبلاهة، ويعزي وجهة نظره إلى أن الجماهير تجمع الصفات المتدنية عند الأفراد لتُنتج في المحصلة قرارات غبية. أي بمجرد انضمام الفرد إلى مجموعات الجماهير فإنه يخسر جزءاً من تعقله ومدنيته ويتحول إلى كائن غريزي وهمجي والسبب أن الجمهور يمتاز بعاطفيته الشديدة. ويسوق على ذلك أمثلة تاريخية عن أشخاص كانوا يتحلون بمستوى لا بأس به من الذكاء قادهم انسياقهم وراء الجمهور إلى تحولهم إلى كائنات عفوية بدائية لاتملك أدنى درجات التحكم بعقلانيتها.

وفي مكان آخر يعُلِل لوبون نزع الجماهير التدميرية لما تبنيه من نُظم وعادات للسبب ذاته أي العاطفية حيث يرى بأن هناك نزوع لدى الفرد لبناء النظام وآخر لهدمه، ولا يخفى على أحد أن الحضارة لا يمكن أن تُبنى دون نظام ويرى بأن هذا هو التحدي الحقيقي للشعوب أي قدرتها على هدم العادات والتقاليد من جهة، والتقدم نحو الأفضل، لاسيما في زمن الثورات حيث تسود الفوضى والدمار وبالتالي يمكننا قياس درجة الرقُي والتحضر في أفراد المجتمع بمقدار نجاحهم في هذا التحدي. وهذا ما يفُسر بأن لوبون لا يعُطي أهمية كبيرة لتشكيل الحكومات والدساتير بقدر مايعُوِل على الأفراد أنفسهم، فبالنسبة له تبقى هذه الأمور شكلية وتستغرق زمناً طويلاً والاحتفاء بها لايعدو عن كونه وهماً.

قائد الجماهير

من قراءتنا لسمات القائد حسب لوبون نجد أنه استقى نظرته لسماته من نظرته للجماهير ككتلة بشرية تتصرف بعفوية وبعاطفية وغوغائية، فبالنسبة له هناك دافع غريزي لدى الجماهير يقودها لتنصيب قائد لها بمجرد تجمُعها، وهذا الزعيم ليس من الضرورة أن يكون رجل حكيم أو عالم ولكن غالباً يتم انتقاؤه بناء على ممارساته في القيادة. ويستأنف القول بأن الجماهير هنا هي من تساعد القائد كي يصبح طاغية فيما بعد من خلال حس الخنوع والالتزام بالطاعة الذي تُظهره، أما القائد فمن جهته كل ما عليه فعله هو دغدغتهم بكلمات عاطفية أيضاً تشبه نزوعهم للتجمع والانقياد وراءه. شيئاً فشيئاً تنسى الجماهير كل معنى للحرية وتنصهر بقائدها الرمز ويُصبح كل همها في الحياة إرضاء حاجاته وليس العكس. ولهذا يُقِر لوبون في مؤلفه الشهير: القوانين النفسية لتطور الأمم بأن لا حول و لاقوة لرجل في تحريك أمة إلا إذا جَسٌد آمالها وأحلامها، وإن قادة البشر هم الذين يمثلون مبادئهم، وإن شئتَ فُقل: قائد الناس مبادئهم، ولا عبرة فيما إذا كانت هذه المبادئ حقاً أم باطلاً. توفي لوبون في العام 1931 تاركا ً وراءه إرثاً ضخماً وسؤالاً ينبغي أن يسأله كل عربي لنفسه بعد أن يقرأ كتاب سيكولوجية الجماهير: كم من الطغاة صنعنا بأيدينا؟.

مقتطفات من كتاب سيكولوجية الجماهير للكاتب غوستاف لوبون

 

الفرد ما ان ينخرط في جمهور محدد حتى يتخذ سمات خاصة ما كانت موجودة فيه سابقا , او يمكن القول انها كانت موجودة ولكنه لم يكن يجرؤ على البوح بها او التعبير عنها بمثل هذه الصراحة و القوة

——-

علم النفس الجماعي يفيدنا ويضيء عقولنا عندما يشرح لنا جذور تصرفاتنا العمياء و الاسباب التي تدفعنا للانخراط في جمهور ما و التحمس اشد الحماس للزعيم فلا نهي ما فعلناه الا بعد ان نستفيق من الغيبوبة وربما جعلنا ذلك اكثر حيطة و حذراً في الانبطاح امام زعيم جديد قد يظهر

——-

ان النفسية الجماعية لفئة ما ليست هي مجموع النفسيات الفردية لاعضائها .. كما ان الجماعة ليست محصلة لمجموع الافراد

——-

لقد حلت السياسة محل الدين ولكنها استعارت منه نفس الخصائص النفسية .. بمعنى آخر اصبحت السياسة دينا معلمنا وكما في الدين فقد اصبح البشر عبيدا لتصوراتهم الخاصة بالذات

——-

الحقائق ليست مطلقة ولا ابدية وانما لها تاريخ محدد بدقة و عمرها قد لا يتجاوز عمر الزهور او قد يتجاوز عمر القرون ان لها لحظة ولادة و نمو وازدهار مثلها مثل الكائنات الحية ثم لحظة ذبول فشيخوخة فموت

——-

كما ان روح الفرد تخضع لتحريضات المنوم المغناطيسي او الطبيب الذي يجعل شخصا ما يغطس في النوم فان روح الجماهير تخضع لتحريضات و ايعازات احد المحركين او القادة الذي يعرف كيف يفرض ارادته عليها .. و في مثل هذه الحالة من الارتعاد والذعر فان كل شخص منخرط في الجمهور يبتدىء بتنفيذ الاعمال الاستثنائية التي ما كان مستعدا اطلاقا لتنفيذها لو كان في حالته الفردية الواعية والمتعقلة .. فالقائد الزعيم اذ يستخدم الصور الموحية و الشعارات البهيجة بدلا من الافكار المنطقية والواقعية يستملك روح الجماهير و يسيطر عليها

——-

الجماهير مجنونة بطبيعتها .. فالجماهير التي تصفق بحماسة شديدة لمطربها المفضل او لفريق كرة القدم الذي تؤيده تعيش لحظة هلوسة و جنون .. والجماهير المهتاجة التي تهجم على شخص لكي تذبحه دون ان تتاككدك من انه هو المذنب هي مجنونة ايضاً .. فاذا ما احبت الجماهير دينا ما او رجلا ما تبعته حتى الموت كما يفعل اليهود مع نبيهم و المسيحيون المتعصبون وراء رهبانهم والمسلمون وراء شيوخهم .. والجماهير اليوم تحرق ما كانت قد عبدته بالامس و تغير افكارها كما تغير قمصانها

——-

هناك نمطين من الفكر فقط : الاول يستخدم الفكرة المفهومية و الثاني يستخدم الفكرة المجازية او الصورية .. والاول يعتمد على قوانين العقل و البرهان والمحاجة المنطقية و اما الثاني فيعتمد على قوانين الذاكرة والخيار و التحريض .. واكبر خطأ يرتكبه القائد السياسي هو ان يحاول اقناع الجماهير بالوسائل العقلانية الموجهة الى اذهان الافراد المعزولين

——–

الاحداث الضخمة المأثورة التي تتناقلها كتب التاريخ ليست الا الاثار المرئية للمتغيرات اللامرئية التي تصيب عواطف البشر

——–

هناك عاملان اساسيان يشكلان الاساس الجذري لتحول وتبدل الفكر البشري في الفترة الحالية الاول هو تدمير العقائد الدينية و السياسية و الاجتماعية التي اشتقت منها كل عناصر حضارتنا .. والثاني هو خلق شروط جديدة كليا بالنسبة للوجود و الفكر و قد تولدت عن الاكتشافات الحديثة للعلوم و الصناعة

———

نضال الجماهير هو القوة الوحيدة التي لا يستطيع ان يهددها اي شيء .. وهي القوة الوحيدة التي تتزايد هيبتها و جاذبيتها باستمرار

———-

لم تعد مقادير الامم تحسم في مجالس الحكام و انما في روح الجماهير

———-

ان الجماهير غير ميالة كثيراً للتأمل .. وغير مؤهلة للمحاكمة العقلية ولكنها مؤهلة جداً للانخراط في الممارسة والعمل والتنظيم الحالي يجعل قوتها ضخمة جداً .. والعقائد الجديدة التي نشهد ولادتها امام اعيننا اليوم سوف تكتسب قريبا نفس قوة العقائد القديمة : اي القوة الطغيانية و المتسلطة التي لا تقبل اي مناقشة او اعتراض

———–

عندما تفقد القوى الاخلاقية التي تشكل هيكل المجتمع زمام المبادرة من يدها .. فان الانحلال النهائي يتم عادة على يد الكثيرة اللاواعية والعنيفة التي تدعى عن حق البرابرة

———–

ان معرفة نفسية الجماهير تشكل المصدر الاساسي لرجل الدولة الذي يريد الا يُحكم كليا من قبلها و لا اقول يحكمها لان ذلك قد اصبح صعبا جداً اليوم

———–

ليست الوقائع بحد ذاتها هي التي تؤثر على المخيلة الشعبية و انما الطريقة التي تعرض بها هذه الوقائع

———–

الانسان ليس متدينا فقط عن طريق عبادة آلهة معينة وانما ايضا عندما يضع كل طاقاته الروحية و كل خضوع ارادته و كل احتدام تعصبه في خدمة قضية ما او شخص ما كان قد اصبح هدف كل العواطف والافكار و قائدها

———–

ان عدم التسامح و التعصب يشكلان المرافق الطبيعي للعاطفة الدينية

———–

الكلمات ليس لها الا معان متحركة و مؤقتة و متغيرة من عصر الى عصر و من شعب الى شعب و عندما نريد ان نؤثر على الجمهور بواسطتها فانه ينبغى علينا اولا ان نعرف ما هو معناها بالنسبة له في لحظة معينة وليس معناها في الماضي او معناها بالنسبة لافراد ذوي تكوين عقلي مختلف فالكلمات تعيش كالافكار

————

لكي نقنع الجماهير ينبغي اولا ان نفهم العواطف الجياشة في صدورها و ان نتظاهر باننا نشاطرها اياها ثم نحاول بعدئذ ان نغيرها عن طريق اثارة بعض الصور المحرضة بواسطة الربط غير المنطقي او البدائي بين الاشياء

————

ان دور القادة الكبار يكمن في بث الايمان سواء اكان هذا الايمان دينيا ام سياسيا ام اجتماعيا , انهم يخلقون الايمان بعمل ما او بشخص ما او بفكرة ما , و من بين كل القوى التي تمتلكها البشرية نجد ان الايمان كان احدى اهمها و اقواها

————

في كل الدوائر الاجتماعية من اعلاها الى اسفلها نجد ان الانسان يقع تحت سيطرة قائد ما اذا لم يكن معزولا و نجد ان معظم الافراد خصوصا في الجماهير الشعبية لا يمتلكون خارج دائرة اختصاصهم اية فكرة واضحة و معقلنة و بالتالي فهم عاجزون عن قيادة انفسهم بانفسهم

————

ان التاثير المزدوج للماضي والتقليد المتبادل يؤديان في نهاية المطاف الى جعل كل البشر التابعين لنفس البلد ونفس الفترة متشابهين الى درجة انه حتى اولئك الذين يتوقع منهم ان يفلتوا من هذا التشابه كالفلاسفة والعلماء والادباء يبدون متشابهين في اسلوبهم ومطبوعين بطابع الفترة التي ينتمون اليها

————-

ان الثورات تساعد على التدمير الكلي للعقائد التي اصبحت مهجورة ولكنها لا تزال رازحة بسبب نير الاعراف والتقاليد

————–

ان الطغاة الحقيقيين للبشرية كانوا دائما اشباح الموتى او الاوهام التي خلقتها بنفسها

—————

هناك اسباب عديدة تتحكم بظهور الصفات الخاصة بالجماهير و أولها هو ان الفرد المنضوي في الجمهور يكتسب بواسطة العدد المتجمع فقط شعورا عارما بالقوة , و هذا ما يتيح له الانصياع الى بعض الغرائز و لولا هذا الشعور لما انصاع , و هو ينصاع لها عن طوع و اختيار لان الجمهور مُغفل بطبيعته و بالتالي فغير مسؤول . و بما ان الحس بالمسؤولية هو الذي يردع الافراد فانه يختفي في مثل هذه الحالة كليا

—————-

الخصائص الاساسية للفرد المنخرط في الجمهور هي : تلاشي الشخصية الواعية , هيمنة الشخصية اللاواعية , توجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف و الافكار , الميل لتحويل الافكار المحرض عليها الى فعل و ممارسة مباشرة , و هكذا لا يعود الفرد هو نفسه و انما يصبح انسان آلي ما عادت ارادته بقادرة على ان تقوده

—————–

مجرد ان ينطوي الفرد داخل صفوف الجماهير فانه ينزل درجات عديدة في سلم الحضارة

—————–

ان الجمهور يمكنه بسهولة ان يصبح جلاداً و لكن يمكنه بنفس السهولة ان يصبح ضحية وشهيداً فمن اعماقه سالت جداول الدم الغزيرة الضرورية لانتصار اي عقيدة او ايمان جديد

——————

الجمهور ليس بحاجة لان يكون كثير العدد لكي تدمر امكانيته على الرؤية بشكل صحيح و لكي تحل الهلوسات محل الوقائع الحقيقية التي لا علاقة لها بها , فيكفي ان يجتمع بعض الافراد لكي يشكلوا جمهوراً و حتى لو كانوا علماء متميزين , فانهم يتحلون بكل صفات الجماهير فيما يخص الموضوعات الخارجية عن دائرة اختصاصهم , ذلك ان ملكة الملاحظة و الروح النقدية التي يمتلكها كل واحد منهم تضمحل و تتبخر

——————

ليس للاساطير اي تماسك ذاتي , فخيال الجماهير يحولها و يعدلها باستمرار بحسب الازمان , وخصوصا بحسب الاعراق و الاجناس

——————

ان بساطة عواطف الجماهير و تضخيمها يحميها من عذاب الشكوك و عدم اليقين . فالجماهير كالنساء تذهب مباشرة نحو التطرف , فما ان يبد خاطر ما حتى يتحول إلى يقين لا يقبل الشك

—————–

بما ان الجماهير لا تعرف الا العواطف البسيطة والمتطرفة فان الاراء و الافكار و العقائد التي يحرضونها عليها تقبل من قبلها او ترفض دفعة واحدة , فاما ان تعتبرها كحقائق مطلقة او كاخطاء مطلقة

—————–

لحسن حظ الحضارة فان هيمنة الجماهير على الحياة العامة لم تولد الا بعد ان كانت الاكتشافات الكبرى للعلم و الصناعة قد تحققت و انتهت

——————

الجماهير التي تضرب عن العمل تفعل ذلك من اجل اطاعة الاوامر اكثر مما تفعله من اجل الحصول على زيادة الرواتب و نادرا ما تكون المصلحة الشخصية محركا قويا لدى الجماهير هذا في حين انها تشكل المحرك الكلي تقريبا لدوافع الفرد الواحد

—————–

في زمن المساواة لا يعود البشر يثقون ببعضهم البعض بسبب تشابههم و لكن هذا التشابه يعطيهم ثقة لا حدود لها تقريبا في حكم الجمهور العام و رايه , و ذلك لانهم يجدون من غير الممكن الا تكون الحقيقة في جهة العدد الاكبر بما ان الجميع يمتلكون نفس العقل

——————

ان التقليص التدريجي لكل الحريات لدى بعض الشعوب يبدو انه ناتج عن شيخوختها بقدر ما هو ناتج عن النظام السياسي . نقول ذلك على الرغم من مظاهر التحلل و الاباحية التي قد توهم هذه الشعوب بامتلاك الحرية . و هذا التقليص يشكل احد الاعراض المنذرة بمجيء مرحلة الانحطاط التي لم تستطع اي حضارة في العالم ان تنجو منها حتى الان

 

شاهد أيضاً

تهجير جديد يطرق أبواب حي القدم جنوب دمشق … وتفاصيله ..!؟

  كشفت مصادر خاصّة من حي القدم جنوبي العاصمة دمشق، عن التوصل لاتفاق مبدئي مع …