د. خطار أبو دياب: الوصفة الروسية في سوريا … التقسيم أو البلقنة أو تأهيل النظام؟

د. خطار أبو دياب -مجلة رؤية سورية ع 44/ حزيران 2017م

على هامش منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، يوم الأول من يونيو 2017، أعرب الرئيس فلاديمير بوتين عن قلقه من احتمال تقسيم سوريا، مشدداً على ضرورة أن تصبح مناطق خفض التصعيد  ( مذكرة أستانة في 4 مايو الماضي) نموذجاً للحوار السياسي من أجل الحفاظ على وحدة سوريا.

وفي هذا السياق أقر الرئيس الروسي عن ” تخوف محدد من احتمال تحول تلك المناطق إلى نماذج لتقسيم البلاد في المستقبل”. وسبق لوزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر التحذير من التقسيم وحدا حدوه أخيراً أمين عام جامعة الدول العربية أحمد ابو الغيط بعد لقائه مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. هكذا بعد ست سنوات ونيف من عمر المأساة السورية ، يبقى الاستعصاء والتحلل والتفكك وتوزع مناطق النفوذ من العلامات الفارقة. ويبدو أكثر فأكثر أن وصفة الانتداب الروسي هي التقسيم أو البلقنة وكل ذلك من أجل إعادة تأهيل منظومة الأسد التي هرعت موسكو لنجدتها ومنحت بدورها روسيا الغطاء القانوني للتدخل المكشوف في الشأن السوري.  

  بعد قرن على “اتفاقية سايكس – بيكو”، راهن العديد من المراقبين والمتابعين على بلورة تقاسم مشابه للمشرق أو إعادة تركيب للإقليم عبر اتفاقية جديدة تحت مسمى “كيري – لافروف”. لكن الاستعصاء في الملف السوري وضخامة الرهانات على مآله أسقط ذلك. وبينما ترك جون كيري الملف وغادر وزارته نهاية 2016، بقي العراب سيرغي لافروف ممسكاً بهذا الملف تحت العين الساهرة للقيصر الجديد. وزار لافروف من جديد البيت الأبيض الذي لم يستقبله سيده  منذ 2013، بسبب مناخ الحرب الباردة الذي طبع صلة ن الكرملين بإدارة باراك أوباما. والملفت أن لافروف عاد إلى واشنطن من بوابة الملف السوري، وذلك  بناء على طلب فلاديمير بوتين الذي اقترح على نظيره دونالد ترامب منح هذه الفرصة له ليطلعه بالتفاصيل على اتفاق أستانة. واللافت أيضاً أن وسائل الإعلام الأمريكية لم تقم بتصوير مصافحة ترامب – لافروف على عكس وسائل الإعلام الروسية التي سارعت إلى نقلها وتعميمها ، وذلك يبين حرص الرئيس الروسي على انتزاع ” تنسيق” مع واشنطن يحتاج إليه ملياً للخروج من عزلته الدبلوماسية حيال المسألة السورية. وهذا يعني كذلك أن الضربة العسكرية الأمريكية المحدودة رداً على هجوم خان شيخون الكيميائي، جرى تجاوزها  واستوعبت موسكو صدمتها وانبرى الرئيس بوتين  من خلال مسار أستانة ليعيد الإمساك بزمام المبادرة وجعل الورقة السورية معبره المفضل نحو المقايضة الكبرى مع واشنطن حول كل المسائل الخلافية ومنها أوكرانيا والعقوبات ضد روسيا.  وهذا التهافت الروسي على طلب التنسيق مع ترامب أو على الأقل الرضا الضمني أو التغاضي من قبل واشنطن إزاء اتفاق أستانة، يعني أن كل انجازات ومكاسب روسيا في سورية لم تكن لتتم من دون تسهيل أو صمت أو عدم مبالاة واشنطن في عهد الإدارة السابقة.

بعد منعطف حلب نهاية 2016 والضربة القاسية التي تعرضت لها القوى السورية المعارضة، راهنت موسكو، في سباق مع الوقت قبل بلورة سياسة ترامب السورية،  على التوصل إلى حل سياسي يحمي مصالحها ويعيد تأهيل النظام السوري في عيون الغرب وواشنطن تحديداً. بيد أن التطورات الميدانية وضربة قاعدة الشعيرات دفعت إدارة ترامب لتبني موقف متشدد من بقاء بشار الأسد من دون الذهاب بعيداً إلى حد الصدام مع موسكو ، إذ أن الرهان الأساسي في واشنطن يتمركز على فك الارتباط الاستراتيجي بين موسكو وطهران، وقيام روسيا بكبح جماح النظام السوري – كما طالب ترامب لافروف- تمهيدا لإنجاح الحل السياسي الانتقالي وفق القرارات الدولية.

من هنا يمكن فهم العجلة الروسية والضغط الروسي باتجاه التوصل إلى توقيع مذكرة تفاهم أستانة الذي ينص على إنشاء أربع مناطق لخفض التصعيد بضمانة كل من موسكو وأنقرة وطهران.  وجاء الاتفاق عقب المكالمة الهاتفية الطويلة  بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، بحضور مساعد وزير الخارجية الأميركي بالنيابة لشؤون الشرق الأدنى بعد ذلك كمراقب خلال محادثات أستانة. تتوجب الإشارة إلى أن استخدام تعبير«مناطق تخفيف التصعيد» بدل تعبير«مناطق آمنة» لا يتصل فقط بالسابقة الكارثية لهكذا مناطق خلال حرب البوسنة ( مجزرة سريبرنيتشا في 1995 )، بل لأن ذلك يتطلب ضمانات أمنية وحظر تحليق الطيران.  أرادت القيادة الروسية على الأرجح استباق إعلان واشنطن عن خطتها للمناطق الآمنة وحاولت من خلال صيغتها ” التخفيفية” ( اللايت) تمرير الوقت أو تسوير مناطق النظام في ما يطلق  عليه ” سوريا المفيدة” . ولوحظ خلال زيارة لافروف إلى واشنطن محاولة روسيا إغراء الجانب الأمريكي أو استدراجه للاهتمام بمنطقة تخفيف التصعيد في الجنوب السوري وصلة ذلك بمصالح الاردن وإسرائيل الأمنية والوضع على المثلث الحدودي العراقي – الأردني – السوري. وقد تسرب من محادثات أستانة رغبة روسية في وقف تمدد إيران والميليشيات التابعة لها والوعد بانسحابها لاحقاً .وقد ساعد التوتر الأمريكي – التركي حول معركة الرقة ودور الأكراد ، إلى انغماس تركيا في اتفاق أستانة لأنه يؤمن لها منطقة نفوذ في أدلب ، بينما تلعب روسيا الدور الأساسي في المناطق قرب حمص ودمشق. والأدهى في هذا الاتفاق كونه يسعى لتشريع مناطق نفوذ مما يهدد على المدى الطويل ببلقنة سوريا عملياً أو تقسيمها.

بينما تركز واشنطن جهدها تحت ستار محاربة الارهاب على بسط السيطرة على الطبقة والرقة ودير الزور عبر الميليشيات السورية المتعاونة معها ( قوات سوريا الديمقراطية في الشمال وقوات من الجيش السوري الحر في الشرق) وذلك يقطع نظرياً الصلة البرية للعراق وإيران مع سورية،  يتضح أن موسكو لا تعرقل جهود واشنطن مقابل تفهم واشنطن اتفاق خفض التصعيد مع إبداء التحفظ على الدور الإيراني.

بانتظار لقاء القمة المرتقب بين الرئيسين الأمريكي والروسي بداية يوليو على هامش قمة العشرين في هامبورغ، لن تتضح كل معالم الصورة حول منسوب التسويات والتجاذبات حيال المسألة السورية وآفاق الاقتراب من الحل الواقعي المنشود بدل التمويه عبر الاتفاقات العابرة والانجازات المحدودة.

* أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك  – باريس

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: هل كانت اتفاقية كيري ـ لافروف كذبة كبرى؟

  د. فيصل القاسم: القدس العربي لا شك أن التاريخ سيذكر أن سيرجي لافروف وزير …