رزق العبي: من إدلب إلى تركيا هكذا يصوم السوريون رمضانهم السابع بتوقيت الحرب

 

رزق العبي -مجلة رؤية سورية ع 44/ حزيران 2017م

لم يحمل شهر رمضان في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، إلّا شهر الذكريات الحزينة، والقصف والدمار، لكن هذا العام يبدو الأمرُ مختلفاً بعض الشيء.

إنه الرمضان السابع بتوقيت الحرب، والذي يأتي لأول مرّة منذ سبع سنوات دون قصف أو خوف من براميلَ متفجّرة ترمى على سفرة الإفطار، مَغْرِبَ كل يوم، كما كان يحصل في ريفي إدلب وحماة، ودرعا، والغوطة الشرقية.

يقول “أحمد”، أحد أهالي ريف إدلب الجنوبي: “الناس منشغلة بتجهيزات الصوم، وموائد الإفطار، وليست منشغلة كالعادة بالسماء، تنتظرُ صاروخاً أو برميلاً، كما كان يحصل في رمضان من كل عامٍ”.

ورغم أن البلاد بشكل عام تشهدُ ضائقةً مالية، ترخي بظلالها على كافة مفاصل الحياة، إلّا أنّ هذا الأمر ربما أصبح ثانوياً، على حدّ قول الكثيرين، لأن الأمان يجلب المال، كما يرى “أبو سعيد”، وهو نازح من برزة إلى ريف إدلب، والذي تابع بالقول: “لستُ خائفاً من أي فقرٍ رغم قلّة الحيلة، وطالما أن السماء لا يوجد فيها ما ينغّص فرحة الصائم بصومه، فأعتقد أنّي أستطيع العمل لتأمين المال، ومصاريف الحياة بشكل عام”.

أسعار مرتفعة:

ومنذ بدء اليوم الأول لرمضان، وشوارع المناطق المحررة، في إدلب وريف حماة وريف حمص، امتلأت بالبسطات من (سوس، تمر هندي، تمر، عجوة، حلاوة، حلويات..) كأشياء تعتبر ركناً أساسياً في شهر الصوم.

وفي جولة ميدانية على أسواق معرة النعمان، وكفرنبل، ومدينة إدلب، بدت الأسعار كالتالي: (شاي نوع أول 4000 ليرة سورية، سكّر 385 ليرة، رز نوع أول 450 ليرة، صحن بيض 800 ليرة، زيت قلي 550 ليرة). فيما بدت أسعار الخضار كالتالي: (بندورة 200 ليرة، فليفلة 350 ليرة، خيار 75 ليرة، بطاطا 175 ليرة، باذنجان 450 ليرة، فاصولياء خضراء 275 ليرة، كوسا 125 ليرة، خسّ 75 ليرة، ثوم 125 ليرة)، أما الألبان والأجبان، واللحوم، وفق ما رصدت مجلة رؤية سورية في ريف إدلب الجنوبي: )لبن بقر 225 ليرة، لبن غنم 375 ليرة، حليب 175 ليرة، جبنة غنم 1100 ليرة، جبنة بقر 1000 ليرة، ولحمة خاروف 4000 ليرة، لحمة فطيمة 3400 ليرة).

وحول بعض هذه الأسعار يؤكد أحد الباعة، أن الأرباح قليلة جداً، لأن أي صنف غذائي، يحتاج إلى رسوم ليصل إلى المناطق المحررة، حيث أن أغلب البضائع تأتي من مناطق النظام إلى المناطق المحررة، وتعبر حواجز عدّة، لاسيما من مدينة حماة حتى إدلب.

سكبة الإفطار:

لم تكن حركة  الصحون والأطباق تهدأ بين الجيران في الساعات التي تسبق الإفطار في رمضان، فعادة “السكبة” قديمة وحافظ عليها السوريين حتى الآن.

قبيلَ الإفطار بنصف ساعة، أعدّت “أم ظافر” عدداً من الصحون (سكبة للجيران)، ونادت إلى ابنها الصغير، ليرسل واحدةً إلى جارتها هالة، وصحن آخر لجارتها وداد، وآخر إلى سعدّية، إلّا أنها فضّلت أن تأخذ سكبة أم موسى بيدها لسبب يعكس ذكاء المرأة السورية، تقول “أم ظافر”: “جارتنا أرملة، وأحوالهم على قدّها، وأخاف أن تفهم من إرسال الصحن من ابني صدقة، أو من قبيل الشفقة، لذلك أخذته أنا وعلى باب البيت، قلتُ لها أني ارسلت السكبة، لأني أريد رأيها بطعم الكبّة التي صنعتها في اليوم الأول، وبذلك يسهل على الجارة أن تأخذ الصحن بأسلوب أخفّ وأريح على القلب”.

وعن عادة تبادل السكبات، توضح: “هي عادة قديمة جدّاً، يقوم بها السوريون في كلّ محافظات سوريا، كتعبير عن الودّ والجيرة، لأن تبادل السكبات يعكس روح المحبة، والتلاحم بين الجيران، وهو طقس رائع في الحارات السورية”.

ولم تكن الموائد السورية في رمضان تخلو من أنواع الحلويات العربية المختلفة والقطايف والتمور، لكن غلاء أسعار الحلويات جعل الكثير من ربات البيوت يستبدلنها بحلويات منزلية بسيطة كالعوامة.

موائد الإفطار غصّت بذكريات الغائبين:

تجلسُ سعاد وأولادها، على مائدة الإفطار، بانتظار أذان المغرب، في ريف حماة، إلّا أن غائباً عن السفرة، يحوّلُ المشهد من سرور الصائم إلى بكاء المشتاق، عندما نطق بِكرها بكل عفوية، (بدي خبز مقمرش مع الشوربة متل بابا)، لدمع عيون الأم، مشيرةً له بتغيير الحديث.

تقول: “زوجي توفّي منذ سبعة شهور، وغيابه عن سفرة الإفطار يحوّل المشهد كلّ يوم إلى حزن وبكاء، الأولاد اشتاقوا له، وأنا أيضاً، لكن هذا حال الكثيرين”.

وليست سعاد، واحدةً بعينها إذ أن أغلب البيوت فيها شهيد أو معتقل، أو مسافر، ما يحوّل الإفطار لفردٍ للذكريات والأحزان.

طقس غائب:

وكان لمسلسلات رمضان (الدراما السورية) حضورها في رمضان إلا أن هذا الطقس بدا غير موجود لأسباب كثيرة، أهمها أنها تُنتج من فنانين تابعين للنظام، ولم يقفوا إلى صفّ الثورة.

صوم الشتات السوري.. حنين وذكريات وبالاسم رمضان

اعتاد أبو حاتم، وهو من أصلٍ شاميّ، شراء السوس من بائعٍ حلبي في حارته، بمدينة مرسين التركية، هي دقائق قليلة قُبيل الافطار يتبادلان الأحاديث الممزوجة بالحنين، لوطنٍ آلمته الجراح، وعصفت به الحرب.

وفي زاويةٍ على إحدى الأرصفة في المدينة ذاتها وجد الطفل “مؤيد” مكاناً لكرتونةٍ صغيرة يضع فيها بعضاً من قطع المعروك ليبيعها للسوريين في الحيّ، لكن غالباً من تأتي دورية الدرك فيهرب بعيداً، ليعود فلا يجد ما يبيعه، بعدما صادره الدرك.

هذه التفاصيل وغيرها الكثير مما يعيشه السوريون في الشتات، خلال شهر رمضان، السابع بعد الحرب.

يقول أبو حاتم: “تركتُ دمشق أنا وعائلتي منذ أربع سنوات، وأتينا إلى تركيا عبر معبر باب الهوى، أولادي مطلوبون للجيش، فهربت بهم بعيداً، الحياة هنا جيدة نوعاً ما، لكن في رمضان وفي بعض المناسبات، يشدّك الحنين إلى سوريا، إلى دمشق التي يكون فيها رمضان ذا نكهةٍ خاصة.”

يتابع أبو حاتم، مشيراً إلى بسطة السوس في الحارة: “كنتُ أذهب إلى القيمرية في الشام القديمة وأشتري السوس من محلات عصير “عجم”، وهو مشهور جداً في دمشق، الحمد لله أني أجد من يبيع السوس هنا، ولو بطقسٍ مختلف”.

ولبائع السوس حديثه، يقول أبو أحمد: “كنا في حلب نصنع عشرين كيس من السوس أنا وأولادي يومياً أي عشرين كيلو، وكانت حلب بأكملها تعيش رمضان “غير شكل” أما هنا في تركيا، صحيح أنها بلد مسلم، ولكن طقس رمضان في سوريا له نكهة خاصة، بصراحة لا أتألم لسوريا بكثرة إلا في رمضان، عدا عن أن أولادي أصبحوا كل ولد في بلد”.

وقبيل الإفطار، كثيراً كان للنساء السوريات دور مميز، في إعداد سفرة الطعام، ولكن داخل البيت السوري، إلا أنها في الشتات، هي سفرة إفطارٍ ممزوجة بالعجز تارةً وبالحزن تارات.

تقول ابتسام: “حتى الأكل التركي، ليس كأكلنا، حتى الخضروات غير طعم، والخبز، واللحمة، ولكن مضطرون لذلك، كان هذا الرمضان من أصعب الأيام، خصوصاً مع ما نتابعه من قهر داخل سوريا، ومن صراعات تودي بحياة المدنيين”.

أما عفاف والتي ومنذ اليوم الأول وهي تُعِّد سفرة الافطار لزوجها وابنها لكنها تأكل وحيدةً في كل يوم، فتقول: “اليوم الأول، أعددت الفتة، والفتوش، وصينية لحمة، وجهزت أكواب التمر الهندي، جلستُ أنا وابنتي، ذات العشر سنوات، ونحن ننتظر عودة زوجي وابني من العمل، أذّن المغرب، ولم يعودوا، دقيقتين ثلاثة، ولم يعودوا، اتصل بعد قليل ليخبرني، أن صاحب المحل الذي يعمل عنده، منعهم من الذهاب لإفطار، وعلى هذا الحال كل يوم، آكل أنا وابنتي لوحدنا، متذكرين لمة العائلة حول السفرة.”

إلهام، تجلس على سفرتها، مع أهلها، لكنها طوال شهر الصوم، تتذكر زوجها الذي اعتقلته قوات الأمن منذ أعوام، وبعد أن تعبت انتظاراً سافرت إلى تركيا، لتجلس مع أبيها وأمها.

ترفع الجوامع أذان المغرب، بينما وسيم الشاب الدمشقي الذي هرب إلى تركيا، كي لا يُساق للجيش، يُشعل التلفاز، يتابع أذان دمشق، تنزل دمعة من عيونه، ثم يقول: “أهلي في الشام، وأنا هنا، سنتين ونصف وأنا على هذا الحال، أعمل في مطعم سوري، وأدرس، في رمضان والأعياد أشتاق جداً لسوريا، لأهلي للشام، كل شيء هنا متوفر إلا سوريا، البعيدة القريبة”.

أدهم يقول ضاحكاً: “حتى المسحراتي هنا ليس لعمله طعم، المسحراتي في سوريا، له إلفة ومحبة، هنا يعمل فقط ليأخذ الأجر، حيث تراه في العشر الأخير منشغل في جمع الليرات من البيوت، ولا يسحر الناس، المسحر السوري يبقى على رأس عمله حتى يوم العيد”.

 

شاهد أيضاً

تهجير جديد يطرق أبواب حي القدم جنوب دمشق … وتفاصيله ..!؟

  كشفت مصادر خاصّة من حي القدم جنوبي العاصمة دمشق، عن التوصل لاتفاق مبدئي مع …