باسل الحمصي: جميل مردم بك ١٩١٧ – ١٩٦٠

 

باسل الحمصي -مجلة رؤية سورية ع 44/ حزيران 2017م

صدرت موجات الحكم بالإعدام من قبل محكمة عالية على رواد القضية العربية، كان مردم بك ما يزال في فرنسا، وعلى الرغم من ذلك فقد صدر الحكم عليه غيابياً. وبين عامي 1917 و1918 قام برحلة إلى دول أمريكا اللاتينية بصفته مندوباً عن مؤتمر باريس بهدف تقوية الصلة مع الجاليات العربية التي استقرت في تلك البلاد.

بعد أن نجحت الثورة العربية وأُعلنت الهدنة، قصد الشريف فيصل بن الحسين أوروبا من أجل الدفاع عن التطلعات العربية بعد انسلاخ الأقاليم العربية عن الدولة العثمانية، وقد انضم جميل مردم بك الذي كان ما يزال في فرنسا إلى الشريف فيصل، واستطاع أن يًسمع صوت سورية في خطاب ألقاه أثناء مؤتمر الصلح في فرساي .

الشريف فيصل

عاد مردم بك إلى سورية برفقة الشريف فيصل في ربيع 1919، وأصبح بعد إعلان الاستقلال مستشاره الخاص، كما سمي معاوناً لوزير الخارجية الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في حكومة الرئيس هاشم الأتاسي.

بعد دخول الفرنسيين سورية بقيادة الجنرال جورو  في تموز عام 1920، انتعشت الحركات التحريرية، وانضم جميل مردم بك مع مجموعة من رجال المقاومة إلى حزب الشعب الذي أعلن في العام 1925 الثورة ضد الاحتلال الفرنسي، وساهم في المعارك التي جرت بين قوات الاحتلال الفرنسي وبين المقاومة السورية. وعندما حاصرت القوات الفرنسية جبل الدروز وأمرت باعتقال زعماء الثورة، استطاع مردم بك الفرار والوصول إلى مدينة حيفا الفلسطينية. وقد سبق للمجلس العدلي أن أصدر الحكم عليه بالإعدام غيابياً. ولذا رضخت السلطات البريطانية لطلب تسليم مردم بك، فأوقفته وقامت بتسليمه إلى السلطات الفرنسية التي نفته إلى جزيرة أرواد قبالة مدينة طرطوس على الساحل السوري، وقد أعلن الفرنسيون بتاريخ لاحق العفو عن المنفيين في جزيرة أرواد.

الكتلة الوطنية

أسندت أمانة السر العامة لهذه الكتلة لجميل مردم بك بعد أن قام زعماء النضال السوري عام ١٩٢٨ بتشكيل حركة تحريرية سميت لاحقات بـ ( الكتلة الوطنية ) .. تهدف إلى توحيد النضال السوري للوصول للاستقلال التام .

دخل مردم بك الوزارة لأول مرة عام 1932 باسم الوطنيين وتقلد وزارتي المالية والاقتصاد الوطني، إلا أنه استقال بعد أن تأكدت الكتلة الوطنية أن فرنسا ليس لديها نية بالتنازل عن الانتداب، لكنه بقي في ساحة النضال من موقعه في الكتلة الوطنية يعمل بفاعلية ونشاط وقام بزيارة المملكة العربية السعودية والعراق ومصر وفرنسا.

في عام 1934 عندما ثار خلاف بين المملكة العربية السعودية وإمامة اليمن، وتطور إلى نزاع مسلح، الأمر الذي أثار قلق الرأي العام العربي، اشترك مردم بك في لجنة المصالحة التي توجهت إلى الجزيرة العربية وبذلت المساعي الحميدة التي أدت إلى عقد معاهدة صداقة وتحالف بين البلدين.

في مطلع عام 1936، دعت الكتلة الوطنية للإضراب العام، ولبت المدن السورية جميعها، وسارت مظاهرات ضخمة وألقت السلطة القبض على جميل مردم بك في أعقاب خطاب مثير ألقاه في مقبرة الباب الصغير بعد تشييع أحد الشهداء، وقد فرضت عليه الإقامة الجبرية في قصبة قرق خان، وقد استمر الإضراب حوالي الشهرين، انتهى بعد أن عقد اتفاق بين الكتلة الوطنية والسلطة الفرنسية، ينص على أن يذهب وفد سوري إلى باريس للمفاوضة من أجل إبرام معاهدة تضمن استقلال سوريا، وتألف الوفد برئاسة هاشم الأتاسي وكان مردم بك عضواً فيه، وبعد مفاوضات توصل الطرفان إلى عقد معاهدة في 9 أيلول/1936.

ولما وضعت المعاهدة موضع التنفيذ وجرت انتخابات حرة نجح فيها مرشحو الكتلة الوطنية، وقد نجحت القائمة التي ترأسها جميل مردم بك عن مدينة دمشق والغوطتين، وفي أول جلسة عقدها المجلس انتخب النواب فارس الخوري رئيساً للمجلس وهاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية. وألف مردم بك أول وزارة وطنية.

وفي خلال عامي 1937 و1938، زار مردم بك فرنسا ثلاث مرات عمل خلالها على استعجال تصديق البرلمان الفرنسي على المعاهدة ومن أجل وضع بعض بنود المعاهدة موضع التنفيذ. وقد أجرى اتصالات عديدة تبادل خلالها وجهات النظر مع عدد من الشخصيات السياسية كان منهم هريو، وبلوم، وفلاندان، وبونيه، وفيينو وسارو.

خلال هذه المرحلة أيضاً، برزت قضية لواء الاسكندرونة، وقام مردم بك بزيارة إلى تركيا تلبية لدعوة تلقاها من حكومتها وتدارس مع رجال الدولة الأتراك مختلف وجوه العلاقات السورية ـ التركية، كما تعرف على الرئيس كمال أتاتورك وتباحث معه في الشؤون التي تهم البلدين. وقد اتسمت هذه الاتصالات بين مردم بك والزعماء الأتراك بطابع التفاهم المتبادل الأمر الذي جعل من المؤسف أن تحل قضية لواء الاسكندرونة دون أي مساهمة سورية.

قدمت حكومة مردم بك استقالتها في شهر شباط في جو عاصف اجتاح العلاقات الفرنسية السورية، وأكد أن فرنسا قد رجعت عن تنفيذ معاهدة 1936

في عامي 1940 و1941 زار مردم بك العراق والمملكة العربية السعودية، كما زار مصر بالاشتراك مع بشارة الخوري عام 1942.

في عام 1943 أعيد العمل بالدستور، وأعيد انتخاب مردم بك في مجلس النواب وكُلف بنيابة رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية من (آب 1943ـ تشرين الأول 1944)، ثم وزارة الخارجية مع وزارتي الدفاع والاقتصاد الوطني من (تشرين الأول 1944ـ آذار 1945) ومن جديد تولى وزارة الخارجية مع الدفاع من (آذار 1944ـ إلى آب 1945)، وشغل في هذه الأثناء رئاسة الوزارة بالوكالة في غياب فارس الخوري في سان فرانسيسكو. كما انتدب وزيراً مفوضاً في تشرين الأول عام 1945 إلى مصر لتأسيس المفوضية السورية، وكذلك إلى السعودية في تشرين الثاني عام 1945 للغرض نفسه.

حكومة ١٩٤٧

أعاد تشكيل الحكومة في تشرين الأول عام 1947، وتقلد بنفسه وزارة الدفاع الوطني عندما بدأت العمليات الحربية في أيار عام 1948، وأدخل إصلاحات جذرية في مؤسسة الجيش.

شُغلت حكومة مردم بك بأكبر امتحان واجهته سورية بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك هو القضية الفلسطينية. فمع نهاية عام 1947، بدأت الحكومة تتعرض لضغوط من كل جانب لمنع تقسيم فلسطين (ولو بالسلاح)، وحين وصل نبأ قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دمشق، أضربت المدينة وثارت المظاهرات، واقتحمت السفارتين الأمريكية والبلجيكية والمركز الثقافي السوفييتي ومركز الحزب الشيوعي (وقتل أربعة من الشيوعيين)، وعرفت المدن السورية الأخرى حوادث مماثلة. وزاد مجلس النواب الضرائب وأقر قانون خدمة العلم وصوت على شراء أسلحة، واستقال كثيرون من ضباط الجيش السوري كي يشاركوا في جيش الإنقاذ، وبدأت عصابات مسلحة بمهاجمة مستوطنات يهودية قرب الحدود السورية. فتدخلت الوحدات البريطانية، كما بعثت الحكومة البريطانية بمذكرات إلى الحكومة السورية احتجاجاً على غارات المتطوعين العرب الذين كان يوجه عملياتهم فوزي القاوقجي، وقد جعل من سورية مقراً لقيادته، ووقّعت سورية الميثاق السياسي والعسكري للجامعة العربية لتوحيد الجهد تجاه فلسطين. وفي نيسان عام 1948، أثارت مذبحة دير ياسين الشعب السوري، وفي أيار عقد مجلس الجامعة العربية اجتماعاً في دمشق وسط انتقادات لاذعة للاجتماع الذي جاء في الوقت المتأخر، وفي 16 أيار أي بعد يومين من إعلان بن غوريون قيام دولة إسرائيل، دخل الجيش السوري فلسطين، ولكن سرعان ما صد في وادي الأردن بعد قتال عنيف، وتصاعد النقد الموجه للحكومة السورية، وبات معروفاً الفساد الواسع الذي صحب المجهود الحربي، وأعمال لجنة جمع التبرعات لفلسطين. وفي آب عام 1948، تشكلت حكومة جديدة احتفظ مردم برئاستها.

ولم تلبث أن نشبت أزمة سياسية صحبها تدهور اقتصادي وتفجر الإضراب والمظاهرات في المدن السورية كافة، وحصلت مواجهات دموية، فاستقال جميل مردم بك في الأول من كانون الأول عام 1948، وأصبحت سورية بلداً بلا حكومة وبلا أمل في حكومة تنبثق من زعامة مدنية كفؤة. فهو بلد يهيمن عليه مواطنون مكروبون هائجون، واقتصاد منهار، وجيش أحس أن فئة الساسة المخططين قد خانته.

القاهرة والاعتزال

قدم مردم بك استقالة حكومته بعد فشل الجيوش العربية في فلسطين، وغادر سورية إلى مصر وأقام في القاهرة إلى أن وافاه الأجل في عام 1960. وفي خلال هذه المدة جرت محاولات عدة لحمله على العودة إلى النشاط السياسي، لكن حالته الصحية لم تمكنه من ذلك. وعندما سقط حكم الشيشكلي في عام 1954، أوفد الرئيس جمال عبد الناصر كبار الشخصيات لإقناع مردم بك بالعودة إلى سورية ووعده بتقديم الدعم والمساعدة إذا رغب بترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، لكن مردم بك الذي كان يعاني من أول أزمة قلبية تعرض لها، عارض الاقتراح ونصح مخاطبيه بأن يدعموا عودة الرئيس شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية لأنه أُبعد عنها بطريقة غير دستورية، وعودته سوف تؤكد شرعية السلطة السياسية.

في شهر أيلول عام 1954، أصدر جميل مردم بك تصريحاً أعلن فيه اعتزاله الحياة السياسية ولم يكن قد تجاوز الواحد والستين من العمر، وبتاريخ الأول من شباط عام 1958، دعاه الرئيس جمال عبد الناصر للوقوف معه ومع الرئيس شكري القوتلي عند التوقيع على الإعلان عن الوحدة بين سورية ومصر.

وفي 30 آذار1960، توفي جميل مردم بك في القاهرة، ونقل جثمانه إلى سورية حيث ووري الثرى في مدافن العائلة بدمشق.

 

شاهد أيضاً

تهجير جديد يطرق أبواب حي القدم جنوب دمشق … وتفاصيله ..!؟

  كشفت مصادر خاصّة من حي القدم جنوبي العاصمة دمشق، عن التوصل لاتفاق مبدئي مع …