محمود الوهب: عين الشرق..عين المثقف السوري وهواجسه

 

محمود الوهب-مجلة رؤية سورية ع 45/ تموز 2017م

ما دامت الرواية هذا الجنس الأدبي القديم/الجديد هي الناطق الأَحْدَثُ باسم المدنية المعاصرة، ومادامت دمشق واحدة، لا من أقدم مدن العالم فحسب، بل من المدن التي احتضنت عبر تاريخها حضارات هي الأقدم والأعرق، وهي الأكثر تمثلاً وتمثيلاً لحضارة الشرق عموماً، فلم لا تكون الرواية السورية هي الأكثر تعبيراً عن دمشق الحاضر والماضي.. لم لا تروي أوجاعها وأحزانها التي أكثر ما يتسبب بها الدخلاء، أغراباً كانوا أم أقربين، إذ لطالما حاولوا العبث بنسيجها الروحي العميق دونما فهم دقيق لتلك الروح، ودونما وعي للشروط الواجب توفرها فيمن تقبله كمدينة تحمل خصائص شرقية عموماً، وإنسانية على نحو خاص..

فوق هذه الأرضية فرش إبراهيم الجبين أوجاع دمشق عبر روايته المعنونة بـ: “عين الشرق” الاسم المأخوذ عن القائد الروماني “يوليان” الملقب بالمرتد لأنه لم يركن إلى الأخيلة والأوهام الدينية، بل إلى عقل يمحِّص الأشياء والأفكار، ينزع عنها قدسيتها، في محاولة، للدخول إلى لبِّها وبالتالي إلى جوهر الحياة ذاتها، وأورليان هذا معجب بدمشق، متفهم خصائصها مولع بطبائعها الآسرة.

أما الروائي إبراهيم فهو ابن مدينة دير الزور الذي ألفَ دمشق وألفتْه.. فمنذ زيارته الأولى لها، تاهت فيها روحه، وراح يبحث في ثنايا حاضرها وماضيها عن آمال مرتقبة، وأخرى مضيَّعة، فدمشق في الرواية هي سورية الأم.. سورية اليوم والأمس.. سورية الغارقة حتى غرتها في الأحزان..

ولعلَّ الرواية في مجملها محاولة من الكاتب المجبولة روحه بتربة بلاده، لاستنطاق الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية ممثلة بأعلامها عن الأسباب العميقة التي قادت إلى هذه الأشكال السوريالية من العنف والألم..!

يحاول إبراهيم ذلك عبر شكل روائي حداثي ربما ناسب مضمونه، فالرواية التي تفاجئك بمغادرتها شكل السرد التقليدي حبكة وأحداثاً وربما أبطالاً أو فكرة رئيسة تتلقاها في إطار من القصِّ الحكائي،  يعرضه عليك راو بضمير الغائب أو المتكلم وربما المخاطب في بعض الأحيان، ليقودك من حدث إلى آخر ينموان أمام عينيك في زمن يتسلسل صعوداً وبفعل الأبطال والأحداث على السواء.. كذلك لا يأتي الترميز المعهود، إن وجد، عبر استبدال بالأسماء الفعلية أخرى يبتدعها الروائي بما يتناسب مع طبيعة الشخصية، وعلى مبدأ لكل من اسمه نصيب.. “عين الشرق” لا تحفل بهذه الأنماط أبداً فهي شيء آخر تماماً فالأسماء هي ذاتها التي نعرفها وربما عشنا مع بعضها وكذلك الأحداث والأفكار تأتيك في رقع صغيرة كأنما دونها الكاتب كمذكرات وملاحظات هجست بها روحه وأفكاره.. حتى إنك، في بعض ذلك، تخال نفسك تقرأ بحثاً في التاريخ السياسي أو الاجتماعي بل ترى إلى الرواية، وقد أخذت أحياناً مقاطع من أحداث تاريخية أو معاصرة.. أحداث أثرت عميقاً في الواقع السوري العام، وعكست بعضاً من روح سورية والسوريين.. هكذا وأنت تقرأ عن تيمور لنك الغازي باسم الدين ثم عن عبد الرحمن الشهبندر المغتال غدراً.. وعن عبد القادر الجزائر اللاجئ إلى دمشق حباً، وكذلك حين تقرأ عن كوهين (كامل أمين ثابت)، وفيما بعد عن ياسين الحافظ ويوسف عبدلكي والشاهد الملك وسواهم الكثير.. قافزاً في الزمن حقباً متباعدة، يشدك ثقل المكان بثباته ورسوخه.

لكن اللافت فعلاً أن القارئ يظل مشدوداً بعمق إلى النصوص التي ربما أعاد قراءتها أكثر من مرة أو تأملها طويلاً ليتلمس من خلالها رأياً أو موقفاً ما أو فلسفة تجاه دمشق والمتهافتين عليها..

يسعى الكاتب إلى تعرية الأحداث أمام قارئه ليريه إياها على حقيقتها، صحيح أنَّه لا يزيل عنها كل ما شابها من غموض ما يجعلها أكثر مدعاة للتفكير في الأبعاد والدلالات، فالغموض كان ولا يزال في الأدب دائم الحضور، إنَّه ملح النص، وهو الذي يوائم ما بين الكاتب والقارئ كشريكين في صناعة النص، وفي تأويل مفرداته وعباراته.. وإن كانت دلالات حوادث “عين الشرق” وشواهدها التاريخية، يوضحها السياق العام للرواية..

تمتلئ الرواية بالأسماء الفاعلة في المجتمع السوري، وبخاصة تلك التي قاومت الاستبداد “كعين تقاوم المخرز”، فاقتلعها مثل شجرة من مكان نموِّها الطبيعي لتنمو على نحو مشوه خارج بيئتها، إذ لا حياة لجسد دونما روح.. ويحار القارئ حين يستقرئ البطولة في هذه الرواية، فتارة يراها تتمثل في روح الكاتب القلقة الباحثة عن حقائق الأحداث التي تعج بها ذاكرته، ولا زال الغموض يغلفها، وتارة أخرى تراها في دمشق المكان الماضي والحاضر وثالثاً في قوة الفكرة أو الأفكار الموزعة في هذا الحدث أو ذاك..

ومن الأفكار التي تضعها الرواية أمامك لتقارن بها فكرة ما يسمى أحياناً بـ: “الهزيمة” فعبد القادر الجزائري رائد حركة التحرر الجزائرية في وجه المستعمر الفرنسي اختار الهزيمة بنفسه حقناً لدماء شعبه حين أدرك أن الهوَّة بين قدراته والمناضلين معه وبين القوات الغازية شاسعة جداً..! فإذا أراد القارئ أنْ يقارن بين موقفه وبين موقف أي حاكم عربي يحتج شعبه على مظالم ما تطوله، سيذهب الذهن، عندئذ، إلى الحاكم السوري، حيث مواجهة المتظاهرين السلميين في العام 2011 بالرصاص الحي.. لتستمر في خراب وفظائع لم تشهدها سورية في تاريخها الطويل.. أتيت بهذا المثال لأشير إلى أن الرواية تنتهي بهذا المقطع:

“كانت لحظة غير عادية، عمرها بالفعل آلاف السنين، تلك التي سبقت الطباشير والألوان البدائية وهي تحف جدران مدرسة في درعا جنوب سورية حين كتب عليها مجموعة من الأطفال ما شاهدوه على شاشات التلفزيون في مصر وتونس وليبيا واليمن.. (الشعب يريد إسقاط النظام) (إجاك الدور يا دكتور) (ارحل) دون أن ينسى كل منهم التوقيع باسمه الصريح تحت تلك الشعارات.. (مع تحيات بشير وعيسى ونايف أبا زيد).

وبعد إن رواية “عين الشرق” الواقعة في ثلاثمئة وستين صفحة من الحجم المتوسط، والصادرة في طبعتها الأولى عام 2016 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، جديرة بالاهتمام، فهي مرآة لأزمنة سورية متعددة.

شاهد أيضاً

د. خطار أبو دياب: محاذير المقاربة الفرنسية الجديدة حيال المسألة السورية  

      د. خطار أبودياب -مجلة رؤية سورية ع 45/ تموز 2017م       …