د. محمد حبش : إقبال في الفكر والثورة…. الاسئلة الحمراء في النبوة والمعاد…

د. محمد حبش -مجلة رؤية سورية ع 46/ آب 2017م   

يقرا العرب إقبال بوصفه شاعراً هائلاً خلد الملاحم الإسلامية المجيدة ودعا إلى قيام جديد للروح المسلمة المتوثبة، ونجح في ابتكار كلمات من نار بات يغنيها العالم الإسلامي من أقصاه إلى اقصاه، وباتت ترتبط بالقيام والثورة والنهضة والمجد التليد، ولم تجد أم كلثوم أكثر منها تاثيراً وخلوداً فأطلقت أروع ما في حنجرتها الخالدة لترتل حديث الروح تماماً كما انعرجت بها شفتا إقبال، وهتفت به فطار بلا جناح وشق أنينه صدر الفضاء، ومعدنه ترابي ولكن جرت في لفظه لغة السماء.

ولكن إقبال شاعراً لا يشبه إقبال ناثراً وفيلسوفاً، ومجدداً رائعاً للإيمان في الأرض، وقد شرح فكره بطريقة صادمة في كتابه الشهير تجديد التفكير الديني في الإسلام، وهو إيمان يقدمه لك على ألسنة نيتشة وهوايتهد وبرجسون وعمانويل كانت وهيغل، وهي أسماء كالما اعتبرها الناس رموزاً للإلحاد ولكن إقبال نجح في أن يقرا أعذب الإيمان في تلك العقول العظيمة والشفاه الغاضبة.

والإيمان الذي قده إقبال على نسق نيتشة وهيغل وكانط لن يحظى أبداً برضا ربعنا من رجال الدين، مع الاحتفاظ بالاستثناء المعتاد لابن عربي وجلال الدين الرومي، وحين تقرأ له فهمه للنبوة والمعاد، فإنك ستصاب بالذهول، حيث لا يتردد الشاعر الثائر في زلزلة الفهوم التقليدية السائدة حول النبوة وحول العذاب الأخروي وحول غيمان الامم.

موقفه الأعجب يتركز حول مسالة ختم النبوة، ويتعجب من ارتكاس فهم هذه المسألة لدى الفقهاء وتحولها إلى إعلان وفاة العقل والاستسلام للتأويل النصي والوقوف على ما وقف عليه السلف، في حين أنه يعتبر يوم ختم النبوة أعظم أيام العقل مجداً في تاريخ الإنسانية ويعتبره بنص واضح يوم مولد العقل الاستدلالي.

والمدهش أن إقبال لا يعتبر موت الرسول الأعظم هو يوم ختم النبوة، بل يعتبر مبعثه هو يوم ختم النبوة!! ويعتبر أن سلوكه الديمقراطي في التشريع والإدارة كان في الواقع إعلاناً وافياً بختم النبوة وتأكيداً لولادة العقل الاستدلالي.

وفيما يحاورك عن حججه وبراهينه في رسالة ختم النبوة ودلالتها العقلية والبرهانية، فإنه ينطلق من فوره ليشارك العارفين الذين استأنفوا التواصل مع السماء ولكن هذه المرة كمنبع إشراق ونور وليس كشريعة وقوانين، فقد قرر إقبال أن الشريعة والقوانين باتت شأن العقل الاستدلالي، تنتجها الأمة في برلماناتها ومجالسها الشوروية، وأن السماء هي مصدر إلهام وليست مصدر قانون، وأن الناس جميعاً شركاء في نفحاتها، وأنها شمس نور تشرق دون كلل في القلوب التائقة إلى ما فيها من نور وحياة.

وفي المعاد يصرح إقبال بان العدالة هي جوهر البعث والمعاد، وكل رواية تروي الظلم والعبث فهي خليقة أن ينكرها العقل السليم، والجنة والنار حالتان لا مكانان، إنهما دار تطهير وتزكية وليسا دار انتقام وثبور، ولا دار كسل وحبور.

ويريد إقبال ان تكون إرادة لاثورة موصولة حتى في العالم الآخر، فلا معنى لستقرار لا جدل فيه، والعالم كله ليس حقيقة قارة بل هو جدل متلاطم، وحاشا ان تكون مشاهد الآخرة هي تلك الصور المستوحاة نم سجون الجبابرة وما يجري فيها من عذاب وقهر، ويكرر مرتين ان الجنة والنار حالتان تعكسان مشوار المؤمن وليستا منطقتين في المكان يتم فيهما البطش والتنكيل.

ويصرح إقبال مراراً بأنه خاض لجج الشك والحيرة، وأنه عانى ما عانى للوصول إلى شاطئ اليقين، ولكنه يتمسك برؤيته التي نقلها عن هوايتهد بان الكون ليس حقيقة قارّة، إنه جدل متلاطم، وهو العناء الذي يكابده كل باحث عن الحقيقة، وهو معنى خلده في شطرين من الإعجاز

ليس يخفى على القلندر فكر
أنا عندي بكل حالـــــك خبر

***ساور النشأ ظاهراً أو خفياً
فبهــذا الطريق سرت مليا

والقلندر رتبة صوفية من الزهد والتجرد يستعملها إقبال للتعبير عن العارف السالك المحتهد في طريق الحق.

قال إقبال: ان النبوة في الاسلام لتبلغ كمالها الأخير في ادراك الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها وهو أمر ينطوي على ادراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمدا إلى الأبد على مقود يقاد منه، وإن الإنسان لا بد له في النهاية أن يعتمد على نفسه .

إن إبطال الإسلام للرهبنة وتوريث الملك ومناشدة القرآن العقل والتجربة باستمرار واصراره على ان النظر في الكون وأخبار الأولين باعتبارها مصدرا رئيسا للمعرفة ، كل ذلك صور مختلفة لانتهاء النبوة.

وفي سياق عبارات إقبال الجريئة فيما يتصل بانتهاء النبوة واستمرار الإشراق فإنني أجد أفضل تفسير لهذه العبارات هو كلمة مالك بن نبي: إن الرسول جاء ليخرج الناس من ضباب الخوارق إلى ضياء السنن.

انتهت النبوة بوصفها قيادة من سجاف الغيب للإنسان الحائر، ولم يعد هناك حاجة حين نصنع الطائرات والسيارات والجسور أن نسأل الأنبياء ما لونها وما شكلها وإن الطير تشابه علينا، ولم تعد هناك حاجة أن يراوح الانبياء بين السماء وبين الأرض من أحل الإجابة على أسئلة الناس لقد رفعت الأقلام وجفت الصحف، وانتهى عصر الخوارق وجاء عصر العلم، وانتهى عصر الغيب وجاء عصر الشهادة، وانتهى عصر الوحي وجاء عصر الإنسان.

الاجتهاد عند إقبال وريث النبوة، وعنوان ختمها، ومراراً وقف بثبات وشجاعة أمام رسول الله يستلهم رسالته في القيام والنهضة، فالمطلوب ليس استنساخ تجربته وإنما خلق تجربة جديدة، والسنة ليست تقليد الأنبياء وإنما اتباعهم، وفرق ما بين التقليد والاتباع أن التقليد ينصب على النفوس المطموسة التي لا تحسن إبداعاً ولا تجيد اختراعاً، أما الاتباع فهو اتباع منهج وسلوك، ولا يكون المرء متبعاً حتى يخلق تجربته بيديه!

ليس المطلوب أن تهدم أوثانه، لقد هدمها بيديه، ولكن المطلوب أن تهدم أوثانك أنت، ليس المطلوب أن تقرأ برهانه، بل المطلوب أن تنتج برهانك أنت، إنه رجل الرسالات الباقيات:

أيها الثائر في أوثانــــــــــه
أنا في الهيكل فامنحني إذن

***يتحدى الدهر طوفاناً وموجاً
فأسك الجبار إقداماً ووهجاً

النبوة الخاتمة ميلاد العقل الاستدلالي، هكذا قال إقبال، إنه اليوم الذي أعلن فيه الرسول الانتقال إلى عصر العلم، وحدد مكان النبوات مصابيح إرشاد وليس أقفاصا ًعلى العقل، وتجارب ملهمة وليست نصوصاً ملزمة، ومقوداً لأهل البصيرة وليست مركباً للعميان:

أيها الخاتم مجد الأنبياء
إنما الوهم الذي حاربته

***ألف مرحى يوم ألغيت الخرافة
عاد إرهاصاً ووهماً وعرافة

ويتقدم إقبال بثقة وشجاعة ويطرح على الرسول الأسئلة الصعبة التي نتكاتمها وهي تغلي في ضمائرنا، حاضرة في قلق جيل كامل، تعصف ذاته وتذرو رياحه وتهز وجوده، لماذا لم تنجح النبوات في تغيير الإنسان؟ وهل هناك أسرار في الكتاب لا تزال مقفلة مغلقة؟ وهل علينا ان ننتظر قرومناً أخرى حتى تظهر حقائق التنزيل التي تبدو عيوننا عاشية عنها فلا نرى لها أثراً في إنقاذ الحياة.

إنها أسئلة جيل كامل بطرحها بين يديه ثائراً صاخباً، ولكنه يدرك هيبة النبوة ومقام الرسالة والرسول:

يا رسول الله يا من وجهه
هل لدى كقيك برء مثله

ما النبوات التي كانت لكم
أشرقت شوقاً على أسماعكم

 

فلماذا ختمت أسرارها
ولماذ طويت أنوارها

***ألف مرحى يوم ألغيت الخرافة
عاد إرهاصاً ووهماً وعرافة

 

غير أشواق وأذواق ونور
فجرت أنغامها فوق السطور

 

رغم ما يشهده العالم هذا
ولماذا ولكاذا ولماذا؟

هو ذا العالم بصخبه وطيشه لم يتغير على الرغم من قوافل الأنبياء التي لم تتوقف، وها نحن نحمل ميراث النبوات جميعاً ولكننا لا نزال آخر الأمم، وها هي تسبقنا أمم ليس لها من النبوات نصيب، ولا تعرف في تاريخها أولي عزم من رسل وأنبياء، فما معنى أن يكون ذلك كله؟ ولم لا تنهض بنا اليوم رياح النبوة؟

كيق تودع العالم أيها المعلم الكبير وتعلن ختم النبوة ولما تكتمل رسالتك بعد؟ وكيف يكون ختم النبوة والناس ما زالوا في غمرات يلعبون؟ إنني أمسك بمعطفك، وآخذ بحقوك أيها المعلم فأخبرني ما معنى هذا كله؟

لا تلمني يا صديقي إنني
لم أشأ أرضى لكم أوهامكم

 

مجدكم في الأرض لا ترسمه
فخذوا أقداركم وانتبهوا

***خدمة للعقل أنهيت النبوة
فخذوا أقداركم عني بقوة

 

جثث تسكن في جوف المقابر
واصعدوا أنتم على تلك المنابر

أنا مستمر فيك أيها المسلم، أنت هو النبوة المتدفقة، ليست النبوة تراتيل وتمائم، ولا هي رقى وتعاويذ، إنها ثورة الذات وطموح الحياة، جذوتها أنت ومصباحها أنت، نحن ذكراك ولكننا لسنا ذاتك، نحن آباؤك ولكننا لسنا أبناءك، العالم مستمر وعليك ان تدرك مكانك كل يوم:

إن مصباحي الذي أوقدته
إنما زيتك من يسرجه
*** نورك الباقي على مر العصور
ليس زيتي وأنا ابن القبور

وعلى الرغم من موقف إقبال البالغ الاحترام للنبوات كلها، واعتبار تاريخ النبوة هو سياق التاريخ الإنساني، وأن الأنبياء هم قادة الإنسانية في مشوارها الطويل، ومواقفه المشهودة في الإيمان المطلق بالنبوات خزائن لمعرفة الله وبوابات لنعيم الجنة ولكنه ينظر إلى نبوة الرسول الكريم من منطلق آخر ابعد ما يكون عن الحضوع والتسليم.

رسالته باختصار إن النبوة الخاتمة هي ميلاد العقل الاستدلالي، ونهاية العقل الاتباعي، مولد الأحرار ونهاية القطيع، مولد الفكر ونهاية الرواية، مولد الشهود ونهاية الغيب، مولد الثورة ونهاية الخنوع.

 

شاهد أيضاً

الغوطة تستغيث والائتلاف يؤكد أن 350 ألف مدني يواجهون الجوع

أكد الائتلاف الوطني وجود أكثر من 350 ألفاً من المدنيين في الغوطة الشرقية يعيشون صراعاً …