جبر الشوفي: سلال جنيف الفارقة أم توافق الأعظمين !

جبر الشوفي  -مجلة رؤية سورية ع 46/ آب 2017م

لم تفشل الجولة السابعة من جنيف، بل فشل مسارجنيف بسلاله السبع الفائتة وما سيلحق منها، ولم يبق سوى مراهنات ومكابرات وتمنيات هائمة، وحتى المبعوث الدولي دي مستورا، الذي يواصل تنقله بين القاعات والدول والوفود بطريقة (الهس بس) لم يزل يكرر لازمة الفشل الضرورية لإحباط السوريين، وإقناعهم أن يأخذوا بأقرب وأسهل الطروحات الدولية، التي قد يتمّ التوافق عليها بين المتناطحين الروسي والأمريكي ومن خلفهما زمرة المشجعين والمتقاسيمن والرافضين في كلا الفريقين، ورغم عدم توقّع أن ينكسر أحد الخصمين الأكبرين، مادام اللعب خارج الخطوط الحمر  وأقرب إلى التلاعب والتكاذب والاصطياد الماكر، ريثما يتمّ التقاسم على مبدأ ( لا يموت الذئب ولا يفني الغنم !) كما تمّ في وفاق الجنوب السوري، الآمن، ولكن إسرائلياً أولاً وأردنياً ثانياً، إذ تمّ من خلاله كشّ إيران إلى منطقة شمالية شرقية، لم تزل تأمل أن تصل بها هلالها المنقطع إلى شاطئ البحر المتوسط وحسن نصرالله، المجسد لخبرة الفصاحة والخطابة، في الدعاية السياسية والدبلوماسية لولاية الفقيه والساعي إلى هيمنتها، عبر الغزو والثأر من التاريخ، بجبروت سلاحه الولايتي المدمر!،

فشلنا نحن السوريين، أم فشلت الهيئة العليا للمفاوضات، وفشلت معها كل الهيئات والمؤسسات المتصدرة لمقولة الثورة لا فعلها ؟ أم قد فشل جنيف والمبعوث السريالي، لما يسمى بالمجتمع الدولي بمداوراته وتناقضاته ومخرجاته الهوائية، ومازال بكلّ ما وهب من برودة الأعصاب، يتصنّع هيئة الحَكم المحايد في أرض، لا تعد بلقاء الوفدين الرئيسيين ( وفد المعارض ووفد النظام ) على حين يظلّ يتلفت يمنة يسرة مشجعاً الأمريكيين والروس على كل خطوة، فيها رائحة وفاق، حتى وإن تكن خارج سياق جنيفاته ومهامه الموكلة إليه، ليشكل غطاء أممي إضافي أو زائد عن الحاجة لاتفاقات الكبار !

طوبى لإسرائيل وللأردن، فقد جمعهما الوفاق بين الكبيرين ( روسيا وأمريكا ) وفصّلا الجنوب على مقاس ما تتخوفان منه وما ترغبان به وتحبانه، فقد أمنتا شر خلايا إيران الإرهابية وأذيالها الأخطبوطية وحرسها الجمهوري بعيداً عن حدودهما، ووكل الاتفاق الجيش الأردني مهمة مراقبة والحفاظ على الاتفاق والالتزام به، أما أهل الجنوب في الشريط الممتد من الجولان إلى بادية السويداء مروراً بمحافظة درعا، المركز الأهم في الاتفاق كله، فموعود بأن يدير شؤونه بمجالس محلية، لا نعلم كيف ستشكل وبإشراف وحماية من ؟ وما مدى تمثيلها للواقع المعيشي والديمغرافي والسياسي في تلك المحافظة التي أشعلت شرارة الثورة ودفعت أغلى التكاليف البشرية والمادية والمعنوية في مواجهة نظام الغدر وطلب الحرية والكرامة، وشارفت أن تداهم المجرم في قصره لولا الخطوط الحمر الممهورة بخاتم غرفة (الموك) وإسرائيل من خلفها !  

فشل مسار جنيف إذاً وأفلتت منطقة من مناطق خفض التوتر من دائرة الصراع المحتدم، وأقصي اللاعب الإيراني وفصل بينه وبين ذنبه القابع في دمشق هناك، ولكنه ربما ظلّ موعوداً أو ربما واعداً نفسه بوليمة الشمال الشرقي، معتمداً على فوضى الصراع وغموض توجهاته الفعلية وتداعياته المستقبلية ، المرتبطة بما يؤول إليه مستقبل ترامب والترامبية، ومثله الوعد التركي القلق، الذي مازال يمني نفسه بمنطقة آمنة، تخرجه ببياض الوجه وترضي كبرياءه، بعد أن جرجره الروس إلى خارج الدائرة التي توافقا عليها، ثمّ تركوه معلقاً وانداروا الى اللاعب الأمريكي، بمجرد أن أبدا شيئاً من التناغم مع جهودهم في تلك المنطقة، والتي لا تعد بتوافق قريب مثلها في مناطق أخرى، تغيّر من لا مبالاة ترمب بالمشهد السوري، أو تفسد متعته السادية بالدم والخراب العام في سوريا وغيرها ، طالما أنه يرضي طموح إسرائيل بالدرجة الأولى ولمصلحتها، بعد أن نجح بعض النجاح لا كله، في إبعاد الخطر الإيراني عنها !

لم يفشل جنيف 7  ككل جنيف قبله، بل فشلنا جميعاً وأًفشلًنا الجميع، ومازال مفاوضو الهيئة العليا يكابرون وهم أصلاً، لا يملكون ما يؤهلهم للاستمرر في جنيف، سوى هذه  القبضة المكابرة على الحق السوري في التغيير السياسي، ومازالت بهذا الحقّ وبسردية التظّلم التقليدية، تلطم الوجوه، بدءاً من وجه دي مستورا، الذي تعوّد وجهه أن يغبّ اللطمات، وأن يراكم الفشل والخيبات بعضها فوق بعض، ليثبت أنه الوجه الدبلوماسي الدولي الأقدر على امتصاص ذلك الزنخ الدولي المزمن، وأنه الأكثر قابلية ومرونة للارتهان للتوافقات الدولية، حتى لو حيدته وهمشته وألزمته زاوية المتفرج أو المصفق للتوافقات والصفقات !

بعد وفاق الجنوب خارج المسارات كلها، لم يعد الأمر يقتصر على فشل جنيف، بل تجاوزه إلى تفشيل مسار الآستانة المرشح روسياً ليكون بديلاً عنها، وفشل عسكر الآستانة الذين استجرهم الروس، عبر العراب  التركي، أثر مجزرة حلب، التي أفضت إلى تدمير القسم الشعبي( الأهلي ) من المدينة، وأخراج المقاتلين منها ليتحول معظمهم إلى كركوزات بيد  المتلاعب الروسي الذي ذهب بهم إلى الفشل التام، بعد أن ألغى حتى حضورهم في اتفاقية خفض التوتر، ولم يكتف الروس بخبثهم هذا، بل وضعوا يدهم ومن خلف ظهر الجميع على ضباط أمنيين وعسكريين منشقين على طاولة الاحتياط، وأوهموهم بإمكانية تشكيلهم في  مجلس عسكري سوري، موزع وفق النسبية العددية للسوريين، يكلف بقيادة المرحلة الانتقالية، ريثما يجهز الدستور وتجرى الانتخابات، تحت إشراف المجلس وبمظلة حماية روسية، متجاهلين أنّ السوريين، قد فقدوا ثقتهم بالروسي وبالعسكرة وحلولها وقيادتها، ولاسيما من انشقّ منهم، ولكنه لم يتجاوز عقلية وتربية وأخلاقيات النظام، الذي انشق عنه !

فشل جنيف7 أضاف حصيلة جديدة على الفشلين السابقين لجنيف والآستانة، وأول ما أضافه هو ازدياد الشقاق بين الوفد المفاوض من جهة والائتلاف المقعد والحالم عبر نوايا رئيسه الجديد الطيبة، بإصلاح البنية المنخورة بالفساد والارتهان للخارج وشتى أنواع الفشل من جهة أخرى، وأضاف أيضاً ما لم يوكل إليه وليس من صلاحياته، وهو التقارب مع منصتين إشكالتين، هما منصة القاهرة ومنصة موسكو، ليدخلوا بوفد موحد شكلاً، لكنه مخرب من داخله فعلاً، إذ أنه سيقدم فرصة ذهبية للنظام، تخرجه مبرأ من جرائمه، التي باتت تضيق بها ملفات الجرائم الدولية وتصنيفاتها المتنوعة.  

وأمام هذا الفشل المتراكم ، حيث لا ينجح سوى وفاق الأعظمين، فلتطوَ إذاً كلّ المسارات الدولية البائسة ولنبدأ ثورتنا من جديد !

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: هل كانت اتفاقية كيري ـ لافروف كذبة كبرى؟

  د. فيصل القاسم: القدس العربي لا شك أن التاريخ سيذكر أن سيرجي لافروف وزير …