عمر قدور: سقط حافظ ولم يسقط بشار

 

عمر قدور: المدن

في نسبة لا يُستهان بها من قناعات معارضين سوريين ما يزال حافظ الأسد يحكم من قبره، وهي قناعة يُعبّر عنها عند الكثير من المحطات. بل هي قناعة آخرين تُطلّ أحياناً لوصم عموم المعارضة السورية بأنها “تربية” مدرسة الأسد الأب، من دون دراية ووعي منها، ما يجعل تركته موزّعة بين الوريث وخصومه، وهي فكرة مغرية عموماً بقدر ما هي سطحية في الكثير من الأحيان، بما أنها أسهل طريقة لمناقشة أخطاء المعارضة أو الانقضاض عليها فكرياً.

هذه الفكرة، من أي طرف أتت، تستهين بالحدث الأبرز للسوريين متمثّلاً الثورة، سواء عن قصد أو بدون قصد. فالثورة، وفق هذا المعيار، فشلت في إسقاط حكم حافظ عبر وريثه، ووفق منتقديها فشلت في إسقاطه في داخلها أولاً. واليوم، أكثر من أي وقت مضى منذ بدء الثورة، يمكن الإشارة إلى إخفاقها، مثلما يمكن الاستدلال بأسديين صغار موجودين في صفوفها أو في بعض واجهاتها، مع إغفال واقع انطلاقتها التي استقطبت نسبة ضخمة من السوريين الذين كانوا وبقوا خارج دائرة الأضواء. بالمثل تستهين هذه الفكرة بالأسد الابن “الوريث”، حتى إذا امتلك المؤهلات الكافية للاستهانة به قياساً إلى أبيه أو إلى أي سوري آخر، لتجعل منه مجرد واجهة لقبر أبيه، وهي في ذلك تغفل التطورات التي أدت ببشار ليكون واجهة لقوى خارجية لا لذلك القبر.

في الواقع يسود شعور لدى موالي الأسد بعدم كفاءة بشار وجدارته بوراثة أبيه، تم التعبير عنه في أول الثورة بأن القضاء عليها تأخر لعدم تدخل أخيه ماهر بالعنف المعروف عنه، وبعبارة أنه لا يزال لابساً البيجاما ولم يلبس ثياب الميدان. ويسود الشعور بأن الأب كان قادراً على امتصاص بداية الثورة ضده بطريقة أشدّ وأكثر حنكة، ولن يكون مضطراً على شاكلة الوريث إلى رهن قراره السيادي إلى أية جهة خارجية أو داخلية. أي أن مجمل تلك المقارنات يذهب إلى انقضاء زمن حافظ، وإن عبر تبديد بشار إرثه “الذهبي”، وليس بواسطة سوريين انتفضوا على ذلك الإرث وأعلنوا نهايته.

بخلاف ما سبق، ومن زاوية أخرى، تجوز مقاربة الأمر بأن الثورة أسقطت حافظ الأسد منذ الأشهر الأولى لاندلاعها، فالبنية المخابراتية الصلبة التي رسخها ظهر عجزها التام آنذاك، ولم تفلح أيضاً محاولات استرجاع زمن الأب مع إعادة بعض الشخصيات الأمنية المتقاعدة إلى الخدمة، بخاصة الشخصيات التي يُعتقد أنها نجحت معه في التصدي للتمرد الذي قاده الإخوان قبل ثلاثة عقود من الثورة. المسألة ليست في الإطار الرمزي الذي ينص على أن السوريين كسروا حاجز الخوف، وإنما أيضاً في فشل تلك البنية التي كان يفترض بها صنّاعها القدرة على استباق أي “تمرد”، وتالياً القدرة على تأبيد نفسها. بهذا المعنى نجحت الثورة في إسقاط حافظ الأسد، ولا مبرر للقول بأنه ما يزال يحكم من قبره ومن خلال وريثه، فهو بالأحرى لم يعد يحكم حتى قصره.

إن رمزية بشار لم تعد عملياً منذ خريف 2011 في كونه ابن حافظ الأسد، وإنما في كونه رمزاً لدخول الاحتلال الخارجي مكان الاحتلال الداخلي، ولتحول الأخير إلى مجرد وكيل عند الأول، ويمكن القول بأن من رفض نهايته على أيدي السوريين قد سلّمها فعلياً لأسياده الجدد وفق التوقيت أو الثمن اللذين يرونهما مناسبين. يمكن القول أيضاً بأن نوع المعارضة الذي ينتمي إلى زمن حافظ الأسد قد أصبح حينئذ من الماضي، وأن أقل فجوة زمنية تفصله عن الواقع تتمثّل في ثلاثة عقود من الزمن، هو الزمن الذي أجهز فيها حافظ الأسد على تلك المعارضة مع نهاية السبعينات ومستهل الثمانينات. هذا وحده لا يمنح امتيازاً جيلياً لمعارضين لاحقين أو مستجدين، لكنه يسحب ظله على بعض النقد الموجَّه للمعارضة، وقد يستقيم أكثر بالقول إن مشكلة معارضي زمن الأسد الأب ليست في أنهم تشربوا بشيء من الأسدية، بل هي في أن ذلك الزمن انقضى أصلاً.

من التبسيط الشديد أيضاً النظر إلى ما جرى على أنه انتقال من مقاومة الاحتلال الداخلي “الاستبداد” إلى مقاومة الاحتلال الخارجي، أو الانضواء في منظومة من الصراعات الإقليمية والدولية. الزمن المركّب من تضافر الاحتلالين الداخلي والخارجي هو حتى الآن في طوره الأول، ولا مستقبل لاستمراره على النحو الذي كان مألوفاً من قبل بدعم قوى دولية أنظمة مستبدة في المنطقة، ولا يمكن تصور التدخل الإيراني أو الروسي بمثابة قوة تأديب للسوريين ستغادر حالما تنتهي مهمتها. ولأن نتائج الوضع الحالي قد تتأخر في الظهور فسيكون مستبعداً بروز مقاومة داخلية له سريعاً، وبعيداً عن الصراع الإقليمي أو الدولي.

قد نكون الآن على عتبة المرحلة الثالثة، فإذا كان العام الأول هو عام إسقاط حافظ الأسد، وكانت الأعوام التالية هي زمن وريثه الذي أفلس وإرتهن مع تركته، فما يحدث الآن من ترتيبات ينضوي في إنهاء الحقبة الأسدية كاملة، من دون مكاسب للسوريين ما دام إسقاط بشار قد خرج من أيديهم وصار شأناً خارجياً. هذه النتيجة معطوفة على الطور الثاني أيضاً، ففي الصراع الدولي والإقليمي لم يكن لدى السوريين ما يقدّمونه من امتيازات للخارج بالمقارنة مع ما يقدّمه بشار لحُماته، فضلاً عن الإجحاف الأخلاقي في المقارنة. وإذا كان إسقاط الأب شأناً سورياً فإسقاط الابن لن يكون كذلك، وسيتطلب اشتباكاً مع الخارج على مختلف الأصعدة، الأمر الذي لم تثبت فيه المعارضة حتى الآن مهارة تُذكر. المفارقة أنه إذا كانت كل المؤهلات تصب لصالح الأسد الأب بالمقارنة بينهما فإن المقارنة بين معارضتيهما مقلوبة، إذ أن معارضة الأب لم تكن تتطلب ما هو مطلوب اليوم لإسقاط الابن.

شاهد أيضاً

أحمد طلب الناصر: إسطنبول التي أحبّ … حكاية ضيف

أحمد طلب الناصر -مجلة رؤية سورية ع 46/ آب 2017م غادرت غوطة دمشق، محطتي الأخيرة في …