إبراهيم الجبين: عن ذلك العقل الطفل

 

إبراهيم الجبين: العرب

أكبر المشاريع الاستثمارية لدى الأسرة العربية الواعية اليوم، الاستثمار في الطفولة، والبناء على تربية مميزة تنتج ثمارا يانعة في القادم من الأيام والأعوام، أو في ما يسمى “المستقبل”.

يقول الألمان “المستقبل لا نُفاجأ به، ولكن نصنعه بأيدينا”. وكثير من ملامح ذلك المستقبل يجري رسمه اليوم، هذا الصباح وأنت تتحدث مع طفلك أو طفلتك. فالمستقبل الطبيعي ليس نبوءة، بل معطيات علمية وتخطيط مسبق. وحالة سباق حقيقية بينك وبين الماضي وقواه، على ذلك العقل الطفل الذي يقبع في رأس ابنك الذي تحب، فمن دون التفكير في المستقبل، سينتهب الماضي المتخلف والحاضر المأساوي كل مركز عصبي وحسي لديه.

ولذلك بادر أوسيب فلنختهايم في العام 1930 إلى ابتكار ما سماه فيوتشرولوجي أو “علم المستقبل”. فلنختهايم روسي الأصل، كان قد تعرض للاعتقال والتعذيب على أيدي النازيين، قبل أن يتمكن من اللجوء إلى أميركا. أي أنه يعرف جيدا وعن كثب كيف يمكن للإنسان أن يغرق في الحاضر وألمه. ولذلك وجد الحل في التوجه إلى الغد.

ينظر العلماء إلى التربية على أنها إحدى حالتين؛ متغيرٌ تتحكم به تحولات المجتمع، أو محرك يعمل على دفع تلك التحولات. ولكنهم يؤكدون أنه لا مستقبل من دون تربية.

دراسة هذا وتحليله هو ما تشتغل عليه مراكز البحث الأميركية، وعلى رأسها مجموعات الـ”ثينك تانكس” والمجلس القومي للاستخبارات “إن آي سي” وغيره.

وربما يود كثيرٌ منا لو كانوا مثل كثيرين سبقوهم، يعيشون حياتهم ماشين قرب الحائط، ويمضون إلى سبيلهم. لكن هذا لم يعد ممكنا اليوم، فالعالم تغير بصورة مذهلة.

وأصبح لا بد لك من أن تقوم بدورك، سواء صغر أو كبر. ومنذ مطلع السبعينات تم رصد تغيّرين مهمين في نظرة الناس إلى المستقبل؛ أصبحوا على قناعة بإمكانية دراسة المستقبل، واعترفوا بأن المستقبل عالم قابل للتشكيل، وليس قدرا جاهزا محتوما.

وربما يخيب أمل بعض المهتمين عندما يجري سرد وتعداد الأسباب التي تواجه تفكيرا من هذا النوع في العالم العربي، فهناك عقبات ناتجة عن “غياب الرؤية المستقبلية في بنية العقل العربي، وطغيان النظرة السلبية”، علاوة على معاناة العرب مع التراث، فهو عندنا مسحور بإعادة إنتاج الماضي لا بصناعة المستقبل.

ويزيد في تلك الصعوبات مناخ انعدام الحريات الذي يجعل من التفكير الحر في الغد أمرا شبه محرم إن لم يكن ضربا من الكفر. ولا سيما في ظل انعدام العمل التعاوني الجماعي والحوار والتبادل المعرفي بين الأفراد والجماعات والاعتراف بالآخر والقبول به دون تبشير أو تغيير قسريين.

سأل أحدهم ألبيرت آينشتاين ذات يوم “لماذا أنت مهتم بالمستقبل؟”. فأجاب “ببساطة لأني ذاهب إلى هناك”.

شاهد أيضاً

أحمد طلب الناصر: إسطنبول التي أحبّ … حكاية ضيف

أحمد طلب الناصر -مجلة رؤية سورية ع 46/ آب 2017م غادرت غوطة دمشق، محطتي الأخيرة في …