إبراهيم الجبين: حَمَام القدس

 

إبراهيم الجبين: العرب

قبل ساعات أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل. لكن هذا ليس هو الخبر. الخبر المبهر هو أن العرب استنكروا الأمر وفوجئوا به، وكأننا كنا طيلة عشرات السنين الماضية نتصبّح كل يوم بالصلاة في الحرم الشريف في المسجد الأقصى ونتمسّى بأجراس كنيسة القيامة.

أما الأشياء فهي ليست دوما بخواتيمها، بل بمفاتيحها. ومفاتيحها ليست سياسية كما قيل لكم، بل إنسانية اجتماعية ثقافية تقتضي أن يحاسب الناس أنفسهم على خليط مشاعر حملوها دون أن يدركوا إلى أين ستوصلهم، ولعل أبرزها هو الشحن الديني الذي انطلق من انسداد أفق القضية الفلسطينية العادلة، ليتحوّل إلى جهاد ثم إلى حروب طائفية يمارسها حاكم ومحكوم، حتى باتوا يدمرون مدننا ومراكزنا الحضارية زاعمين أنهم في طريقهم إلى القدس، بينما بوصلاتهم تشير إلى مشارق الأرض ومغاربها ولا تشير إلى جهة القدس.

ولطالما تتبعتُ معاكساً ما ألفنا فعله مع الأشياء والظواهر، كيف تبدأ الأشياء لا كيف تنتهي. فمرة كان مغنٍ شاب ذو وجه طفولي على موعد مفاجئ مع القدر، حين تقرر أن تأتيه الفرصة ويغني بداية السبعينات من القرن الماضي في إحدى مناسبات المدينة الكبيرة المنقولة تلفزيونياً، لكنه كان فقيراً لم يكن يملك سترة يرتديها على المسرح، ولا حذاء يقف به على الخشبة، فتبرع له أحد رفاقه بالسترة، أما الحذاء فلم يكن لا هو ولا رفاقه يملكون أحذية تناسب هكذا حفلات. فاشترى من إحدى بسطات الطريق حذاء بلاستيكياً رسمياً أسود بـ600 فلس فقط وحلّت المشكلة، لكن المطر نزل أثناء الحفلة وفوجئ الجميع بأن الحذاء الأسود كان فردة سوداء وفردة كحلية.

لكن حتى ذلك الموقف المحرج لم يمنع المطرب البهيّ من أن يغني أجمل الأغاني التي صارت عالمية دون أن يشكره أحدٌ عليها، ومنها “جنّة جنّة جنّة والله يا وطنّا” التي كتب كلماتها الشاعر كريم العراقي ولحنها عباد عبدالكريم والتي يغنيها العرب لفلسطين وسوريا والعراق والأردن وغيره، وكذلك أغنيته الشهيرة “بالله يا طير الحمام اللي تسافرْ/ ودي لحبابي السلامْ/ وحمل بجنحك رسايلْ من تهاجرْ/ للي حرموني المنامْ/ بالله ياطير الحمامْ/ بالله ياطير البراري اللي تغني/ فرّح الدنيا بغناك/بالله ياطير الحمامْ” والتي كتبها حسن محمد يسر ولحنها محسن فرحان.

في تلك الليلة سال لون حذاء الفنان العراقي الأصيل رضا الخياط، ولم تسل بعدُ الألوان الصناعية التي تغطي وجوه كثيرين من مثقفينا ونخبنا وسياسيينا وأناسنا الذين ما زالوا يصرّون على تقديم العرب كظاهرة صوتية. لا أكثر. لا من أجل القدس المحتلة من قبل الجار اليهودي المهاجر القادم إلينا من محارق أوروبا، ولا من أجل بقية العواصم الأربع المحتلة من قبل الجار الفارسي الآخر.

ولعل حمام القدس الذي تصفّق أجنحةُ أسرابه، عابرة الخرائط والحدود والاعترافات، أجدر بالعيش حراً من أجيال اعتادت الكذب على أنفسها وعلى الآخرين.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …