الصراع الإيراني الإسرائيلي يتصاعد في ظل الحرب السورية

بِن هوبارد؛ وديفيد هالبينغر* – (نيويورك تايمز) 

بيروت، لبنان – يبدو أن إسرائيل صعَّدت من حربها الظلية في سورية ضد إيران يوم الاثنين الماضي، حين شنت غارة جوية قبل الفجر على قاعدة عسكرية تقوم بتنسيق عمل الميليشيات المدعومة من إيران، وأسفرت الغارة عن مقتل أربعة مستشارين عسكريين إيرانيين. وكان من بين القتلى عقيد عمل ضابطاً كبيراً في برنامج إيران للطائرات من دون طيار، وفقاً لتقارير إخبارية إيرانية.

جذب الهجوم الذي شُن على قاعدة جوية سورية بالقرب من مدينة تدمر الصحراوية وسط سورية انتباهاً جديداً لصراع دائر بين إيران وإسرائيل، كثافته تتصاعد بثبات بينما يظل مختفياً في ظلال الحرب الأهلية السورية. وفي حين استفادت إيران من الفوضى التي صنعتها الحرب السورية لإقامة بنية تحتية عسكرية كبيرة، شنت إسرائيل عشرات الغارات الجوية لمحاولة وقفها، أو إبطائها على الأقل.

رفض المسؤولون الإسرائيليون تأكيد أو نفي شن إسرائيل الغارة فجر الاثنين، والتي جاءت بعد أن تعهد الرئيس ترامب بالرد على هجوم بالأسلحة الكيميائية يقال إن قوات الحكومة السورية شنته بالقرب من دمشق يوم السبت. ولم يبد أن الهجوم الإسرائيلي كان رداً على ذلك الحدث، وهو ما يزيد احتمال أن تكون إسرائيل قد انتهزت الفرصة لاستهداف ما اعتبرته تهديداً لأمنها.

وكانت تقارير إخبارية روسية وإيرانية، أفادت أن طائرتين حربيتين إسرائيليتين من طراز إف-15 نفذتا الضربة التي قال مراقب للصراع إنها أسفرت عن مقتل 14 شخصاً. وقال الجيش الروسي إن الطائرات الإسرائيلية اقتربت من جهة البحر المتوسط قبل أن تطلق نيرانها من الأجواء اللبنانية. وأوضحت وكالة الأنباء الروسية “إنترفاكس”، أن أنظمة الدفاع الجوي السورية أسقطت خمسة من الصواريخ الثمانية التي تم إطلاقها، بينما أصابت الصواريخ الثلاثة الأخرى قاعدة عسكرية سورية تعرف باسم “تي-4″، والتي تلعب دوراً محورياً في الأنشطة العسكرية الإيرانية المتوسعة في سورية.

لطالما كانت إيران حليفاً وثيقاً للرئيس السوري بشار الأسد. ويرى كل من البلدين نفسه جزءاً من “محور المقاومة”، وهو تحالف من القوى المعارضة للنفوذ الأميركي والإسرائيلي في الشرق الأوسط.

ومع اندلاع الحرب في سورية، جاءت إيران لمساعدة الرئيس الأسد، فأرسلت مقاتلين متمرسين من حزب الله؛ الجماعة اللبنانية المسلحة، والحزب السياسي الذي تدعمه إيران. ثم نظمت في وقت لاحق جسراً جوياً دولياً من مقاتلي الميليشيات القادمين من بلدان عدة لتعزيز جيش الأسد.

والآن، تخشى إسرائيل أنه بينما يصبح موقف الأسد أكثر أمناً، فإن إيران تقوم بتحويل تركيزها إلى القدرة العسكرية التي يبدو أنها تبنيها لمساعدتها على مواجهة مستقبلية محتملة مع إسرائيل.

في كثير من الأحيان، يهدد القادة الإسرائيليون بقصف إيران، ولذلك، سوف يوفر وجود وكلاء عسكريين أقوياء بالقرب من حدود إسرائيل لإيران بعض الحماية. وإذا ما هاجمت إسرائيل إيران، كما تقول الفكرة، فإنها يمكن أن تتوقع رداً مؤلماً من حزب الله في لبنان، وربما من ميليشيات أخرى تعمل الآن في سورية.

كانت إسرائيل قد هاجمت قاعدة “تي-4” مرة واحدة على الأقل في شباط (فبراير)، بعد أن اعترضت إسرائيل ما قالت إنها طائرة إيرانية من دون طيار انتهكت مجالها الجوي. وقالت إسرائيل إنها استهدفت مركز القيادة والسيطرة الذي استخدمته إيران لإطلاق الطائرة. وفي تلك الحادثة، تمكنت الدفاعات الجوية السورية من إسقاط طائرة مقاتلة إسرائيلية من طراز (إف-16)، والتي تحطمت داخل إسرائيل.

كانت تلك أول طائرة إسرائيلية تُفقد بنيران عدوة منذ عقود، وقد ردت إسرائيل بموجة واسعة من الهجمات ضد عشرات الأهداف السورية والإيرانية في سورية.

تقول التقارير الإخبارية، إن أحد العسكريين الإيرانيين الذين قُتلوا يوم الاثنين كان عقيداً في برنامج الطائرات من دون طيار في البلاد، وهو ما يشير إلى أن إسرائيل أصبحت تشعر بقلق متزايد إزاء قدرات الطائرات الإيرانية غير المأهولة.

يقول عوفر سالزبرغ، محلل شؤون الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية، والذي يراقب الأعمال العدائية الإسرائيلية-الإيرانية في سورية: “كلما رأينا حوادث أكثر من هذا النوع، سنخلص إلى أن الحادث الأخير كان ضربة ضد القدرات الإيرانية لتشغيل الطائرات من دون طيار من سورية، ربما ضد إسرائيل”.

انطلاقاً من شعورها بالقلق من إمكانية استخدام إيران غطاء الحرب لتقوية حلفائها في سورية، شنت إسرائيل غارات جوية متكررة على ما اعتقدت أنها قوافل أسلحة متجهة إلى حزب الله الذي قاتل إسرائيل وقادها إلى طريق مسدود في حرب استمرت أكثر من شهر في العام 2006، وأسفرت عن مقتل مئات الأشخاص.

لكن الحكومة الإسرائيلية لا تعترف أبداً بالضربات الفردية التي تنفذها في سورية، كما لا تعترف الحكومة السورية وحزب الله دائماً عندما يتعرضان للضرب. لكن اللواء أمير إيشيل، قائد القوات الجوية الإسرائيلية المنتهية ولايته، أقر في شهر آب (أغسطس) الماضي أن إسرائيل شنت ما يقرب من 100 غارة على قوافل في سورية منذ العام 2012.

جاءت ضربة يوم الاثنين بعد أن وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الرئيس الأسد، بأنه “حيوان”، وحذره هو ومؤيديه الروس والإيرانيين من أنه سيترتب عليهم “ثمن كبير يدفعونه” جراء الهجوم الكيميائي المزعوم الذي أودى بحياة العشرات بالقرب من دمشق يوم السبت.

ولم ترد روسيا على الفور على هذا الاتهام، على الرغم من أن المتحدث باسم الرئيس فلاديمير بوتين رفض لغة ترامب النارية المحرضة. وقال المتحدث، دميتري س. بيسكوف: “الأسد هو الرئيس الشرعي للجمهورية العربية السورية. ومن غير المقبول توجيه ذلك النوع من العبارات المسيئة إلى رئيس”.

وكانت روسيا أيضاً أول من قال إن إسرائيل هي التي نفذت الغارة الجوية يوم الاثنين، فيما شكل خروجاً عما قال المحللون إنه سياستها السابقة القائمة على النظر في الاتجاه الآخر عندما تضرب إسرائيل الأصول الإيرانية في سورية.

وقال سالزبرغ، المحلل السياسي: “لقد قررت موسكو أن تكون القاضي وهيئة محلفين -بالاصطفاف إلى جانب الأسد وحزب الله اللذين يقولان إنه كان هجوماً إسرائيلياً، بدلاً من الوقوف إلى جانب إسرائيل بالسماح لها بالاحتفاظ بالغموض في هذا الشأن”.

يأتي هذا التصعيد الأخير في وقت حاسم بالنسبة للولايات المتحدة، بينما يعكف الرئيس ترامب على رسم المسار الأميركي في سورية. وكان ترامب قد قال الأسبوع الماضي إنه يريد سحب ما يقرب من ألفي جندي أميركي متمركزين في شرق سورية؛ حيث يقاتلون الجهاديين في “داعش”، لكن تعهّده بالرد على الهجوم الكيميائي المذكور ينطوي على إمكانية جرِّه إلى سورية بطرق أخرى. ويعتقد بعض مستشاريه أن الحد من الطموحات الإيرانية هو أحد الأسباب التي تدعو الولايات المتحدة إلى الحفاظ على وجود عسكري في سورية.

على الرغم من وعد الرئيس ترامب بالرد على الهجوم الكيميائي الذي أودى بحياة ما لا يقل عن 49 شخصاً في ضاحية دوما بدمشق، فإنه لم يتضح بعد ما الذي سيفعله، وكيف سيتصل بسياسة أميركية أوسع تجاه سورية.

وكان الرئيس ترامب أمر، بعد هجوم مماثل قتل العشرات من الناس في قرية خان شيخون في شمال غرب سورية قبل عام، بتوجيه ضربات صاروخية إلى القاعدة الجوية السورية التي انطلقت منها الهجمات.

ومن جهتها، ظلت إسرائيل، التي تتقاسم حدوداً مع سورية، تشعر بالقلق طوال فترة الصراع حول استخدام الحكومة السورية للأسلحة الكيميائية. ويوم الأحد الماضي، أدان يتسحاق يوسف، كبير حاخامات إسرائيل للسفارديم، الهجوم الكيميائي.

وقال في بيان: “لقد قلت في الماضي وسأقولها مرة أخرى: إن ما يحدث في سورية هو إبادة للنساء والأطفال بأكثر الصور وحشية، وباستخدام أسلحة الدمار الشامل. لدينا التزام أخلاقي بعدم التزام الصمت ومحاولة إيقاف هذه المجزرة”.

وفي حين أن الحاخام الأكبر لا يضع السياسة، فإنه يعكس شعور العديد من الإسرائيليين.

————————————————————————————————————–

*كتب بن هبارد من بيروت؛ وديفيد هالبينغر من القدس. وأسهمت إيزابيل كيرشنر في كتابة هذا التقرير من القدس، ونيل ماكفاركور من موسكو.

شاهد أيضاً

«أوبزيرفر»: ظلال الحرب العالمية الأولى تُخيِّم على سوريا

  علق مراسل صحيفة «أوزبرفر» في واشنطن جوليان بورغر على تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة …