مجلة أميركية: انسحاب طهران يكاد يكون مستحيلاً لهذه الأسباب

رؤية سورية – عربي بوست

وصل عدد الإيرانيين الذين لقوا حتفهم في سوريا أكثر من 2000 جندي منذ اندلاع الثورة قبل 7 سنوات، كما ضخت طهرات مليارات الدولارات في سعيها للدفاع عن نظام بشار الأسد، الأمر الذي يجعل من مسألة انسحاب قواتها من سوريا أمراً صعباً، على الرغم من الضغوط التي تمارسها إسرائيل، سواء دبلوماسية عن طريق حليف إيران روسيا، أو من خلال الضربات التي توجهها لمناطق وجود القوات الإيرانية في الجنوب السوري على الحدود مع إسرائيل، والتي أسقطت العديد من القتلى.

وفي مقال للصحفي الإيراني بورزو دارآغجي، نُشر بمجلة Foreign Policyالأميركية، يقول كان حميد رضائي من بين آخر دُفعة من الجنود الإيرانيين تلقى حتفها في سوريا، إذ قُتِل إثر ضربة صاروخية إسرائيلية مزعومة على قاعدة التيفور الجوية بالقرب من مدينة حمص السورية.

وكان حميد (30 عاماً)، وهو من العاصمة الإيرانية طهران، شاباً متديناً، وترك وراءه طفلةً رضيعةً، وكان والده جندياً كذلك. وفي جنازة رضائي التي أُقيمت في أواخر شهر أبريل/نيسان الماضي، قالت أمه باكيةً إنَّه لم يكن بالإمكان منعه من التطوع للقتال في سوريا، وأضافت: “يُغضبني الناس حين يسألون: “لماذا لم تمنعوه؟”، لقد اختار ابني طريقه”، وفقاً لما ذكره موقع Mashregh News الإيراني المتشدد.

وحسب المقال فقد زاد مقتل رضائي حصيلة القتلى العسكريين الإيرانيين في سوريا، التي تخطت 2000 قتيل منذ بدأت إيران ضخ قوات وموارد هائلة إلى البلاد للدفاع عن نظام الرئيس السوري بشار الأسد من انتفاضةٍ مسلحة.

وتضغط إسرائيل على روسيا، وسيطة القوة الرئيسية في سوريا، والأطراف المؤثرة الدولية الأخرى لدفع إيران إلى مغادرة سوريا، مُهدِّدةً بشنِّ المزيد من الضربات على المواقع الإيرانية بالقرب من حدودها في هضبة الجولان، أو أي مكانٍ آخر داخل البلاد في حال بقائها.

وجديرٌ بالذكر أنَّ وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أدرَج انسحاب إيران من سوريا ضمن 12 شرطاً مُسبقاً لإلغاء العقوبات، بعد انسحاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق النووي في الشهر الماضي مايو/أيار.

إيران بذلت الكثير من الدماء والأموال في سوريا

بيد أنَّ مسؤولين إيرانيين وخبراء آخرين يقولون إنَّ إيران بذلت الكثير للغاية من الدماء والأموال -التي تصل إلى 30 مليار دولار حتى الآن- للالتزام بالمطالب الدولية، بغض النظر عن الضربات الجوية الإسرائيلية أو حتى ضغوط روسيا. وبعدما بذلت إيران بالفعل هذا الاستثمار الهائل، فإنَّها عازمةٌ على جني المكاسب الاستراتيجية المحتملة على المدى الطويل التي ستقدمها سوريا، حتى لو جاء ذلك على حساب المزيد من الأرواح والأموال على المدى القصير.

وقال رئيس تحرير إحدى أبرز الوسائل الإعلامية الإخبارية في طهران لمجلة Foreign Policy الأميركية بشرط عدم الكشف عن هويته: “لا أعتقد أنَّ إيران مستعدةٌ للتخلي عن وجودها في سوريا؛ فهو يمنحها ورقة ضغط جيدة ضد إسرائيل. الأرض مهمةٌ جداً، وإيران ماهرةٌ للغاية في إدارة الأرض، وهي المنطقة الوحيدة التي يُعَد فيها الروس حتى ضعفاء. لذا، فالطرف الذي يسيطر على الأرض لا يأخذ غير المسيطرين عليها على محمل الجد”.

وتُصِرُّ إيران على أنَّها موجودةٌ في سوريا بناءً على طلب دمشق ولن تغادر إلا بناءً على طلبها. فوفقاً لما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية BBC، قال بهرام قاسمي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية: “ما دام وجودنا ضرورياً وما دام الإرهاب موجوداً هناك والحكومة السورية تريد منا الوجود في بلادها، فإنَّ إيران ستبقى في سوريا وستقدِّم إسهامها للحكومة السورية”.

وقال الأسد في حوارٍ صحفي على إحدى القنوات التلفزيونية الروسية، الأسبوع الجاري، إنَّه لا توجد قواتٌ إيرانية قط داخل سوريا، مُضيفاً: “لدينا ضباط إيرانيون يعملون مع الجيش السوري كنوعٍ من المساعدة. لكن ليس لديهم قوات”.

30 مليار دولار مساعدات عسكرية واقتصادية

وعلى مدار السنوات السبع الماضية، تصاعد الاستثمار الإيراني في سوريا إلى مليارات الدولارات، التي أُنفقت في مساعٍ عسكرية واقتصادية متشابكة في بعض الأحيان. وجنَّدت إيران ودرَّبت ميليشياتٍ تضم أفراداً منتشرين في سوريا من مختلف أنحاء الشرق الأوسط وجنوب آسيا، واعتنت بعائلات القتلى من مُقاتلي هذه الميليشيات.

وقدَّر منصور فارهانغ، وهو باحثٌ مقيم في الولايات المتحدة ودبلوماسي إيراني سابق، حجم ما أنفقته إيران على سوريا بما لا يقل عن 30 مليار دولار في شكل مساعداتٍ عسكرية واقتصادية. بينما قدَّر نديم شحادة الباحث في شؤون الشرق الأوسط بكلية فليتشر للحقوق والدبلوماسية بجامعة تافتس حجم الإنفاق بأعلى من ذلك، قائلاً إنَّه يبلغ 15 مليار دولار سنوياً ونحو 105 مليارات دولار إجمالاً. وكلا الرقمين يُمكن أن يكون مثيراً للجدل سياسياً في أي لحظةٍ متقلبة يُطالِب فيها الإيرانيون في وطنهم بالمُساءلة والحكمة المالية.

وقال فارهانغ متحدثاً عن الإيرانيين: “لقد بذلوا الكثير من الاستثمارات الاقتصادية والسياسية، لذا فمن الصعب جداً عليهم حزم حقائبهم والعودة إلى وطنهم”.

وقال نوَّار أوليفر الباحث العسكري في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية البحثي في مدينة إسطنبول التركية، إنَّ القوات الإيرانية تُمارس أنشطتها حالياً انطلاقاً من 11 قاعدة في جميع أنحاء البلاد، فضلاً عن تسع قواعد عسكرية للميليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً في جنوبي مدينة حلب، ومدينتي حمص ودير الزور، بالإضافة إلى نحو 15 قاعدة ونقطة مراقبة تابعة لحزب الله ينتشر معظمها على طول الحدود اللبنانية وفي حلب.

روسيا تضغط لكن إسرائيل تريد خروجاً كاملاً لإيران

وقال محللون عسكريون إنَّ إيران تخضع بالفعل لضغوطٍ روسية لنقل القوات والميليشيات المتركزة الآن في جنوبي سوريا إلى دير الزور غرب نهر الفرات. لكنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حذَّر هذا الأسبوع من أنَّ إسرائيل ستضرب أي محاولةٍ من جانب إيران “لترسيخ نفسها عسكرياً” في سوريا، “ليس فقط في هضبة الجولان، بل أي مكان في سوريا”.

وأكَّد دوري غولد، المبعوث الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة، أنَّ نتنياهو لا يُبالغ، بل يعني كامل سوريا. وقال غولد الذي يعمل الآن مديراً لمركز القدس للشؤون العامة: “من وجهة نظر عسكرية واضحة، إسرائيل تريد خروج إيران من سوريا، وهذا يعني خروجها من جميع الأراضي الواقعة داخل الحدود السورية”.

وجود إيران في سوريا يتجاوز ما هو عسكري

لكنَّ انخراط إيران في سوريا يتجاوز الوجود العسكري التقليدي، إذ بدأت بالفعل في زرع بذور مؤسساتها المالية والأيديولوجية الفريدة هناك. فإلى جانب نحو 12 منظمةً أخرى مرتبطة بإيران، تعمل مؤسسة جهاد البناء، وهي مؤسسة خيرية إسلامية مدعومة إيرانياً وموَّلت إعادة إعمار جنوب العاصمة اللبنانية بيروت بعد حرب صيف عام 2006 ونظَّمتها، بالفعل على مشروعاتٍ كبيرة لإعادة بناء المدارس والطرق والبنية التحتية الأخرى في حلب وبلداتٍ أخرى، فضلاً عن تقديم مساعدات لعائلات مقاتلي الميليشيات السورية المدعومة إيرانياً.

جديرٌ بالذكر أنَّ وجود إيران المتعمق في سوريا يوطَّد العلاقة بين النظام السوري وبينها، ويجعله أقرب إليها من أي وقتٍ مضى، ما يُعطي إيران موطئ قدم عسكرية موسَّع في المنطقة، فضلاً عن نقل مباراتها العدائية الطويلة مع إسرائيل قريباً من حدود منافِستها.

ففي الأشهر الأخيرة، فازت شركاتٌ إيرانية بصفقاتٍ في سوريا تشمل توفير جرارات وتعدين الفوسفات وإصلاح شبكات الكهرباء وتكرير السكر. ووفقاً لتقديرات بعض المسؤولين الإيرانيين، يبدو أنَّ قيمة صادرات إيران إلى سوريا تبلغ ما لا يقل عن 150 مليون دولار سنوياً. فضلاً عن أنَّ إيران أقرضت النظام السوري ما لا يقل عن 4.5 مليار دولار منذ عام 2013.

وتسيطر إيران وحلفاؤها السوريون والعراقيون على معظم الحدود العراقية-السورية، ومنطقة عبور مواد البناء، وواردات الطاقة، ما يمنح طهران نفوذاً كبيراً في جزء كبير من مستقبل البلاد، ويُمهِّد لها طريقاً لجني المكاسب من استثماراتها الاستثنائية. وقال أوليفر: “إنَّهم (الإيرانيون) يسيطرون على الطريق في الصحراء السورية ويسيطرون على خط أنابيب مهم، لذا فبطريقةٍ أو بأخرى، لا يمكن لأحد أن يُقيم أي مشروع دون إيران”.

مطالب إيرانية منددة بتدخل البلاد في سوريا

التدخل المستمر في سوريا لا يحظى بشعبيةٍ كبيرة داخل إيران. إذ ردَّد متظاهرون يطالبون بالتغيير الاجتماعي والاقتصادي مراراً شعاراتٍ تندد بتدخُّل إيران في الصراع. وفي بعض الأحيان، يرتبك مسؤولو وزارة الخارجية الإيرانية عند الدفاع عن الموقف الإيراني، بينما شكَّك مسؤولون بارزون، من بينهم الراحل آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني، علناً، في دعم طهران للأسد، الديكتاتور الذي يقف وراء ذبح وتشريد مئات الآلاف من شعبه.

ومع ذلك، فالقطاع المنزعج من الشراكة الإيرانية مع الأسد من النظام الإيراني لا يملك إلا كلمة ونفوذاً ضئيلين لوقف التدخل في سوريا، الذي تشرف عليه بعض شخصيات الدولة الإيرانية العميقة مثل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع لقوات الحرس الثوري الإيراني.

وقالت سانام وكيل، الباحثة في معهد تشاتام هاوس: “لا أعتقد أنَّ هذا الجزء من النظام سيوافق على الانسحاب الدائم من سوريا. وأشعر أنَّ هذا الجزء من النظام جاهزٌ للمخاطر. سيحاولون السعي لتحقيق الأهداف طويلة الأجل ببطءٍ ومثابرة. وليس بالضرورة أن يكون وجودهم على شكل قواعد، بل أفراد وبعض الميليشيات والاستثمارات الاقتصادية”.

كانت هناك العديد من التقارير التي تفيد بأنَّ إيران وإسرائيل كانتا تحاولان إيجاد تسوية مؤقتة بشأن الوضع في سوريا، عبر وسطاء أردنيين أو روس. وأشار علي أنصاري، الباحث في جامعة سانت أندروز البريطانية إلى إمكانية شراء قبول إيران لتسويةٍ إذا ضغطت عليها روسيا وسوريا للخروج من البلاد. وبالفعل، وضعت السلطات السورية شروطاً في بعض عروض المناقصات السورية لتجعلها مقتصرةً على الشركات الإيرانية فقط. وقال أنصاري: “سيقولون: “لقد أُنجزِت المهمة”، لكنَّنا سنحصل الآن على كل هذه العقود التجارية المربحة. إنَّهم يريدون الحصول على منفعةٍ ما من الأمر”.

الوجود في سوريا “صراع وجودي” لإيران في المنطقة

لكن في حين لا تريد إيران حتى الآن تصعيد الصراع مع إسرائيل بشأن سوريا، فقد غيَّر وجودها هناك توازن القوى الإقليمي الاستراتيجي، ما أدى إلى تحريك ساحة التنافس المستمر منذ أمدٍ بعيد بين البلدين أقرب إلى الحدود الإسرائيلية. ووصف محللٌ عسكري إيراني سوريا بأنَّها “صراعٌ وجودي” تعتبره طهران ضرورياً.

وقال المحلل الذي طلب عدم الإفصاح عن هويته: “الحالة الوحيدة التي ستُجبر إيران على الخروج من سوريا هي تعرُّض النظام السوري لهزيمةٍ عسكرية كاملة”.

وقال شحادة: “الإيرانيون لن ينسحبوا، قد ينسحبون تكتيكياً بضغطٍ من الروس لتهدئة الأمور فقط. لكنَّهم موجودون هناك من أجل قضايا إقليمية استراتيجية إلى حدٍّ كبير”.