هارون الرشيد.. مسلسل ينهش بالتاريخ

هنادي الخطيب- جيرون

لعل أهم ما حدث، بالنسبة إلى مسلسل (هارون الرشيد) لهذا العام، هو البروباغندا الكلامية التي شاعت ما قبل البدء بعرض المسلسل، وما إن انتهى الجدال ما بين كاتب العمل عثمان جحا والكاتب “الرقيب” قمر الزمان علوش، حول منع أو عدم منع الرقابة للعمل، من العرض على القنوات السورية، فإن كل ما يهم المسلسل انتهى معه.

الخليفة العباسي الأشهر، والأكثر ذكرًا في التاريخ، حتى في المصادر الأجنبية، كالحوليات الألمانية والحوليات اليابانية والصينية، ظهر في المسلسل السوري الجديد، وكأنه رجل أحمق يتبع شهواته ونزواته النسائية، ومن الواضح أن الكاتب لم يزعج نفسه بقراءة بضع معلومات عن الشخصية التاريخية التي ينوي كتابة مسلسل عنها، من 30 حلقة، اللهم إلا إن كان اعتمد على قصص الخيال التي وردت في كتاب ألف ليلة وليلة.

أصبح من الواضح أن الدراما السورية بدأت مرحلة من السقوط، لا يبدو له نهاية واضحة، فعدا عن المغالطات التاريخية بالجملة، وتجاهل الحضارة والعلوم والازدهار الثقافي والديني والفن والموسيقى في عهد الرشيد، فإن الإخراج جاء فقيرًا ساذجًا، بما ينبئ بمدى ضعف الإنتاج والاعتماد على سمعة الدراما السورية التاريخية، التي استهلكها مسلسل هارون الرشيد.

إن أردنا التغاضي عن غنى فترة حكم هارون الرشيد، وتحوّل بغداد في عهده إلى قِبلة طلاب العلم من جميع البلاد، وإن حاولنا مشاهدة المسلسل كوسيلة للتسلية لا أكثر، أفما كان باستطاعة فريق العمل تقدير حقيقة معرفتهم وقدراتهم على كتابة عمل تاريخي، عن رجل يمكن إنتاج أكثر من عمل عن عهده، واستبداله بآخر يعتمد الميتافيزيقا التاريخية؟ لعل احتواء الشارة على اسم آخر “سهيل زكار” بصفة “مستشار تاريخي” يزيد من عمق المشكلة، ولعل ما يتبادر إلى الذهن هو التساؤل عن مقدار الجرأة لدى صانعي المسلسل، لذكر صفة مستشار تاريخي، في عمل لا يمت إلى التاريخ بصلة.

يعاني الإخراج من مشكلات أكثر من أن يتم المرور عليها جميعها، ولكن يمكننا أن نسرد بعضًا منها، فالتصوير كله -حتى اليوم- يجري في مكان واحد، ليأخذ هذا “اللوكيشن” دور البطولة المطلقة، فهو بغداد وهو قصر الخلافة، ولعل المخرج لم يستطع أن يتصرف في هذا المكان الثابت إلى الدرجة التي ظهرت فيه الحدائق التابعة لقصر الخلافة، بحلة تنتمي إلى الوقت الحالي، فالأعشاب والشجيرات مشذبة بأكثر الأشكال إتقانًا، والمدينة تشبه القصر إلى الدرجة التي يشعر بها المتفرج أن الخليفة الرشيد كان يعيش في أحد بيوت بغداد، وبالطبع، فإن المعارك غابت غيابًا كاملًا عن العمل، فلا هارون ولا ولداه ولا البرامكة خاضوا معركة واحدة، ولا يوجد فرصة لذرة غبار أن تلتصق بعباءاتهم.

يبقى أن نعرّج على نساء المسلسل، اللواتي لا يشبهن التاريخ العباسي، ولا يشبهن ازدهار الفقه وعلوم الدين في عصر الرشيد، فالملابس تميل إلى العصرية التي تحاول إظهار مفاتن الجسد، ومن ضمن ذلك زبيدة زوجة الرشيد، وغادة أرملة الخليفة الهادي، ولإظهار الإغواء أكثر ظهرت النساء جميعًا، كاشفة عن أيديها وعن شعرها، مع كثافة غريبة للمكياج، فبدون أشبه بالغانيات والجواري في ذلك العهد، من زوجات وأرامل للخلفاء. وبالطبع فإن للجواري حصة الأسد في المسلسل، فجميعهن يسرحن ويمرحن في القصر، وبتنا كمشاهدين نعرف أسماءهن ونتابع تحركاتهن بالقصر، أكثر مما نعرف الأمين والمأمون أبناء الرشيد، والأشخاص الأهم في تلك المرحلة لما كان لهم من دور كبير في دخول الفرس إلى الخلافة الإسلامية العربية. وأما البرامكة أصحاب الكلمة الفصل في عهد الرشيد، والفضل بتولية المأمون ابن الجارية الفارسية للخلافة بعد الرشيد، فهم ليسوا أكثر من رجال يقضون وقتهم في الندب والشتائم، وفي كره زبيدة وابنها الأمين، وفي التآمر على الرشيد نفسه، علمًا أن للبرامكة في التاريخ دورًا كبيرًا في توسع رقعة الدولة الإسلامية، ودورًا أكبر في عزل الأمين من ولاية العهد، وتولية المأمون.

غاب عن العمل أهم الأسماء في التاريخ التي عاصرت وازدهرت في عصر الرشيد، كابن حنبل والشافعي وفرق المتكلمة والمعتزلة، وغاب عنه الإشارة إلى “بيت الحكمة” الذي أنشأه الرشيد، واحتوى على الكتب والمؤلفات من مختلف بقاع الأرض، وبالطبع ونتيجة لظهور الرشيد، كخليفة لا يهتم بأكثر من النساء، فلم ير صانعو العمل ضرورة ذكر أشهر كتابٍ علمي عُرف في التاريخ، وترجم في عهد الرشيد: (كتاب الأصول في الهندسة والعدد) لإقليدس، ولن نستطيع أن نمر في مقال كهذا على حقائق التاريخ جميعها، ولن نتمكن من الإحاطة بمعنى تغلغل الفُرس في الخلافة العربية ونتائجه، ما بعد حكم الرشيد.

ندرك أنه يحق لكاتب السيناريو أن يستعين ببعض القصص الجانبية، لإسباغ التشويق الدرامي في العمل التاريخي، ولكن من الواجب التذكير بأن أي حكاية جانبية اختلقها الكاتب، لا يجب أن تؤثر في السياق التاريخي للأحداث، ولا أن تغّيب الهدف من العمل.

وأخيرًا، يمكننا، بكل راحة ضمير، أن نقول إن مسلسل (هارون الرشيد) لا يعدو كونه حكاية عن الجواري والنساء، ولكنها أقلّ تشويقًا وأضعف بكثير من أي حكاية تاريخية متخيلة، غاب عنها إبهار الخيال، وسيطر البرود في الأحداث، وضعف الأداء، حتى من نجوم مثل كاريس بشار وقصي الخولي؛ ما يضع العملَ في قائمة الأعمال السورية التي تساهم في صنع نعش صناعةٍ، عملت سنوات لبناء اسمٍ في الدراما التاريخية.