نجم الدين سمّان: سوريون في فرنسا 1/2

حوار الأفكار – نجم الدين سمّان – الفيحاء نت

كتبتُ سابقاً عن السوريين في الجزائر بعد إقامتي فيها لمدة 4 اشهر فقط؛ وعنهم في مصر بعد إقامتي فيها 8 أشهر فقط؛ ثمّ عنهم في استانبول بعد إقامة 4 أعوام فيها؛ وما تزال جملةٌ واحدةٌ صالحةً لتتكرّر بعد 5 أشهر من إقامتي في فرنسا:
“إذا كُنتَ سورياً.. سترى في تغريبتك؛ كما كُنتَ ترى في سوريا الأسد طيلةَ أربعينَ عاماً.. التشكيلةَ السوريَّةَ ذاتَها” !.
وبالتفصيل المُمِلّ.. سترى الثالوث السوري ذاته: ثُلثٌ مُؤيد للنظام؛ وثلثٌ مُعارِضٌ له؛ وثلثٌ من الرماديين.

ثمّةَ ثالوثُ أقوال شائعة: لجماعة “لاحول ولا قوة إلا بالله” ولجماعة “الله يطفّيها بنوره” ولجماعة “كنّا عايشين”ّ!.
ولكلّ ثُلثٍ.. تناقضاته؛ أما الثُلث الرماديّ؛ فهو يُشبِه “الثُلث المُعطِّل” في الحكومات اللبنانية؛ بينما هو ذاته يحمل تناقضاتِ المُؤيدين والمُعارِضين ذاتها؛ حيث كانت تلك التناقضات من المَسكوتِ عنها تحت القمع والاستبداد؛ ثم خرجت من تحت الأظافر والمسامات؛ فلم تجُبّها الثورة أو تتجاوزها؛ بل تفاقمت تحت كلِّ رداءٍ سياسيّ أو دينيّ أو مذهبيّ أو طائفيّ أو عشائريّ؛ وحتى بين أبناء المدن السورية فيما بينهم؛ كما بين كلِّ مدينةٍ وريف!.

وقد حمل السوريون في حقائبهم كلَّ هذه التناقضات.. إلى كلّ بلدٍ هُجّروا قسراً إليها؛ واستغرق الأمرُ سنواتٍ ليكتشف السوريون بأن ثورةً على الاستبداد لا تكفي لإزالته عن عرش طغيانه؛ إذا لم تترافق بثورةٍ ضدّ هذه المتناقضات؛ تبدأ من الذات ولا تنتهي بمؤسسات المُعارضة؛ مِن حيثُ أعادت المعارضة ذاتُها انتاجَ تناقضاتِ النظام تحت راية الثورة عليه!؛ كما أعادت الفصائل المسلحة -وبخاصةٍ فصائل إخوة المنهج- إنتاج أغلبَ انتهاكات النظام تحتَ رايات الجهاد ضدّه!!.

وكما في كلّ مكانٍ يتواجد فيه لاجئون سوريون؛ حتى لو كان عند “الأسكيمو” في القطب الشمالي.. سنرى الحَالِمِينَ والشُرفاء والعِصَاميّين والمُحبَطِين مِن النظام ومِن المُعارضة.. في آنٍ معاً؛ كما سنرى النَصّابِين مِن كلِّ نوعٍ وصِنفٍ؛ ونرى المُقَامِرينَ بأبناء بلدِهِم في الوطن.. كما في الغربة.

تختلف معاناة السوري بحسب البلد الذي هُجِّرَ إليه؛ وبحسب أقداره؛ فقيراً.. في مخيمات اللجوء؛ أومتوسط الدخل في أيّة مدينةٍ تأويه؛ وغنياً هَرَّبَ أمواله.. قبل عائلته وقبله؛ أو باع معمله؛ أو فكَّكَهُ ثم شحنه من حلب إلى عينتاب؛ وبين هؤلاء.. سنجد المهاجرين إلى أوروبا طوعاً وليس قسراً؛ بل إن نسبةً كبيرةً من مُؤيدي النظام وفي مناطق سيطرته قد أخذوا مكانَ لجوء سوريين قُصِفَت بيوتهم أو تمّت مُصادرتها قبل وبعد القانون رقم 10 الخاصّبمصادرة أموال الغائبين؛ بينما هم: المُغيَّبون حصاراً وقتلاً وقصفاً وتهجيراً.

ثم لا يستحي مُؤيِّدٌ للنظام وربما كان رمادياً.. من السؤالِ عن كيفية سفره إلى دمشق والعودة منها إلى بلد لجوئه: بالباسبور السوري أم بجوازه الأوروبي المؤقت.. دون أن يُؤثّر هذا على لجوئه؟!.
أو يُفكّر كثيرون بشكل جدّي بإلغاء لجوئهم والعودة إلى حضن الوطن؛ من حيث تعدّدت الأسباب والحضنُ واحد: وبينما يريد احدهم مغادرة فرنسا لأنها بلاد كفر وإلحاد وتحلّل أخلاقي؛ يُبرّر أحدهم إخفاقه في التاقلم وتعلّم اللغة الفرنسيةوتطامنه مع عطالة انتظار راتب لجوئه.. بان سوريا.. بلدُ عِزٌّ؛ برغم كلّ الخراب الذي طال الحجر كما طال ارواح واخلاق البشر طيلة اربعيم عاماً من الاستبداد كما طيلة سبع سنوات من التدمير والتهجير المُمنهَج!.

ثمّة جماعة “حكّيني ع الخاص” حين يعرضون خدماتٍ مأجورة.. أغلبها نَصبٌ واحتيالٌ على الطريقة السورية إياها!.
وكنت اختتمتُ مقالي: “سوريون في استنبول” بهذه الجملة:
كَم على السوريِّ.. أن يكتشِفَ نفسَهُ في تغريبته السورية الكبرى؛ ليكتشفَ السوريينَ مِن جديد؛ وكأنَّه لم يكُن منذ ولادته وحتى غُربته.. إلّا غريبَ اليَدِ والوَجهِ والقلبِ واللِسَان!!.

*- يُتبع