فنانو “اللقطة الواحدة” يطاردون اللحظة الهاربة

حوار الأفكار – المدن

لا يكف الفنان الصادق عن مطاردة المستحيل في كهوفه ومغاراته الدفينة، والإتيان به حيًّا نابضًا كشعاع ولدته الشمس، فماذا لو كان مختبئًا في تابوت الموتى منذ آلاف السنين، ويقف حارسًا عليه إلهُ القبور الأعظم؟

زيارة خاطفة للمتحف المصري العريق في ميدان التحرير، خاضها “فنانو اللقطة الواحدة” بروح التحدي، وأمام رسم جنائزي على تابوت يحوي “أنوبيس”، إله الموت والتحنيط، أشرقت الفكرة الوامضة مثل برق خاطف: سنرصد، نحن الفنانين، اللحظة الهاربة، التي لا نجدها في مصر الحالية، البليدة الميتة. سنرسم جميعًا روح الحياة الخالدة، التي تطلقها مصر الفرعونية دائمًا، حتى من نقوش توابيتها، وروائح مومياواتها.

“أنوبيس”، إله الموتى والمقبرة والتحنيط، هو ثيمة المعرض التشكيلي غير التقليدي لجماعة “فناني اللقطة الواحدة” في قاعة “إبداع” بالزمالك (24 يونيو-19 يوليو 2018)، ويضم المعرض قرابة تسعين عملًا لأكثر من أربعين فنانًا وفنانة، من وحي تفاعلهم مع الحالة المدهشة، وهم أمام التابوت والرسم الجنائزي واللعنات المتوثبة.

تنبني فلسفة “فناني اللقطة الواحدة” على العمل في إطار جماعي، حيث يؤدون رسومًا سريعة تلقائية في مكان ما يلتقون فيه، ثم يشتغل كل فنان على عمله بتؤدة وفق رؤيته الخاصة، مستخدمًا الألوان الزيتية والمائية والباستيل والأحبار والطباعة والكولاج والجواش واللاكيه والأكريليك والكارتون وغيرها من المفردات والخامات والتقنيات، لتمتزج روح الهواية باللمسة الاحترافية، ويتخذ كل عمل هيئته النهائية المختلفة.

“أنوبيس”، هو المعرض الثالث والثلاثون لـ”فناني اللقطة الواحدة”، وتضم هذه الجماعة مبدعين يجمعهم الفن والتواصل الاجتماعي واللقاء الأسبوعي صباح كل جمعة في مكان ما يشكل موضوعًا وموتيفة لأعمالهم الفنية. وقد بدأت فكرة “اللقطة الواحدة” منذ 2001، كامتداد للجولات الفنية التي كانت تقوم بها “أسرة الفرسان” بكلية الفنون الجميلة كل جمعة لرسم ملامح الحياة الشعبية في الهواء الطلق.

تعددت معارض “فناني اللقطة الواحدة” على مدار 17 عامًا، وتنوعت ثيماتها بين رسم عربات الطعام في الشارع (الفول، الترمس، الكشري، الخ)، ورسم أحياء القاهرة التاريخية الأثرية كالحسين وخان الخليلي والقلعة ودرب اللبانة وغيرها، وتتميز أعمال الفنانين باكتشاف العمق الإنساني في اللقطة، والأبعاد الحضارية، ليكون العمل مزيجًا بين روحين: روح الفنان الخاصة، وروح اللقطة ذاتها كما يراها ويستشعرها؛ لا وصفها الخارجي المتاح للجميع كقالب.

يحمل معرض جماعة “فناني اللقطة الواحدة” عنوان “أنوبيس”، بما يمثل ذروة المغامرة والتحدي للجماعة التشكيلية المتمردة التي أرادت استحضار رموز الحياة من أيقونات الموت، فأنوبيس (Anubis) هو إله الموتى والمقبرة والتحنيط الرامز إلى الموت، صاحب رأس “ابن آوى” في الميثولوجيا المصرية القديمة.

يقوم أنوبيس بمهمة مقدسة، هي وزن قلب الميت، فإذا كان أخف من الريشة سُمح له بالحياة في الآخرة، وإذا كان أثقل من “ريشة الحقيقة”، فهذا يعني أنه عصي كاذب يفعل السيئات، وجزاؤه عندئذ إلقاء قلبه للوحش الخرافي كي يلتهمه، لتزول حياته، وتكون نهايته الأبدية.

هذه الصفات والوظائف ذات الطبيعة الخاصة للإله أنوبيس جعلته مادة خصبة لفناني “اللقطة الواحدة”، فهو حارس الجبانة والمشرف على تحنيط الموتى ووزن قلوبهم، وبالتالي فهو رمز حسابهم، ومفتاح حياتهم الأخرى أو بوابة فنائهم، ومن هنا فإن الرمز الأنوبيسي قد يكون في الوقت نفسه تلك الطاقة التحريضية المحفزة على الإبداع، والواهبة للحياة من جديد.

من خلال الرمز الثري (الإله أنوبيس)، تمكن الفنانون أيضًا من حل تلك المعادلات الصعبة والتوازنات الدقيقة بين الأصالة والمعاصرة، الموروث والحداثي، المدرسي والفطري، فهم من جهة يعاينون تجليات الواقع ومقتضيات اللحظة الراهنة المتجمدة، ومن جهة يبحرون بوعيهم الجمعي إلى ماضيهم الزاخم ومعتقداتهم الراسخة التي تأتي لهم بطاقة الوجود مرة أخرى في زمن العدم.

من بين الفنانين المشاركين في المعرض الجماعي: نوران عباس، هايدي محمد، دعاء فاخر، محمد أبو الحديد، إسراء جمال، سارة عوف، أحمد مبارك، إيمان عبد الكريم، محمود صابر، محمد كمال، نشوة صالح، أمنية صابر، يحيى حسن، سلمى إسلام، مروة محمود، نوفير موريس، نرمين بدوي، نسرين الحسيني، أشرف غياض، أحمد علي.

من سمات معرض فناني اللقطة الواحدة الجمع بين أكثر من خامة في عمل واحد، وكذلك انصهار الأساليب الفنية المتعددة في التكوين، والحرص على أن يكون الخيال التعبيري مستندًا إلى الانطلاق التلقائي العفوي من جهة، والهندسة البنائية المحكمة من جهة أخرى، وذلك جنبًا إلى جنب مع فتح الباب للتجريب في التعامل مع معطيات تراثية، ليكون التجديد بجذور متعمقة في تربة الهوية.

حفل معرض “أنوبيس” بإثارة ربما لم تشهدها معارض جماعة اللقطة الواحدة من قبل، فالرسم الجنائزي المستمدة منه أعمال المعرض يتسم بالسحر والغموض، والرموز والصور الواردة فيه شفرات لا تتكشف دلالاتها بصورة كاملة، بما يفسح المجال للتحليق التخييلي، واستخدام الحذف والإضافة في التعامل مع الأصل المرجعي، واستلهام القصص والأساطير الفرعونية في صياغة روايات معاصرة ذات حبكة مغايرة.

هكذا يأتي معرض أنوبيس نقطة التقاء بين الماضي والحاضر، فلا يدري زائره: هل أبحر الفنانون بقوارب عجائبية في تجارب سابقة، أم أن أنوبيس نفسه هو الذي قفز من فضائه إلى ساحة العصر الحديث، ليكون شاهدًا على لقطاته الدامية ووجوهه البائسة؟

من أعمال المعرض التي تبرز بوضوح همزة الوصل بين العصور، تجربة الفنانة نوران عباس، التي استخدمت فيها خامات مختلفة على ورق، فأنوبيس هو جليس غرفة معيشة ذات أثاث حديث، والرموز والأيقونات الفرعونية تملأ جدران المنزل، وتدلي الطبيعة أيضًا بدلوها، بشجيرة خضراء تحرس الحياة من مهدها إلى أبد الآبدين.

وتتجلى الخامات المركبة، من كولاج وأكريليك وماركر على ورق كارتوني لدى هايدي محمد، إلى لاكيه وخشب محفور لدى أحمد أبو علي، إلى حبر وأكولين على ورق عند يحيى حسن، وتستخدم سارة عوف خيوطًا على قماش، وإيمان عبد الكريم زيتًا على ورق مضغوط، ومروة محمود أكريليك على توال، وتتعدد الخامات الأخرى: غواش، أكوريل، باستيل، وغيرها.

في عملها (باستيل وكولاج على ورق) تقترح نرمين بدوي تآلفًا بين الحضارتين، الفرعونية والإسلامية، وهو ما صورته بتجاور الإله أنوبيس ولوحة مكتوب عليها حديث نبوي، جنبًا إلى جنب، على حائط بيت مبني بطريقة عصرية، ومفتوح بابه بما يوحي بإمكانية دخول الزائرين أو أهل البيت، فهو مكان بمنزلة وطن.

ويحضر أنوبيس متقطعًا باهتًا في خلفية المشهد، في عمل الفنان أحمد مبارك (غواش وأكريليك على ورق)، فيما تأتي الأشكال الهندسية الصارمة من مستطيل ومثلث لتهيمن على المشهد بألوانها الصاخبة، وتتحول الخطوات إلى متاهات للإنسان المفتش عن الحقيقة.

ويحيل شبح أنوبيس الفنان محمود صابر في عمله الفني (أكوريل على ورق) إلى أجواء المقابر في العصر الحديث، حيث الهزيع الأخير من عمر الإنسانية المتلاشية أو الساعية إلى الانقراض. لكن الشمس تشرق من جديد في كولاج نوفير موريس، وتتهيأ العتمة للانقشاع.

ومع التجوال في معرض “أنوبيس”، تتوالى الصور والحكايات والأساطير، ولا يكتفي الفنانون بالأقاصيص والرموز الفرعونية، إنما يضيفون إليها السير الشعبية، والملاحم الموروثة في الأدب المصري الشفاهي، وأيقونات التراث العربي والإسلامي، فأنوبيس هو الراوية العليم أو قلب الأم الذي يتسع لكل العصور التي شهدتها مصر القديمة والحديثة.

معرض “جماعة اللقطة الواحدة”، شريط خصيب من اللقطات التتابعية، التي تسرد محاولات مضنية لزراعة الحياة من جديد في تربة الموت المستعصية، وينجح الفن عادة في ما قد تتشكك فيه الوقائع الجارية.