الرواية غابة إذا كانت القصة أشبه بالشجرة

 حوار مع الكاتب العماني محمود الرحبي حول تجربته القصصية وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.
زكي الصدير- صحيفة العرب اللندنية

صدرت مؤخراً عن دار مسعى الكندية بالتعاون مع الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، الأعمال القصصية الكاملة للروائي والقاص العماني محمود الرحبي مشتملة على ست مجموعات قصصية التي قدّمها للقارئ منذ 1998، حيث ضم الكتاب مجموعة “مرعى النجوم”، و”ساعة زوال” و”أرجوحة فوق زمنين” و”لماذا لا تمزح معي”، و”بركة النسيان”، و”اللون البني”. وتأتي هذه المجموعة تتويجاً لعمل أدبي متواصل بين الرواية والقصة، حيث أصدر الرحبي العام الماضي أيضا المجموعة القصصية “لم يكن ضحكاً فحسب” عن دار فضاءات الأردنية، وبين هذه المجموعات أصدر عدّة روايات نذكر منها “خريطة الحالم”، و”درب المسحورة”، و”فراشات الروحاني”، و”أوراق الغريب”.

 هذه الأعمال الجادة رشّحته عن جدارة لنيل جائزة السلطان قابوس في نسختها الأولى عن مجموعة “ساعة زوال” العام 2012، وجائزة دبي الثقافية المركز الأول عن مجموعة “أرجوحة فوق زمنين”. وجائزة الجمعية العمانية للكتاب عن مجموعة “لم يكن ضحكا فحسب”. كما صعدت مجموعته القصصية “لماذا لا تمزح معي” إلى الخمسة الأوائل في مسابقة الملتقى للقصة العربية بالكويت عام 2017.

الكتابة في الصباح

عوالم الرحبي السردية عوالم سحرية متكئة على عبق المكان وتاريخ وأرشفة الإنسان. هذا الأرشيف الذي ينمو في علاقتنا بالعادات والتقاليد والدين والثقافة، وكأنه يرصد حالة الإنسان الضائع في تفاصيل الإسمنت النفطي.

وعن ذلك يحدثنا الرحبي قائلا “تأتي القصص عادة كتتويج للحظات تأمل. تختمر الفكرة ثم تراها تندفع على الورق أو الشاشة. إنّ تدفق الفكرة ما هو سوى تتويج لتفكير طويل. أنت تفتح ملفاً في رأسك قبل أن تفتحه على الورق أو تطبعه على الآلة، هذا الملف يمتلئ صورا ثم يفيض على هيئة كلمات. بالنسبة لقصة ‘مرعى النجوم’ هي نتاج رحلة قمت بها رفقة والدي إلى قرية عمانية جبلية، وفي طريق العودة كانت الفكرة تتشكل صوراً سردية في رأسي، وبعد وقت رأيتني أكتبها دفعة واحدة. ثم تركتها تختمر حتى تتلاشى حرارة الكاتب – كما يقول الناقد سعيد يقطين في إحدى محاضراته- رجعت إليها بعد ذلك تنقيحا وتشذيبا”.

ويتابع الكاتب “الطفولة نبع أساسي عند الكاتب، وفي الحقيقة الكاتب يظل يكتب طفولته دون أن يشعر، إنه رهين تلك البراءة الأولى التي انفرطت من بين يديه مع الزمن ويرغب في تعويضها بالتذكر. وثراء القرية العمانية كان خير معين لكثير من الكتاب العمانيين. ندين بصورة أو بأخرى للطفولة، وأنا من حسن حظي كتابياً ربما، أني عشت في قرية سرور وفي مدينة مطرح. إجازات الصيف قضيت الكثير منها عند جدي في القرية، حيث كنت أقوم بمساعدته في القراءة له والاهتمام بضيوفه، ووقت المدرسة في مطرح حيث درست الابتدائية. لذلك انعكس هذا الفضاء في الكثير من قصصي”.

في مسار لغة الرحبي القصصية يرصد القارئ لمجاميعه الصادرة منذ 1998 قفزات واضحة في الاشتغال السردي، الأمر الذي يجعل من كتلة القصة لديه ذات مناخ واحد أو عدة مناخات مختلفة قائمة على طبيعة السؤال الذي تقوم عليه.

وعن هذا الشأن يقول “أكتب عادة في الصباح الباكر حيث يكون الذهن في صفاء، ولكن القراءة عندي هي الأهم، ففي نظري لا يوجد شخص مثقف وآخر نصف مثقف، هناك شخص يقرأ وشخص لا يقرأ. وكان بورخيس يفتخر أنه يقرأ ولكنه رغم ذلك ترك مجلدات من القصص والمقالات. وفي ما يتعلق بسؤالك عن القصص ذات المناخ الواحد، فكل كاتب لديه طريقته وهندسته، فهناك من يهندس قصة واحدة، وهناك من يهندس مجموعة كاملة تأخذ نسقا وفضاء ومناخا واحدا، ولكل اتجاه مناصروه. بالنسبة لي فإن كل قصة هي بناء مستقل بذاته، طبعا مع إمكانية اشتراك القصص من حيث الصياغة والمكان والرؤية، لأن المناخ الشمولي ينتمي أكثر للرواية، والقصة ما يميزها هو اختلاف كل قصة عن الأخرى، حيث يكون الرهان على مدى قدرة الكاتب من أن يجعل من كل قصة مختلفة عن سابقتها وعن لاحقتها، سواء من حيث الفكرة أو في طريقة تقديمها (التقنية) لذلك فإن كاتب القصة عادة ما يختار أحد عناوين قصصه كعنوان أو لافتة لجميع القصص، وهذا الأمر لا يخلو من إشارة دالة ومؤكدة على أن القصص هي كيانات متشظية يحمل كل منها استقلاله وإطاره”.

ويضيف في الشأن نفسه: “لكني في مجموعاتي الأولى – رغم استقلال كل قصة بناء وموضوعا- كنت أورد عناوين المجموعات من خارج عناوين القصص، مستندا إلى المناخ الضمني الذي يجمعها، فمثلا في مجموعتي ‘اللون البني’ كنت أعتبر هذا اللون موجودا في كل القصص، فهو لون الطين والجبال ولون جلودنا، وكنت أشعر حينها بأن اللون البني بتدرجاته يحيط بحياتنا وبالتالي يحيط بكل القصص. وهكذا فعلت أيضا مع مجموعة ‘بركة النسيان’، حيث إن جميع شخوص وأفكار هذه المجموعة ينتمون إلى تلك البركة الهامشية من الحياة”.

الرواية غابة

لا يكترث كاتبنا بالرقيب كثيرا، فهو مؤمن بأنه يكتب أدباً، والأدب من طبيعته الاعتماد على البلاغة والتشبيهات، وهذا -بحسب تعبيره- ما يجعل اللغة أساسا في الأدب. يقول “يجب ألا تكون لغة الأدب توصيلية ومباشرة كلغة الصحافة مثلا. وطبعا دون أن تكون مغرقة في الغموض والإلغاز، إنما تكون لغة حمّالة، بسيطة وغامضة في آن كالماس. هذا ما أحاول فعله وليس بالضرورة أن أوفق في كل القصص ولكني أحاول قدر الإمكان أن أختار لباسا مناسبا للأفكار”.

يمتلك الرحبي قدرة سردية تكمن في تمسكه الروائي بتعدد الشخوص بتفصيلاتها النفسية والزمنية في فضاء النص القصصي الطويل، وهذا ما وجدناه في اشتغاله الروائي. ولكن هنالك سؤال يسكن بين القصة والرواية، فمتى يجب على الحالة الكتابية أن تتحوّل إلى رواية ومتى يجب أن تكتفي بالقصة فقط؟

يجيب الرحبي “الرواية فضاؤها أوسع، هي أشبه بالغابة إذا كانت القصة أشبه بالشجرة. لذلك فبعض المواضيع لا يمكن تكثيفها قصصياً والعكس صحيح. مثلا في رواية ‘فراشات الروحاني’ كنت أحاول معالجة موضوع كان منتشراً جداً في الآونة الأخيرة وهم المعالجون بالطاقة الروحية، والذين يستمدون عملهم من علوم الروحانيات في الأساس، أو من خلال خلاصات وظيفية مترجمة من لغات أخرى. لم أكتف طبعا بالموضوع إنما أدخلت فيه حبكة روائية وقصة حب متجذّرة بين معالج روحاني بحريني وفتاة لبنانية، ومن خلال الجلسات العلاجية حاولت أن أبرز أهم تناقضات المجتمعات في الخليج. ومثل هذا الموضوع لا يمكن معالجته إلا روائيا، لأنها القالب الفني الممكن في مثل هذه المواضيع المعقدة، بينما القصة تذهب أكثر جهة الشخصية الواحدة والأفق المتماسك كما أنها تعتمد على الاقتصاد في اللغة”.

وفي معرض حديثنا عن المشهد السردي العماني المعاصر يرى محمود الرحبي أن “السرد في عمان يخطو خطوات وثابة وهادئة في آن. فكثيرا ما يفاجئنا المشهد العماني بكاتب جديد، وحتى الكتّاب المتأصلون في المشهد القصصي والروائي يحرصون دائما على أن يقدموا جديدا مختلفا، أذكر على سبيل المثال وليس الحصر مازن حبيب وسليمان المعمري وحمود الشكيلي وعبدالعزيز الفارسي وحمود سعود ويحيى سلام المنذري وحسين العبري ويونس الأخزمي والخطاب المزروعي ووليد النبهاني وهدى حمد وبشرى خلفان ويعقوب الخنبشي وجوخه الحارثي وأحمد الرحبي وسعيد الحاتمي وزهران القاسمي وآخرين ربما نسيت ذكرهم في هذه اللحظة”.